من آثار الدكتور هاشم الطعان

من آثار الدكتور هاشم الطعان

الأدب العربي ضد الإمبريالية

لقد وقف الاديب العربي بجانب شعبه ابان معاركه كلها منـذ الحملات الصليبية والاكتساح المغولي وتوالي السيطرة الاجنبية حتى العصر الحديث. ولئن كثر ما خلا الادباء آنذاك الى همومهم الخاصة لهم حين يجد الجـد منشدون في الملاحم.

وتحت كابوس دولة بني عثمان ـ وبعد دعوات الاصلاح التي لم تجد أذنا صاغية ـ وقف فريق من الادباء ينشدون مجد أمتهم الضـائع، وكان هذا ضروريا في بعث اليقظة، حتى إذا دوى صـوت ابراهيـم اليازجي (١٨٤٧- ١٩٠٦).

تنبهوا واستفيقوا ايها العرب فقد طمي السيل حتى غاصت الركب

كان ذلك اشعارا الى التاريخ ان نهضة تتململ، على ان انحسار ظل دولة الاقطاع العثماني التي لم تغير ثورة ١٩٠٩ البرجوازية من طبيعة هيمنته على البلاد العربية كثيرا بل زادت شراسة المتسلط ـ هذا الانحسـار الذي بـدا في وقت مبكر ممثلا بالاستعمار الفرنسي للجزائر ١٨٣٠ والاستعمار الانكليزي لمصر ١٨٨2 بعد ثورة عرابي وانتهى باندحار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ١٩١٨.

هذا الانحسار الذي دام ليبلغ غايته حوالي قرن لم يجيء لصالح الشعوب المغلوبة على أمرها ولم ينفع العرب ما قدموا من تضحيات في الحرب العالمية الاولى من اجل امانيهم القومية واستقلالهم فقد تغلغل نوع من التسلط جديد العن من التسلط العثماني استعمار أقتسم البلاد العربية مدشنا عهدا جديدا من الاضطهاد وعهدا جديدا من الحركة هو الاستعمار الإنكليزي والاستعمار الفرنسي والاستعمار الإيطالي والاستعمار الاسباني.

وفي وقت مبكر تنبه الاديب العربي الى مسالة الشعب، وأيا كانت المناسبة وأيا من كان المقصود فان صرخة اديب اسحق الاديب السوري (١٨٥٦- ١٨٨٥):

قتل أمرئ في غابـة جريمة لا تغتفر

وقتـل شعب آمـن مسـالة فيهـا نظر

هذه الصرخة دفعت الاديب العربي الى استشراف الموقع الصحيح في التعامل مع الجماهير. وقد فضحت ثورة اكتوبر اتفاقية سايكس- بيكو السرية المعقودة بين الدول الاستعمارية انكلترا وفرنسا وروسيا القيصرية وقرعت ناقوس الخطر الذي جعل الشعوب العربية متأهبة لخوض النضال مجددا. لقد وضع العقدان الثاني والثالث الشعوب العربية في مواجهـة الاستعمار والامبريالية في ثورات مسلحة فاستؤنفت المعارك التي كانت قد بدأت قبل ذلك في الجزائر حيث قاد احداها الشاعر الثائر عبـد القادر الجزائري وفي ليبيا حيث استنفرت همم المجاهدين وأطلقت السنة الادباء العرب.

