إبراهيم السامرّائي والمدرسة الكرملية في اللغة

إبراهيم السامرّائي والمدرسة الكرملية في اللغة

صلاح نيازي

تخرّج من مدرسة العلامة انستاس الكرملي مصطفى جواد وإبراهيم السامرائي، وعلى الرغم من أن مصطفى جواد متخصص في تاريخ الناصر لدين الله العباسي، إلاّ انه عُرِف، اكثر ما عرف، بمباحثه اللغوية ولا سيما قل ولا تقلّ، فأرهق اللغة أكثر مما يجب، ولم يكن على صواب في أكثر الأحايين، كما سنرى.

امّا السامرائي، فكان إبناً باراً إن صح التعبير للمدرسة الكرملية، تتلمذ عليها ثم أصبح استاذاً فيها، موسّعاً في مناهجها. وهو على عكس مصطفى جواد، اهتمّ بالتطور الاجتماعي للغة، ولم يجعلْها مهمازاً يرعب به القرّاء إلاّ قليلاً.

على أية حال لم يسلم من مصطفى جواد حتى كبار العلماء القدامى من أمثال الزمخشري، ولا الكتّاب الكبار من معاصريه، ولا حتى ذوو قرباه، أعني الكرملي نفسه. وبسببه نقرأ الآن أبواباً في صحفنا العراقية خاصة على نمط قل ولا تقل يحررها أحياناً من لا علم له بعلوم العربية، ومن لا يمتلك ناصيتها وهكذا شاعت بيننا روح التسلط، فازددنا فرقة على فرقة، واستعلاءً على استعلاء.

في كتاب ابراهيم السامرائي الأب انستاس ماري الكرملي، وهو كتاب مهم للغاية، مقتطفات من مقالات الكرملي نفسه. وفي الحواشي تصويبات لغوية لأخطاء وقع فيها الكرملي أو شُبِّه له. عجبت أشدّ العجب، لأنّ لغة السامرائي، على سعتها وعمقها، ليست بالدرجة التي تؤهله لتصويب الكرملي. ولكن بطل عجبي حينما قرأت في الحاشية أن تلك التصويبات أخذها السامرائي من كتاب(المباحث اللغوية في العراق) لمصطفى جواد. قلتُ سابقاً لم يكن مصطفى جواد على صواب في معظم الأحيان، حتى عنوان كتابه (المباحث اللغوية في العراق) فيه تجاوز لغوي إذا كِلْنا بمكياله. فالأماكن، ومنها المدن بالطبع، لا تُجُّر إلاّ بحرف الباء كقاعدة فنقول: بالعراق، ولا نقول في العراق (باستثناء الضرورات الشعرية). والشئ نفسه ينطبق على عنوان كتاب السامرائي التوزيع اللغوي الجغرافي في العراق.

يعترض مثلاً مصطفى جواد على تعبير: علماء اختصاصيون ويقول: الفصيح مختصون أو متخصصون ويعلل ذلك بقوله: لانّ اسم الفاعل يغني عن اضافة المصدر أي نسبته بالباء، ولكن ما أكثر ما قالوا: الإخباريون، أوالآنتحاريّون أو التكفيريون نسبة إلى المصدر. كذلك خطّأ الكرملي باستعمال كلمة معاجم، والصواب في نظره إمّا معجمات أو معاجيم. ولكن معاجم وردت في قاموس المعجم الوسيط، أماّ عن قول الكرملي: يحدو بنا إلى مجاراة الأمم فقال مصطفى جواد: الصحيح يحدونا على، وينقل ما قاله الزمخشري في أساس البلاغة: وحدوته على كذا، لكنْ كلاهما جائز. جاء في قاموس المحيط: حدا الإبل وبها. وهذا ما نصّ عليه المعجم الوسيط. والغريب أنه أنكر أن يكون جمع كُفء: أكفاء وعنده يجب أن يكون كفاة، اذ لا وجود لأكفاء في اللغة. جاء في قاموس تاج العروس: جمع كفء: أكفاء وهذا ما نصّ عليه الفيروز أبادي. وهل ننسى قول المتنبي في كافور حين بنى داراً:

إنّما التهنئات للأكفاءِ ولمَن يدّني من البُعداء

وأغرب ما قرأته من تصويبات مصطفى جواد، ما قاله بشأن كلمة بعض، وقد وردت مرتين في إحدى مقالات الكرملي وإذا كنّا نجهل بعض الألفاظ اليوم فقد نعرفها في يوم آخر.

