اين اختفت مكتبة هاشم الطعان؟

اين اختفت مكتبة هاشم الطعان؟

رشيد الخيون

انت المكتبة أول هدف للشرطة السرية بالعراق، فما أن يُعتقل الباحث أو الكاتب، إلا وبعثرت مكتبته بحثاً عن كتاب ممنوع. وكان الأهالي يخفون كتب أحبائهم من المعتقلين بطرق شتى، كدفنها تحت الأرض، أو نقلها إلى جار مؤتمن. وآخرون كانوا يقطعون رأس البلية، الكتاب، بحرقه أو إتلافه بطريقة ما. وما أكثر كنوز، لا صلة لها بالسياسة، أتلفتها أمهات لا يقرأن ولا يكتبن، ويتخيلن كل كتاب مصيبة.

وكل مثقف، عاند السلطة، أو تجرأ على عدم مسايرتها، قصة مع مكتبته داخل العراق، ناهيك عن حياة الترحال التي عاشها المنفيون منهم، وما يتعلق بتأسيس المكتبات، ثم لا يحمل منها أكثر من عشرين كليوغراماً، وهو الوزن المسموح به في الطيارات، حين يغادر إلى مناف وملاجئ أخرى، وما أكثرها.مَنْ بحث في كتاب العراق بين احتلالين لعباس العزاوي (ت 1971)، سيقدر عدد المصادر التي استخدمها هذا المؤرخ، وسيتعاطف مع أحزانه، وهو على فراش الموت، على مصير مكتبته العامرة، وقلق ابنته على ذخيرة والدها. وكذلك الحال بالنسبة للأب ماري انستاس الكرملي (ت 1947). كان مصير مكتبة العزاوي، حسب ما نقله لي الأديب مير بصري (ت 2006)، أنه شاهد عمالا يرمون بالكتب من الشبابيك إلى بطن سيارة مكشوفة، وكأنهم يرمون بطابوق. أما مكتبة الأب الكرملي، فقد حشرت في مكتبة الموصل، وتفرقت شذر مذر، من دون أن يحفظ اسمه عليها، ومعلوم ما كان فيها من نفائس الأثر. وللعلم أن نشأة المكتبة الوطنية العراقية كانت فضلاً من أفضال هذا العالم، إذ تبنى نشأتها العام 1922، وبدأت تحت اسم مكتبة السلام، ثم نقلت محتوياتها لتأخذ اسم المكتبة العامة، ثم المكتبة الوطنية (1961)، وأُلحقت بوزارة الثقافة والإرشاد (قزانجي، المكتبات في العراق).أتذكر عندما صحبني الأديب سالم الدباغ (توفي منتصف الثمانينيات)، وكنت أحد تلاميذه، إلى بيت الأديب واللغوي هاشم الطعان (ت 1980) هالني عدم رؤية جدار في الدار، فقد غُلفت بالمجلدات، وتكوم بعضها على الروازين، وتحت السلالم. وما زاد دهشتي، أنه كان ينوي شراء مكتبة أحد المتوفين من العلماء!. وسألت هيثم نجل الطعان عن مصير مكتبة والده، فقال بحسرة كبيرة إنه بعد وفاة والده، واعتقاله، ثم إطلاق سراحه، من دون إكمال مدة الحكم 25 عاماً، جاءه الأديب ماجد العزي، وكان بعثياً، وعلى صلة جيدة بوالده، واقترح عليه بيعها إلى جامعة بغداد. لكن الجامعة رفضت شرطه، وهو أن تخزن تحت اسم صاحبها.ثم أعاد عليه الكرة واقترح بيعها إلى جامعة الكوفة، التي قبلت بالشرط. وسريعاً حُملت الكتب باللوريات تحت نظرات أفراد الأسرة الحزينة، ففي كل كتاب لفقيدهم لمسة من يده وخفقة من روحه، وقد جمعها، رغم العوز، كتاباً كتاباً. ولما ذهب هيثم إلى جامعة الكوفة لاستحصال ثمن المكتبة، وهو لايزيد على ما يُقابل أربعمائة دولار، كانت المفاجأة أن الكتب فرهدت قبل دخولها إلى الجامعة، وقسمت بين الأساتذة والمسؤولين، ولم يبق منها غير كتيبات، وليس هناك اسم لصاحبها ولا يحزنون. والأنكى من هذا لم يتمكن من استحصال المبلغ، وقد أنسل ماجد العزي من العملية برمتها.

من مقال نشر في المدى عام 2010 بعنوان " مصائر الكتب.. أين اختفت مكتباتهم؟"