لقد اندلعت ثورة 1919 في مصر وقد أرخها الادب وكانت روايـة عودة الروح لتوفيق الحكيم صورة صادقة للأدب الثوري المتفاعل مع آمال المجاهير وطموحاتها. وفي تموز ١٩٢٠ كان السوريون يخوضون الثورية في البلاد العربية لمقاومة هذا التسلط الجـديـد الممثـل في معركة ميسلون ضد الاستعمار الفرنسي حيث أصبحت هذه المعركة معلما من معالم التاريخ الثوري استؤنفت بعدها الانتفاضات والثـورات السورية. وارتفع صوت الادب في شعر الرصافي والجواهري وشوقي والغلايني والزركاني وخليل مردم.. الخ وفي حزيران ١٩2٠ اندلعت الثورة العراقية في محاولة بطولية لإزاحة الاحتلال البريطاني فاندلع الشعر آبانها يذكي الهمم وبعدها يؤرخ المجد. يتجلى ذلك في شـعر محمد مهدي البصير أحد المشاركين في الثورة وفي شعر الجواهري وفي شهر عشرات الشعراء. وفي المغرب الاقصى في آب ١٩2٠ كان عبد الكريم الخطابي يقاتل الاسبان في معارك بقي صداها (انظر مثلا قصيدة علي محمود طه ١٩٤٧) واستأنف الثوار العرب في ليبيا نضالهم ضد الاستعمار الايطالي الذي بدا ١٩١٢ وكان للرصافي فيه أكثر من قصيدة وانتهت الجولة الجديدة بقتل الثائر الوطني عمر المختار وقد اثار ذلك مشـاعر الادباء العرب وكانت أبرز قصيدة لأحمد شوقي في رثائه:

ركزوا رفاتك في الرمال لواء يستنهض الوادي صباح مسـاء

لم تخب جذوة الثورات العربية يوما ولكن الحرب العالمية الثانيـة كانت منعطفا في تاريخ العرب كما هي منعطف في تاريخ العالم. ان استعراضا جغرافيا تاريخيا للبلاد العربية يومذاك يضع امامنا الحقائق التاليـة:

1 ــ كان قسم من البلاد العربية يخضع لحكم استعماري بواجهات محليـة.

2ــ وكان قسم آخر مستعمرا استعمارا مباشرا.

3ــ وكانت ثمة اجزاء لا نستطيع ان نسلكها في النوعيـن السـابقين كاليمن مثلا ـ فهي ليست مستعمرة ـ ولكنها كانت تخضع لحكم اقفل عليهـا ابواب القرون الأولى ولم يسمح لنسمة واحدة معاصرة بالهبوب.

على أن حقيقة مهمة يجب ان لا تغيب عن ذهن الباحث، هي اتساع الجماهير العربية التي شرعت تساهم في العمل الثوري فلم تمر السنوات السابقة دون أثر.. لقد كان للثقافة التي هبت رياحهـا علـى البـلاد العربية أثرها ـ على ان المستعمرين حاولوا أن يوجهوها لصالحهم ـ ولم تقف هذه الثقافة حيث اراد المعوقون. وكان للممارسات الثورية الطويلة التي قام بها النخبة المتنورون في البدء وقادوا لهـا ما استطاعوا مـن الجماهير، كان لهذه الممارسات أثرها الايجابي فقد اشعلت النار.. ولم يعد من الممكن ايقافها حتى تبلغ غايتها. ولم تهب رياح التغيير على الاحداث السياسية حسب بـل فعلـت فعلها الايجابي ايضا في مجال الادب. فقد طرحت أهم مسألتين تهـم الادب العربي مسألة الاشكال الجديدة والتجديد في الاشكال القديمة ومسألة التزام الاديب بقضايا الجماهير وعبر مخاض طويل اشبه بالمخاض الثوري وعبر مناقشات طويلة وعبر معارك ضارية ان صحح التعبير انتصر منطق الحياة. لقد انتصرت مسألة التجديد وفرضت الاشكال الصالحة منـه وجودها كالشعر الحر مثلا. وانتصرت مسألة الالتزام فلم يعد أي اديب مهما تكن نظرته الفلسفية للأمور يستطيع ان يغمض عينيـه عـن حقائق الثورة الهائلة التي يخوضها العرب. وكان أبرز ما حرك الوجدان قضية فلسطين التي افرد لهـا فصلا خاصا والثورة الجزائرية التي عدت من الملاحم، وأعقب ذلـك حــركات التحرر في مصر وسورية والعراق والسودان.. الخ. وكان للتحركات الاستعمارية المضادة من اجل اخماد جذوة الثورة أثرها العميق على وجدان العرب وبالتالي على وجدان الادب.