فقال يجب أن تكون قسماً من الألفاظ معللاً ذلك: لأن: بعض غير مكررة فهي تدلّ على لفظ واحد. اما الجملة الثانية فهي ولقد سمعنا مراراً بعض الجهلة... فقال مصطفى جواد يجب أن تكون: جماعة أو فريقاً من الجهلة لأن البعض هنا تعني واحداً.نصّت كل القواميس القديمة على أن بعض الشئ: طائفة منه قلّتْ أو كثرتْ. ولكنهم اختلفوا فقط هل يجوز تعريف بعض بالألف واللام فتقول: البعض. كبار اللغويين لم يجوّزوا ذلك، وعليه يكون استعمال البعض لدى مصطفى جواد شاذّاً عما تعارف عليه فطاحل اللغة.

قلت أعلاه لقد كان السامرائي إبناً باراً للمدرسة الكرملية، تتلمذ عليها ثم أصبح أحد اساتذتها، موسعاً في مناهجها، تحقيقاً وتأليفاً وترجمة، ولكن قبل النظر في بعض مؤلفات السامرائي، لا بدّ لنا من النظر إليه على أنه عالم بعلم اجتماع اللغة، بالدرجة الأولى، وعلى أنه إنما كان يسعى إلى إغناء القواميس العربية بما فاتها من آلاف الكلمات الفصحى التي أهملتها. ففي هذا المجال حقق، مع الدكتور مهدي المخزومي قاموس العين بأربعة أجزاء ضخمة لا بدّ أنه أخذ من حياتهما سنوات طويلة وسهراً مضنياً. كما حقق كتاب النخل لسهل بن محمد السجستاني. في هذا الكتاب الذي يُعدُّ أفضل من كتاب النخل للأصمعي. مئات الكلمات النباتية لا تجد لها آثراً في قواميسنا القديمة، وهو إلى ذلك دراسة تطبيقية في كيفية زراعة الفسائل وكيفية الاعتناء بالنخيل، وما هي أجود انواعه، وفي ايّ البلدان العربية والإسلامية يزرع.

ولأن السامرّائي كان يسعى إلى إغناء القواميس العربية، كما قلنا سابقاً، فقد حقّق كتاب تمام فصيح اللغة لأحمد بن فارس القزويني، ونزهة الألباء لابن الانباري، وكتاب الامكنة والمياه والجبال للزمخشري. ولكن من أهم مؤلفاته في هذا الباب، أي إغناء اللغة، قاموسه الموسوم بـ معجم الفرائد الذي نشره عام 1984. في هذا المعجم تظهر موهبة السامرائي في البحث والتنقير على أشدها تالقاً ووضوحاً. خطته في هذا المعجم الصغير بالمقارنة، هي أنْ يتناول كلمة، فيعطي معناها القديم وأبنيتها، وما علاقاتها باللغات السامية إن وجدت، وكيف تستعمل في الوقت الحاضر، وكيف تدور على ألسنة العوام. فهو يأخذ مثلاً كلمة أبّ (بتشديد الباء) فيذكر معناها القاموسي: الكلأ ثم يذكر معناها في التنزيل العزيز وفاكهة وأبّا (31 سورة عبس) ويختمها بتعليق من عنده فيقول: ان الأبّ من كلم التنزيل الذي لم يكن العرب قد ألفوا... وأن الأبّ من الكلم السامي القديم فأنت تجد الأصل القديم في البابلية والأشورية كما تجده في العبرانية والآرامية وبعد ذلك يتبسط في اشتقاقات الكلمة في المعجم القديم فيذكر: أبّ للسير يئبُّ ويؤبُّ أبّاً وابيباً وابابة بمعني تهيأ للذهاب وتجهّز... ويعلق ثانية فيقول: لعلّ هذا الاتساع في العربية انطلاق من معنى المرعى لهذه الكلمة. ثم إني أتوقف قليلاً لأومئ إلى أن الكلم أوب وإياب والفعل آب من الأصل القديم.

