هاشم الطعان ومظفر النواب

هاشم الطعان ومظفر النواب

جاسم المطير

كاتب راحل

هاشم الطعان مثقف من نوع خاص بكل ما يتعلق بالشعر و الأدب العربيين. المعروف عنه، أن احداً من الشعراء، القدامى و الجدد، لا ينال منه مديحاً نقدياً، إلّا ما ندر. غير انه فسح المجال لمظفر ان يحتل مكانته الشعرية في قلبه الشعري و عقله النقدي.

في أثناء وجوده بالنقرة كان يغوص في أعماقِ قصائدِ كل شاعرٍ، من شعراء الندوات الأسبوعية في كل خميسٍ من خميسات السجن، قبل ان يقول عنه رأياً. لم يكن يؤمن بمستقبل الشعر الشعبي، اعتماداً على المفردة الشعبية. كان لا يهوى الشعر الشعبي لأن هذا النوع من الشعر سوف يتوقف، يوماً ما، عن تبعاتهِ التاريخية، بعد أن ينتهي دوره في الثقافة الشعبية و (ينتهي البنزين المحرّك له..!).

هكذا كان يظن و يقول في اغلب الأحيان.

يؤكد بأحاديثه الجادة و غيرها، ان الشعر الشعبي سيفقد وجوده، مستقبلاً، إلّا في بعض استخدامات الحوار في الأغاني الشعبية و المسرح الشعبي، إذ سيظل الكتــّاب المسرحيون يستخدمون بعض طاقاته الاشعاعية في مسرحياتهم، التي يتنبأ الطعان، أنها ستقتصر على اللغة الفصيحة. كان الطعان غزيراً في النظريات النقدية.. تراه ينظّم، بين آونةٍ و أخرى، غارات نقدية مبيدة، على الكثير من الشعراء الشعبيين و الفصحى، نافياً اغلب دعاواهم عن اشعارهم، غير المتكاملة أصولها او فصولها. لذلك لم يسلم من نقده أي شاعرٍ، حديثٍ او قديمٍ، عراقي او عربي، سجين بالنقرة او غير سجين. كان على استعداد دائم لإثارة أي نزاع نقدي، بشأن الشعر. لم يسلم من نقده لا امرؤ القيس و لا المعري، حتى الشاعر المتنبي بمحاضرةٍ ألقاها أمام متابعيه في النقرة.

عن قصيدة الريل لمظفر النواب، أكد مجيباً على سؤال بعض الأدباء السجناء: انها محاولة نظرية تحتمل التجريب.

منح القصيدة المظفرية الشعبية حق الرؤيا لشاعرها و لكل محبيها ومراقبة تأثيرها في التقصي و الإبداع. قال عنها انها قصيدة اشرقتْ و اغربتْ في اجواءٍ شعرية، معقدة و ملبدة، لكنّ انجمها ظلّت لامعةً. لأن شاعرها استطاع اللعب الذكي، بمفرداتها و جعل لغتها الشعبية متقربة الى الفصحى، معتمدةً على الأصول اللغوية.

أتذكر مديحه لشاعرها النواب بالقول: جاء بفضائلَ شعريةٍ آمن بها و تمسك بشجاعةٍ شعريةٍ نادرةٍ.

ختم كلامه عن الريل و حمد حيث كان مظفر غائبا عن هذا الحديث، قائلاً: بلغوا النواب انني المواطن المصلاوي هاشم الطعان نلتُ شرفَ القبولِ و الرضا ببقاء القصيدة في قلبي منذ يوم صدورها، حتى الآن. ما زالت نعمتها موثوقة بخيالي الشعري، المادي و المثالي.

لم اسمع من مظفر النواب صوتاً عصبياً او ناذراَ أحدا من مناوئيه او اعدائه او حسّاده.. او هاتفاً بوجه الذين يختلفون معه. لم اسمع منه صوتاً نارياً مهما كان خطأ الآخر بحقهِ.. كان يحترم الجميع من الناس، البسطاء و المعقدين. نفس الاحترام لجميع الشعراء، قدامى أو جدد. وجدته محباً الى الآخر، مثل حُبّهِ لوالديه و لأخوتهِ.. هذا الشيء بنظره من مرتجيات التقدم و التقدمية. كان حبه للناس و الشعب هادئاً، معلناً في السماء و تحت زمان المطر أو الجفاف. من هنا خلق (قصيدة البراءة) في النقرة حين وجد ان بعض السجناء من المصممين على التبرؤ من الحزب الشيوعي ينبغي توعيتهم.. وجد ان ما عليه فعله هو رفع صوته الشعري لإنقاذ هؤلاء البسطاء من أصحاب نوايا التوقيع على عار وثيقة (البراءة).

نجحت القصيدة في اغراضها التوعوية و نجح شاعرها غير أن الكثير من الادباء السجناء، وجدوا فيها مغامرة شعرية مظفرية، كبرى. إذ لم تتوصل الى فعل (التكامل)، كما يفترض أن تكون ناضجة، شعرياً، بمستوى نضوج قصيدة (للريل و حمد). كان مستعجلاً في استيعاب المحدثات السجنية الخطيرة، حتى تنضج المواقف الصحيحة من الازمة الخطيرة و تخفق الحكومة في ما تبغيه. ظل يلاحق الريح و لا يستريح حين اسرع بكتابة قصيدة (البراءة) متمنياً ان يعود الى زمانِ الولادة ليغرس مغروساً جديداً، حاملاً حجارة الشاعر العباسي حسين بن منصور الحلاّج (858م- 922م) في اعماقه، حافظاً عهوده مع أصحابٍ يسميهم بـ(الخلاّن).

عن صفحته على موقع الفيسبوك