وكان العدوان الثلاثي 1956 على مصر منعطفا آخر في تاريخ العرب وتاريخ ادبهـم. لقد انفلت العقال وانطلق المارد من قمقمه وأصبح الاديب ثائرا وكل دعوى لا تؤكد ذلك أصبحت فأفأة لا يفهمها جمهور القراء العـرب الذين أصبحوا جزءا مهما من الثورة.. واصبحـوا عاملا في الادب نفسه. ان الادب العربي أصبح- في آخر حساب - سلاحا مشهورا ضد الامبريالية وركائزها في الوطن العربي الرجعية والصهيونية. على اننــا لتتضح الصورة أكثر يجب ان نشخص ملامح عامة للأدب العربي في موقفه ضد الامبريالية.

١ ان جميع الأنواع الأدبية استطاعت ان تحتوي مضامين تقدميـة وان تكون سلاحا في المعركة.

فالشعر هو نوع موروث عريق كان المنشد الرئيس وقد أشرنا إلى نماذج فيما سلف والاحصاء غير ممكن في هذا المجال لسعة المشاركة وعمقهـا. وحين ولدت الاشكال الجديدة من الشعر لم تتخلف من المعركة ان لم تكن قد ولدت اصلا لضرورات المعركة وهكـذا ارتفـع صـوت السياب وصلاح الدين عبد الصبور والفيتوري.. الخ في جوقة المنشدين الجدد.. وما زالت حتى محاولات التجديد التي لم تثبت اقدامها بعد لا تناقش مسألة وقوف الاديب الى جانب شعبه قدر ما تناقش اسلوب هذا الوقوف. والمقالة التي ولدت مع ظهور الصحافة لم تتردد.. أن لـم تـكـن قد كرست اصلا من اجل هذه المعارك. ومن أقدم المقالات مقالة جريدة الجوائب الصادرة في ١٤ ربيـع الاول ١3٠٠ هـ حول (دسائس ايطاليا في شمال افريقيا) ومقالة المنـار حول (المسألة الصهيونية) سنة ١٩١٤ ومقالة عمر راسم في جريدة (ذو الفقار) الجزائرية في نفس السنة. وتطورت المقالة السياسية وكثرت على اننا نستطيع ان نشير الى ادباء من كتاب المقالة السياسية لمعت أسماؤهم في هذا المجـال منهـم عمر فاخوري اللبناني في كتبه لا هوادة والحقيقة اللبنانية وفهمي المدرس وإبراهيم صالح شكر في العراق.

ولعبت المسرحية دورا مهما وليست مسرحيات توفيق الحكيـم السياسية (سلطان الظلام) ضد النازية و (شجرة الحكم) هي كل ما يشار اليه.

اما الرواية فقد ذكرنا (عودة الروح) لتوفيق الحكيم ونذكر روايات نجيب محفوظ على سبيل المثال لا الحصر. ولم تقصر القصة القصيرة بل ربما كانت الصق الانواع الادبيـة بعد الشعر بالمعركة.. ففي العراق عرف ذو النون ايوب وعبـدالحق فاضل ومن بعد هذا الجيل نبغ شاكر خصباك وعبد الملك نوري وغائب طعمة فرمان وفي مصر اضافة الى محاولات نجيب محفوظ القليلة عرف يوسف ادريس، ولم تكد تخلو مجلة عربية من قصة او أكثر.

2- لئن كان الاديب العربي ينفعل بالمعارك المباشرة التي يخوضها أبناء بلده لقد كانت المعارك العظمى معارك قومية فلم تتصاد فيها الجماهير العربية في كل مكان حسب وإنما وجدت صداها في ادب كل الاقطار ولسنا بحاجة الى ايراد الأمثلة على ذلك فهي أكثر وأظهر من ان تكون مجهولة. ويذكر ان ادباء المهاجر قد ساهموا في معارك شعبهم.