على هذا المنوال يفسّر كلمة ريش. فيقول وراشه الله ريشاً: نعشه. وتريّش الرجل وارتاش: أصاب خيراً فرئي عليه... والرياش والريش: الخصب والمعاش والمال والأثاث واللباس الحسن الفاخر. وفي التنزيل العزيز: وريشاً ولباس التقوى (26 سورة الأعراف). ثم يعلّق على ذلك فيقول: لا بدّ أن يكون الاصل في كل هذا: الريش وهو في كسوة الطائر... ومن المفيد أن أذكر أن العامية احتفظت دون الفصيحة المعاصرة بشئ من هذه الاستعمالات، يقال مثلاً: فلان ريّش، أي حسنت حاله وظهر أثر النعمة عليه (كذا).

ولكن رغم نفاسة هذا المعجم، إلاّ أنه كأيّ معجم من طرازه لا يخلو من هنات هينة، قد لا تليق. فهو يقول عن الحلبة في فصيح العربية تعني أرض السباق أو الرهان مع العلم أنه هو وحده المعروف المشهور.

جاء في قاموس المحيط: والحلبة بالفتح الدفعة من الخيل في الرهان وخيل تجتمع للسباق.. وجاء في قاموس تاج العروس للزبيدي: حلب (القوم) يحلبون (حلباً وحلوباً: اجتمعوا وتأبوا من كل وجه. وذكر الزبيدي كذلك: فلان يركض في كل حلبة من حلبات المجد (والحلبة بالفتح: الدفعة من الخيل في الرهان خاصّة (د) الحلبة خيل تجتمع للسباق من كل أوب.

ينفي السامرائي وجود: المِدّة بمعنى القيح. ويقول وهذه من الكلم العامي في عصرنا ولا نعرفه في العربية. الغريب أن يصدر كلام كهذا عن باحث كالسامرائي لأن المِدّة بمعني القيح موجودة في كل القواميس القديمة والحديثة. وكذلك ينفي وجود: ضكّ بمعنى الضيق ويعلق على ذلك بالقول: وهذا مما بقي في العامية ولا نعرفه في اللغة الفصيحة. ولكن كيف لا نعرفه في اللغة الفصيحة؟ جاء في قاموس الفيروز ابادي: ضكّه الأمر ضاق عليه، والشئ ضغطه. وجاء في قاموس المعجم الوسيط: ضكّه ضكّاً ضغطه... وضكّ الأمر فلاناً ضاق عليه وكربه.

هناك كلمات أخرى مماثلة ينكر فصاحتها، مع العلم أنها موجودة في القواميس المعتبرة هل هذا سهو منه؟ ولكنه يتكرر. وكمثال آخر في كتابه: اللغة والحضارة يشرح كلمة البسيط على الوجه التالي:

كلمة البسيط: يريدون بها السهل ضدّ الصعب فيقال مسألة بسيطة أي هينّة لا صعوبة فيها وهم بذلك يوجدون ما يقابل الكلمة الأعجمية، وهذا الاستعمال جديد من غير شك لأن البسيط في فصيح العربية هو المبسوط أي الممتد فالأرض بسيطة والسهل بسيط.

جاء في قاموس المعجم الوسيط: البسيط: ما لا تعقيد فيه. وقال الزبيدي: واستعار قوم البسيط لكل شيء لا يتصوّر فيه تركيب وتأليف ونظم. وجاء في قاموس لغة العرب: البسيط من الامور: ما كان سهلاً هيّناً.

الغريب، ما وقع فيه مؤلفو المعجم الوسيط وهم يشرحون المعاني الأخرى لكلمة البسيط فقالوا:(والبسيط أحد بحور الشعر الكثيرة الشيوع قديماً وحديثاً. ويؤسس الشطر منه على النحو التالي: متفاعلن، متفاعلن، متفاعلن. والمعروف أن هذه هي تفاعيل بحر الكامل وليست تفاعيل بحر البسيط. امّا تفاعيل بحر البسيط فهي مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن).

ولإكمال صورة السامرائي التي أبتدأت بها على أنه كان معنياً باثراء اللغة، لا بدّ من ذكر ثلاثة كتب له في الأقل، هي من بديع لغة التنزيل ومعجم المتنبي ومن معجم عبدالله بن المقفع. للأسف لم يقع في يدي الكتابان الاوّلان إلاّ انني وجدت كتاب (من معجم عبد الله المقفّع) من أنفع الكتب في بابه. تناول السامرائي في هذا الكتاب، كلاّ من كليلة ودمنة و الأدب الصغير و الأدب الكبير فشرح معظم المصطلحات التعبيرية الجديدة التي ابتكرها ابن المقفع. وهي مصطلحات لا يمكن الاستعانة بايّ قاموس على فهمها فهماً صحيحاً.

