الدكتور إبراهيم السامرائي وذكريات باريس

الدكتور إبراهيم السامرائي وذكريات باريس

عبد الحميد الرشودي

ذكر إبراهيم السامرائي أمامي انه ولد في مدينة العمارة تلك المدينة التي نزح اليها جده مع طائفة من النازحين من سامرائيين تفرقوا في حواضر العراق وان دارهم واسعة اشتملت على حجرات عدة اتسعت للعشيرة باكملها تتوزع هذه الحجرات بين اسر الاعمام والاخوال وذراريهم، كانت ولادته سنة 1923

وقد ذاق مرارة يتم الابوين وهو حدث فعوضته العناية الالهية بام رؤم حنون هي خالته التي حدبت عليه

وعلى شقيقته التي سرت اليها عدوى المرض من امها وقد حدثني زميل لي في اعدادية التجارة وكان من زملاء السامرائي في دار المعلمين العالمية قال حدثنا السامرائي انه رضع لبان امه وكانت مصابة بالسل.

وقد شقي السامرائي في صباه كما شقي في كهولته وشيخوخته فقد وافاه الاجل في عام 2001 في عمان حيث عاش غريبا كئيبا وهكذا حزمه الشقاء والعناء في جميع اطوار حياته فعندما سافر للالتحاق بالبعثة العلمية العراقية صحب شقيقته وخالته الى مصح هلمين في لبنان لعلاجهما من ذلك المرض الفتاك الذي يقتنص فرائسه وضحاياه من الفقراء والبائسين الذين لا يجدون ما ينفقون.

ولما طلب منه صاحبه ومحاوره ان يبسط تلك الصفحات عن تلك العهود المظلمة اجابه السامرائي بقوله: ان لي بهذا وقد عزيت عني عهود وتحولت الى عصر اخر شقبت بخطوبة ولم اجد حاشية، في اسفاري ابسط فيها بعض اضغاث احلام او توشك ان تكون ذلك. ويمضي السامرائي في سرد ايام طفولته حين ذهب الى الكتّاب قبل الذهاب الى المدرسة فهو يذكر انه كان معه في الكتّاب ثلاثون اخرون وكان تلميذ الكتاب يسمى صانع وهذا اللقب كان كذلك يطلق على تلاميذ الكتاب في بغداد. وتكون خاتمة المطاف لصناع الكتّاب هي الختمة (ختمة القران) وهي مرحلة التخرج النهائية. ويمضي السامرائي في وصف عهد الطقولة فيقول: لقد شغلتني همومي وانا صغير حدث فوعيتها وصاحبتني طوال المراحل اللاحقة ورغم ما تجرع فيها من الصاب والعلقم فانه يصفها بانها من (نعيم البؤس) لقد غير عليه زمان – كما يقول: لا نجد من طعامنا الامسكة نتبلغ بها لا تتجاوز الخبز القفار لا ادام له الا بعض الخضر.

وبعد مرحلة الكتاب اخذه اخوه الاكبر الى مدرسة قريبة من دارهم اسمها مدرسة (الكحلاء) وبعد اختبار قبل في الصف الثاني وكان يدرس فيها (القراءة الرشيدة) وهي قراءة مصرية.

ويمضي السامرائي في مذكراته التي تفضل بارسالها الي متكرما بسرد الكتب التي درسها في الابتدائية من جغرافية وتاريخ ونحو وكتاب الاشياء وهو بداية لعلم طبيعي وعلم الصحة. وبعد ان وصل الى الصف السادس الابتدائي كان عليه ان يؤدي امتحان البكالوريا يقول السامرائي وكان عليّ وعلى صحبي ان نؤديه في البصرة لقضاء ستة ايام فيها وهي مدة الامتحان فعزمنا على السفر بصحبة احد المعلمين وحملنا معنا كتبنا والافرشة والاغطية وكان ذلك في سفينة مسقوفة تسير بمحرك اتسعت لنا ونحن ثلاثون تلميذا. ومن شقوة فتانا انه اصيب بالحمى الشديدة التي تعقبها قشعريرة هي الملاريا ذلك الوباء المنتشر في البصرة. ورغم ما الم به من مرض اثناء الامتحان فقد كان ترتيبه الاول على المدرسة وبدلا من ان يلتحق بالمدرسة المتوسطة التحق بالدرس الديني ومن بعد ذلك التحق بالمدرسة المتوسطة ثم يحدثنا عما استجد في المنهج من دروس مثل مبادئ العلوم وهي تجمع طرفا من الكيمياء والفيزياء والحيوان والنبات.