3- استيقظ الاديب العربي في وقت مبكر على وحدة المعركة في كل العالم ضد الاستعمار. فمنذ ١٩2٠ جلجل صوت الجواهري:

وقد خبروني ان في الشرق وحدة كنائسه تدعو فتبكي الجوامع

وقد خبروني أن للعـرب نهضة بشائر قد لاحت لها ومطالـع

وقد خبروني ان مصـر بعزمهـا تناضل عن حق لهـا وتدافـع

وقد خبروني ان في الهنـد جذوة تهاب إذا لم يمنع الشر مانع

وللرصافي قصيدة يربط فيها بين كفاح العراق والهنـد بعنـوان (الفيل والحمل) وكتب فهمي المدرس مقالة عن غاندي ولشوقي قصيـدة عـن غـانـدي. ووجدت حركات التحرر أصـداءها فللجواهري قصيـدة فـي إندونيسيا ولعلي محمود طه قصيدة أخرى في الموضوع نفسه. واتسعت المسألة فوجدت قضية كوريا مكانها في الأدب العربي وحركات التحرر الافريقية حتى إذا كانت ملحمة فيتنام لم يتردد الأديب العربي في استماع صوته. ولعمق الحس الثوري لدى الأديب العربي فاتجه بحزم الى المواقع الصحيحة ولدينا قصيدة الجواهري وعلي محمود طه المهندس من معركة ستالينغراد مثل عظيم على هذا الاتجاه وكذلك كتاب عمر فاخوري (الاتحاد السوفييتي حجر الزاوية).. ان كل معركة ضد الاستعمار تنشب في اي مكان في العالم تصبح معركة الاديب العربي.

الادب العربي ضد الصهيونية

ربما كان من نافلة القول التحدث عن القضية الفلسطينية تاريخيـا فهي منذ مطلع هذا القرن شغل العرب الشاغل دائما وشغل العالم احيانا. وقد انتهت كل التشخيصات المنصفة العربية وغير العربية الى وصم الصهيونية بحق- بانها حركة شوفينيـة اعتدائيه عميلـة للاستعمار.

ما يهمنا هنا موقف الادب العربي من هذه المسألة التي استمرت نصف قرن وما زالت قائمة تهدد ليس حقوق الشعب العربي الفلسطيني فقط بل الشعوب العربية باسرها والسلام العالمي فبالنسبة للشكل يصدق هنا ما صدق على الادب العربي المعـادي للإمبريالية من حيث مساهمة كل الانواع الادبية فلا حاجة الى الخوض في تفاصيـل ذلـك. على اننا بحاجة الى توضيح معالم أخرى، وربما كان أجدى للدارس ان يقسم البحث الى فصول لتسهيل الدرس. وانما اضـع هنا خطوط عامـة:

١ ـ أرى أن يقسم الباحث الأدب المتعـدي للمسألة الفلسطينية الى قسمين رئيسين:

أ - أدب الفلسطينيين أنفسهم

ب - أدب العـرب مــن غـير الفلسطينيين

2- ويقسم كل قسم من القسمين المذكورين الى فترات زمنية متميزة

أ ـ منذ بدء الهجرة الصهيونية حتى ١٩٤٨

ب- منذ ١٩٤٨ الى ١٩٦٧

ج- منذ ١٩٦٧ حتى الآن.