ذكرنا سابقاً أن إبراهيم السامرائي باحث في علم اللغة الاجتماعي، وفي هذا الحقل بالذات موطن تجليه وتفّرده، وقد يكون من البناة الرواد الاوائل الذين انتقلوا من السماع والرواية والكتب، إلى الدراسات الميدانية، للهجات العامية. ويقف في الصدارة من مؤلفاته في هذا الباب، كتاب (التوزيع اللغوي الجغرافي في العراق) الذي نشره عام 1968. يقول الدكتور السامرائي، وهو في معرض تبريره لتأليف هذا الكتاب: وأظن أننا معاشر العرب جدّ متأخرين في هذا اللون (أي التوزيع الجغرافي) من الدرس اللغوي، وأكبر الظنّ ان سبب عزوف المعينين عن هذا الدرس كرههم لما يباشره ابناء العربية من الإعراب بالألسن الدارجة وهو ما ندعوه باللهجات العامية، وكانه يخيّل إليهم أن البحث في هذا الموضوع يبعدهم عن العربية الفصيحة أو قل يبعدهم عما يحرصون عليه من التراث الزاهر. ولكني أذهب إلى غير هذا، وان العلم بالواقع اللغوي من العلوم الإنسانية التي تهُّم الباحث اللغوي، كما تهّم الباحث في علم الاجتماع.

لم يدخل السامرائي في هذا الكتاب رأساً إلى اللهجات العراقية، انما مهّد لها بتقسيم جغرافي للعراق، وأردفه بتقسيم لسكان العراق من قديم الزمان إلى وقتنا الحاضر.

أي ابتداءً من السومريين والأكديين والبابليين والأشوريين، مركزاً بالدرجة الأولى على لغاتهم. وكأن السامرائي يؤمن عملياً أن اللغة أية لغة كائن اجتماعي خاضع لكل شروط التطور، وما اللغة العراقية بشاذّة عن غيرها، ولا بدّ من أن جذروها ضاربة في القدم، وهذا كما يبدو هو المبرر الوحيد لتبسّط السامرائي في اللغات القديمة المنقرضة، أو محاولته الموفقة في إيجاد الصلة بين اللغة العراقية، واللغات السامية من جهة واللغة العربية الفصحى من جهة أخرى.

درس السامرائي في هذا الكتاب ميدانياً تقريباً: العربية الشمالية، واتخذ من الموصل مثالاً لها، والمنطقة الوسطى متمثلة بلهجة بغداد، ثم اللهجة الجنوبية كما هي عليه بالبصرة.

يمكن آعتبار هذا الكتاب تدشيناً جديداً في دراسة اللغة، ومحفزاً لدراسات مشابهة أشمل وأدق، مع توسيع قاموس اللغة العراقية الذي سرده السامرائي.

وفي كتاب طريف آخر، يأتي السامرائي في أحد فصوله: اللغة والحضارة على مسرد ممتع لبعض التعبيرات الشائعة في الصحف والمجلاّت ونتصورها من اللغة العربية وما هي كذلك، وانما هي ترجمات لتعبيرات أجنبية استسيغت فأصبحت جزءاً لا يتجزأ من لغتنا. من هذه التعبيرات مثلاً، كما أوردها السامرّائي:

ذر الرماد في العيون / حرق البخور لسيّده / أعطى وعداً / حجر عثرة / مع الأسف أخذ بنظر الاعتبار /لتقلب صفحة جديدة / عاصفة من التصفيق / حجر الزاوية / طلب يدها / نحت الدرس / إصلاح جذري / يعّلق أهمية خاصة / لا يرقى إليه الشك / وجهات النظر / يضحك على الذقون... الخ.

كان بودّي أن اتوقف طويلاً عند كتابه العربية بين أمسها وحاضرها وهو من أهم بحوثه في اللغة، حيث درسها دراسة تاريخّية مستجلياً اصولها وقواعدها. ففي الفصل الأول يقف وقفة مدفق في الشعر الجاهلي مستنبطاً، ان العناية بالشعر والحرص على روايته وحفظه ودرسه كان بداية العناية باللغة ودرسها وجمعها والاهتداء إلى نوادرها وأوابدها. ثم عالج في الفصل الثاني: رواية اللغة (الرواية بالبصرة)، وكيف استند اللغويون على الأعراب لاستنباط القواعد، وكيف شاع بين الرواة الانتحال، حتى قال الأصمعي: كل شيء في أيدينا من شعر آمرء القيس فهو عن حماد الرواية إلاّ شيئاً سمعناه من ابي عمرو بن العلاء وفي الفصل الثالث: المرويّ عند البصريين، يسهب السامرائي في شرح الغريب والنوادر ويتابع منشأهما وتطوّرهما... وهكذا تتوالى الفصول.