أدب الفلسطينيين: -

أ- ما قبـل ١٩٤٨

كان الفلسطينيون في الخطوط الأولى بحكم الواقع الانتداب الانكليزي على فلسطين وفي حقائب الانكليز وعد بلفور سيء الصيت. وبدأت الهجرة اليهودية، وبدأت الاساليب المختلفة للسيطرة على الاراضي. كانت اصوات الادباء قرعا لنواقيس الخطر فهو تارة منذر بعواقب الهجرة على لسان ابراهيم طوقان

ارى عددا في الشؤم لا كثلاثة وعشر ولكن فاقه في المصائب

هو (الالف) لم تعرف فلسطين ضربة اشـد وانكی منـه يوما

لضارب

يهاجر ألف ثم ألف مهـربا ويدخل ألف سائحا غير آیب

وألف جواز، ثم ألف وسيلة لتسهيل ما يلقونه من مصاعب

وفي البحـر آلاف كان عبابـه مشحونة في المراكـب

وهو تارة ساخر (بالزعماء) الذين يضيعون فلسطين على لسـان ابراهيم طوقان أيضـا:

انتـم المخلصون في الوطنيـــة. أنتم الحاملون عبء القضية

أنتم العاملون مـن غير قول بارك الله في الزنـود القويـة

و(بیان) منكم يعـادل جيشـا بمعدات زحفـه الحربيـة

و (اجتماع) منكم يرد علينـا غابر المجـد مـن فتـوح اميـة

البلاد صار على الباب وجاءت اعياده الورديـة

ما جحـدنا (افضالكم)، غير انا لم تزل في نفوسنا أمنيـة

في يدينــا بقية مـن بـلاد فاستريحوا كي لا تطير البقية

وهو مرة أخرى ثائر يحمل السلاح وينشد كما فعل عبد الرحيـم محمـود:

سأحمل روحي على راحتي وألقي بهـا في مهـاوي الردى

فأما حيـاة تسر الصديق واما ممات يغيظ العدى

ب. أدب الفلسطينيين من ١٩٤٨- ١٩٦٧

حتى إذا كانت النكبة عام 1948 وشرد الفلسطينيون العرب مـن ديارهم وأعقبتها مجازر قام بها الصهاينة.. واعتداءات كان اضخمهـا عدوان 1956 بمؤازرة فرنسا وبريطانيا. لم يرتفع صوت الفلسطيني الا حالما بأيام العودة.. كان جيل النكبة المشرد يحن الى العودة ويحلم بها. ولكنه لا يجد تجسيدا للعمل من اجلها. فلم تكن حركة المقاومة قد انبثقت وكانت الانظمة التقدمية تولد بعد النكبة دون أن يحـس الأدب بدورها.

قبل وعد بلفور الى مخاطر الصهيونية.

. ومنذ وعد بلفور.. ثم الانتداب الانكليزي كان الأديب العربي في كل مكان يهتز لكل ما يحدث في فلسطين، الثورات والانتفاضـات النكبة والنكسة، المقاومة. وتلون ادب الادباء العرب بنفس الانفعالات التي تلـون بهـا الادب الفلسطيني في مراحله الثلاث على اختلاف، في الشكل الفنـي وعمق الانفعـال.. وتفاوت في التشخيص وهذا وذاك يحتاج الى دراسات ضخمة.

الاديب المعاصر العدد 5 لسنة 1973

لنين منذ فجر أوكتوبر في اللغة العربية

في حزيران 1912م كان عمال روسيا القيصرية يقراون في جريدة البرفدا- الجريدة البلشفية التي مضى على صدورها حوالي شهرين- مقالة عن نهاية الحرب التركية الإيطالية في ليبيا وعن وحشية الاستعمار الإيطالي في زعمه (تمدين!!) سكان ليبيا العرب. وفي المقالة إحصائية تقدر خسائر العرب ب 14800. وذكرت المقالة ((ان القبائل العربية في قلب افريقيا في مناطق بعيدة عن الساحل ترفض الاستسلام.. ولمدة طويلة سيستمر ((تمدينها)) بالمدافع والحراب والمشانق والنار)).

كانت المقالة موقعة بالحرف (ت) وكان كاتب المقالة رجلا ربعه أصلع متين البنيان ذا عينين حيتين- كما وصفه غوركي- وكان قد انتقل وشيكا من باريس الى مدينة كراكوف في بولونيا ليكون أقرب الى روسيا.

انه سجين سياسي سابق، ومنفي سابق أيضا الى سيبيريا تعرفه السجلات الحكومية باسم فلاديمير ايلتش اوليانوف، ويعرفه رفاقه.. وخصومه أيضا باسم لينين.

وكانت الحرب التي تحدثت عنها المقالة قد شنها الاستعمار الإيطالي في محاولة لإيجاد أسواق جديدة ومواد خام رخيصة، ولم يقتصر عدم مبالاة المستعمرين الافظاظ على ما وقع بالشعب العربي، فهم قدموا وقودا لهذه الحرب حوالي 20000 إيطالي بين جريح وقتيل.

لقد اثارت هذه الحرب مشاعر العرب فهبوا في كل اقطارهم للوقوف بوجهها وقد شارك في القتال كثيرون كان منهم شاب سوري اسمه شكيب أرسلان وكان في صفوف المقاتلين الليبيين آنذاك شخص يدعى عمر المختار لم يبرز اسمه في تلك الأيام الى الصفوف الأولى.

وكان في الاستانة (إسطنبول) عاصمة الدولة العثمانية مناضل مصري اسمه محمد فريد حاول الإنكليز وصنائعهم إدخاله السجن لأنه طالب بأنهاء الاحتلال الإنكليز لمصر، فغادر البلاد ليعمل في الخارج.

وفي مصر كان رجل اسمه سعد زغلول قد استقال من وزارة الحقانية (العدل) لان رايه لم يؤخذ في مسالة التحقيق مع محمد فريد.

كانت البلاد العربية تتملل متلمسة طريقها، فمنذ أسقط السلطان عبد الحميد وقفزت البرجوازية التركية الى الحكم واضعة محمد رشاد على سدة الخلافة راح أعضاء (تركية الفتاة) الذين تسنموا دست الحكم يسيرون على سياسية الاتفاق مع الرجعية الداخلية والاقطاعيين وكذلك مع الامبريالين.

وأحس العرب بوضوح أكثر مع مر الأيام ان الثورة التركية جاءت لتفرض أسلوبا ((جديدا)) في التسلط والاستغلال ودارت نكتة رواها أحد احفاد من عاصروا تلك الأيام تقول ان سائحا كان قد زار إسطنبول أيام السلطان عبد الحميد عاد فزارها بعد اعلان الدستور فراح يتلمس التغيرات التي طرأت فاذا به يرى المطاعم والفنادق والحمامات قد استبدلت اسماءها ((السلطانية)) القديمة بأسماء (دستورية) جديدة على ان الاختيار لم يجد تغييرا يذكر في محتوياتها.

على ان العرب أرسلوا ممثليهم الى مجلس المبعوثان، فكان شاعران عراقيان هما جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي عضوين فيه وعاد شكيب أرسلان من برقة الى إسطنبول ليمثل مدينة حوران في هذا المجلس.

ودارت الأرض حول الشمس خمس دورات فانبعثت ثورة اوكتوبر العظيمة التي قرعت الجرس مؤذنة بان فجر الانسان شرع يمزق ظلمات التسلط والاستغلال وكل ما ينجم عنهما.

وأعلنت حكومة العمال والفلاحين في روسيا بقيادة لينين انها جاءت الى جانب الشعوب المهضومة، وفضحت اتفاقية سايكس بيكو، التي ارادت اقتسام اسلاب الرجل المريض، فكان ذلك نذيرا للعرب بأنهم الان في مواجهة استغلال (جديد) ولكنه ضار.

فهبت هذه الشعوب تقاتل من اجل تحقيق امانيها فكانت ثورة 1919 في مصر التي أرسل لينين رسالة الى قائدها سعد زغلول وكان لينين قد تلقى من محمد فريد رسالة تحية يثمن فيها مواقف روسيا السوفيتية إزاء مسالة الشعوب.

وكانت ثورة 1920 في العراق التي أحس الإنكليز المستعمرون أنفسهم انها متأثرة- بهذا القدر او ذاك- بثورة اوكتوبر.