في الباب الثاني، يتناول السامرائي في أول فصل، اللهجات العربية وما أسباب نشأتها، ولماذا أصبحت لهجة قريش هي المفضلة؟ ومن أيّ اللهجات استنبط اللغويّون قواعدهم ولماذا؟ وحين نصل إلى الفصل الثاني المعنون: اللغة بين البداوة والحضارة، يكون السامرّائي قد وضع يده على أهم نقطة في مفهوم الحضارة، ألا وهي النبات، والفلاحة. وهنا سرد المؤلف جملة من كتب للنبات وكتب للشجر وكتب للكرم وكتب للنخل وكتب أخرى تتصل بالزرع والأرض وما يلزمها من مواد.

يبدو أن الصراع بين البداوة والحضارة كطريقة للعيش، انعكس مباشرة على الأسلوب الأدبي لكلا الفريقين. ولأن الإسلام شجّع على الفلاحة والزراعة أصبحت لغة العلم هي لغة الحضارة الجديدة، وكأن الصراع بات بين لغة بدوية ادبية، وبين لغة حضرية علمية. على أية حال لا يمكن استعراض هذا الكتاب الثمين فصلاً فصلاً للأسف، ولكن لا بدّ من التنويه بما انتبه إليه السامرائي دون سواه، ألا وهو صيغة فاعول بين السريانية والعربية.. فليس هو من أبنيه سيبويه، مثلاً، ولم يفرد له أحد منهم باباً ولا خصّه بكتاب كما فعل الصاغاني في كتاب ما جاء على فَعالِ وكما فعل في كتاب يعفول.

وضع المؤلف قاموساً للألفاظ التي جاءت على صيغة فاعول حسب الحروف الأبجدية، منها على سبيل المثال: بارود، وآلوس على نهر الفرات وذكرها ياقوت، وباسور الداء المعروف. والباكور وثالوث وجاثوم وجالوت وحاشوش وحاصود... ألخ.

على أية حال قلنا إنّ المرحوم إبراهيم السامرائي كان تلميذاً في المدرسة الكرملية، ثمّ أصبح استاذاً فيها، وبه اخْتُتمتْ هذه المدرسة الفريدة، لتبدأ بالعراق مدرسة لغوية جديدة هي مدرسة اللسانيات.لكن كم نحن مدينون إلى المدرسة الكرملية في وعينا اللغوي، وفي التلاوين المستحدثة في أساليبنا الأدبية، ومصطلحاتنا. مع ذلك لا بدّ من القول إنّ الفوائد الجمة التي جنيناها من المدرسة الكرملية ربما كانت ستتضاعف، لو أن أعضاءها انتبهوا إلى ما للغة السومرية من أواصر متينة مع اللغة العربية ولا سيّما من حيث المصطلحات الدينية، ولم يقتصروا على ايجاد الوشائج بين اللغات السامية فقط.

بالإضافة إلى ذلك فقد اعتقد الكرمليون أن اللغة الفصحى أقدم من العامية أو هما توأمان، كما قال الكرملي. إن أسبقية الفصحى مسألة فيها نظر، ومنطقياً لا يمكن أن تكون لها الأسبقية. وعلى هذا الافتراض، يمكن عكس المعادلة فندرس العامية أولاً، ومن ثمّ نتعرف على كيفية تطورها إلى الفصحى.

أخيراً كثيراً ما يعزو اللغويون الكرمليون الأخطاء الصرفية والنحوية الشائعة إلى المترجمين السوريين، واللبنانيين على وجه الخصوص. لكنّ الأجدر أن يلتفتوا إلى أصل تلك الأخطاء أعني القواميس الانكليزية العربية، فهي كالمعدة، مهمة ولكنها بيت الداء.

· من الكلمة التأبينية التي أُلقيتْ في أربعينية المرحوم السامرّائي بديوان الكوفة - لندن