وكتب الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي سنة 1924 بعد ذلك يناقش الاشتراكية في كتابه المجمل مما أرى..

وبعد ذلك بزمن قال الرصافي:

للإنكليز مطامع ببلادكم لا تنتهي الا بأن تبلشفوا

وكان نفر من مثقفي العراق قد شاموا قبسا من الفكر اللينيني. وكان الطالب العراقي حسين الرحال قد عاد من المانيا عام 1921 ليطلع اخوانه على افاق الفكر الجديد.

وفي سوريا قال أحد أعضاء لجنة توحيد العرب في محاضرة له سنة1920 ((العرب يكنون الاحترام للينين وأصدقائه والثورة التي فجروها لتحرير الشرق من الطواغيت الأوربيين وان سعادة العالم وهدوءه يرتبطان باتحاد العرب والبلاشفة..)).

وعقد مؤتمر لشعوب الشرق في باكو سنة 1920 فحضره ثلاثة من العرب وقدمت الى المؤتمر الثاني للأممية الثالثة في موسكو مذكرة من أبناء بلاد ما بين النهرين.

واتيح لشكيب أرسلان ان يكون أحد المدعوين الى الاحتفالات المقامة بمناسبة الذكرى العاشرة لثورة اوكتوبر 1927 فعاد وكتب متسائلا لماذا لا يعقد العرب صلات رسمية مع روسية؟

وقال ان الكراهية كانت بين العرب والروس بسبب الدولة العثمانية وقد انفصل العرب عن تركيا ولما لم يبق للعرب علاقة بتركيا فليس بيننا وبين الروس الا المودة والصفاء والسلام ((جريدة الشورى عدد كانون الأول 1927 وعدد كانون الأول 1927)).

كما كتب (انا لست شيوعيا ولم اقرا ما كتبه ماركس ولكني اعرف بان لينين كان الأول الذي أوحى الى البروليتارية بمشاعر الصداقة نحو شعوب المستعمرات والشيوعيون كانوا الأوائل من بين الذين نشروا هذه الفكرة ومارسوها في التجربة) - عن - الأخبار اللبنانية العدد 809- عن مقالة للينين نشرها في جريدة ((نزاع)) الطبقات قبيل سقوط حكومة كيرنسكي ولعل هذه المقالة اول ما نشر للينين بالعربية..

وفي الجزء الذي قبله (اذار 1918) تحدثت مجلة الهلال عن سقوط رومانوف وكيرنسكي ونشرت في اوكتوبر 1920 مقالا بعنوان ((حقيقة النظام البلشفي)) دحضت فيه الأكاذيب التي نشرتها معظم الجرائد عن اهل هذا المذهب الجديد (مثال ذلك ما اشاعوه عن اباحة النساء في روسيا البلشفية).

وعلق أحد قراء الهلال (إسكندر قسطنطين) من طرابلس الشام في عدد اذار 1926 وهو كما يقول شاهد عيان- وابدى استياءه من الوضع الجديد في الاتحاد السوفيتي اذ (صار العامل والاجير والخادم واغلبهم من الاميين أصحاب الحل والربط) وهاجم المجلة. وقد نشرت المجلة الرد وعلقت (اما المقال الذي نشرناه في الجزء الأول من هذه السنة فقد اعتمدنا على كتابات نفر من الملاحظين.. منهم سفير الولايات المتحدة سابقا في الدنمارك))..

ونشرت الهلال أيضا في الجزء التاسع (1920) مقالا بعنوان ((روسيا البلشفية- معلومات مستقاة من اصح المصادر واوثقها)) جاء فيه:

(لا ريب ان زعماء البلشفيك مخلصين في اعتقادهم وعملهم.. ولا يتناول زعماء البلشفيك- من لينين فما دون- من الطعام الا ما يتناوله الشعب الروسي.. وجاء في بلاغ لتشيشرين وزير الخارجية ((ما برحت روسيا الاشتراكية منذ ثورة نوفمبر (1) تعلن للشعوب الشرقية انها تتنازل (!) عن كل ما لها من الامتيازات بل انها مستعدة لمساعدة تلك الشعوب حتى تتمكن من إزالة الظلم الفادح الذي نالها وتستعيد حريتها المفقودة، ولقد الغينا جميع المعاهدات السرية التي عقدتها بعض الحكومات الشرقية مضطرة مع حكومة القيصر الاستبدادية)).. الاسرى من الأعداء يعاملون في روسيا أحسن معاملة، النساء في روسيا متمتعات بالمساواة التامة بالرجال ولهن احترام عظيم تعني الحكومة البلشفية بالأطفال والاحداث مثل عنايتها بالجيش وقد انشات في سنتين 10000 مدرسة جديدة).

على ان الرجعية العربية لم تكن غافلة فهي قد تحركت في الطريق المضاد من اللحظات الأولى، فقد أعلنت المقتطف في (مايو 1917) عن الثورة الروسية وسقوط رومانوف واستبشرت قائلة ((...ويظهر من الاخبار المقتضبة التي جاءت حتى اخر اذار عن هذه الثورة انها عامة اشترك فيها الجيش ومجلس النواب (الدوما) والشعب لا يستثنى منهم الا المتطرفون حزب العمال الذي يقال انهم فوضويون)).

ولما خيبت الاحداث ظنها راحت تكتب عن سجون البولشفيك (اذار 1919) والصلح الألماني. مؤتمر برست لتوفسك.. اكراه روسيا على صلح عسكري اغتصابي ((أيلول 1918)) ولم تنس ان تهاجم المظاهرة والاعتصار وتتحدث عن المندسين (حزيران 1919) فتطعن بذلك ثورة الشعب المصري. وراحت تتحدث في كل عدد من اعدادها فتنشر بحثا عن جبروت اميركا وقوتها واقتصادها وبولسيها.

وكتبت جريدة الموصل (20 كانون الأول 1918 العدد 11) عن ثورة ((البولشفيك)) في الاتحاد السوفيتي وأعلنت تأسيس حكومة جديدة لروسيا في ستوكهولم (23 كانون الأول 1918) وراحت تتحدث عن حرب التدخل بإسهاب ((عدد 17 كانون الثاني 1919)) وعن مساعدات أمريكا ضد البولشفيك (عدد 25 كانون الثاني 1919) وتحدثت في العدد عن توحش البولشفيك وأعلنت ان الحلفاء يحاربون البولشفيك في بلاد الروس. ونشرت بيانات (!) رئيس جمهورية بولونيا وقوله (إذا يروم أنصار الحلفاء تخفيف اوجاع الجنس البشري فيلزم سحق البولشفيك).

وفي العدد (4- 19 اذار 1919) نقلت جريدة الموصل عن جريدة العرب تصريح المستر لويد جورج الذي وصف الدعوة الخبيثة!! - والمقصود البولشيفية- بانها سم زعاف ولكنها لم تنس ان تنشر في العدد نفسه هذا الخبر برنة ترحيب: (واشنطن: أعرب الرئيس ويلسون للوفد الذي انتدبه مجمع اليهود الأمريكيون (!) عن اعتقاده ان الحلفاء متفقون على ان حكومة اليهود الجمهورية تؤسس في فلسطين والأميركيون على وفاق تام معهم في هذا الامر).. فكشفت بذلك عن هويتها الحقيقية..

(!) المقصود ثورة أكتوبر التي وقعت احداثها في 25 أكتوبر 1917 وفقا للتقويم القديم الموفق 7 نوفمبر- تشرين الأول 1917 وفقا للتقويم الجديد.

الثقافة الجديدة العدد 12 آذار- نيسان 1970م

·المقالات عن كتاب: مقالات الدكتور هاشم سعدون الطعان ــ اعداد سلام القريني ــ مراجعة الدكتور سعيد عدنان