وبعد نجاحه في الصف الرابع الثانوي لم يلتحق بالصف الخامس بل اثر الالتحاق بدار المعلمين الابتدائية فقبل في الصف الثاني وفي هذه الاثناء كان يهيء نفسه للمشاركة في امتحان البكالوريا طالبا خارجيا مع الاستمرار في دار المعلمين الابتدائية وقد شارك في الامتحان الوزاري وكان متفوقا في نتائجه ولولا اشتعال الحرب العالمية الثانية في ايلول 1939 لكان له حق في الانضمام الى البعثة العلمية وبعد تخرجه في مدرسة دار المعلمين وفوزه بالدرجة الاولى عين معلما في مدرسة تطبيقات دار المعلمين الابتدائية النموذجية وقد سمت به همته وطموحه فانتسب طالبا في دار المعلمين العالية قسم اللغة العربية لحبه للعلم وكلفه باللغة العربية وادابها وكانه كان والقدر على موعد في دار المعلمين العالية فقد كانت التربة الخصبة التي انبتت مواهبه فنمت وازهرت وما بعد الازهار الى الاثمار وقد استطاع ان يشق طريقه وان يلفت اليه نظر اساتذته الذين وجدوا فيه طالبا مجدا مثابرا لا جرم انه حاز المرتبة الاولى على جميع طلاب القسم وكان تخرجه بالمرتبة الاولى مما رشحه للقبول في بعثة المعارف العلمية وقد تقدم بطلب الترشيح ولكن الاشرار من موظفي شعبه البعثات اخفوا معاملته تحت بساط الغرفة ليتيحوا الفرصة الى من هو دونه في سلم الدرجات وكان كلما يذهب للاستفسار عن معاملته لم يحظ بغير التسويف والمماطلة حتى مل ويئس وكاد ينسى البعثة وامرها وقد رشح السامرائي للتدريس في كلية الملك فيصل الثاني بطلب من عميدها الانكليزي الذي كتب الى وزارة المعارف اي ترشيح الفائز بالمرتبة الاولى من طلاب دار المعلمين قسم اللغة العربية للتدريس في كلية بغداد وهذا كان تعيينه في هذه الكلية التي لا تعدو ان تكون متوسطة وكان يقبل فيها الطلاب المتفوقون من جميع انحاء العراق فكان يجتمع فيها ابن الشمال وابن الوسط وابن الجنوب وابن الشرق وابن الغرب فكان هذا التجمع الذي يضم ابن الوزير وابن الفلاح وابن التاجر على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية قد احدث لدى الفقراء منهم شعورا عدائيا بسبب التفاوت الطبقي بينهم فاخذ الفقراء منهم يتجهون نحو المبادئ اليسارية ووجد الحزب الشيوعي بينهم بغيته فاخذوا يخرجون بالتظاهرات حتى انهم حطموا اثاث الكلية مما اضطر وزارة المعارف الى غلقها والغائها وقد اتى السامرائي في مسيرته على تفصيل هذه الامور وغيرها من طبيعة المناهج التي كانت تدرس باللغة الانكليزية اما عن امر البعثة فقد ذكر السامرائي انه قد كان ذاهبا ذات يوم وهو يقطع شارع الرشيد اخذ دربه على الرصيف في الباب المعظم اذا انا القى قرب جامع الحيدرخانة الاستاذ الدكتور متي عقراوي فبادرته بالتحية.. فلم يكن منه الا سؤال من فوره: ولم لا تذهب الى الخارج مع من ذهب من زملائك فلان وفلان..؟ فقصصت عليه القصص فقال سادرس ما بقى من طلبات البعثة ثم سالني اين تعمل الان فقلت له في كلية الملك فيصل فاتصل بي في اليوم التالي عن طريق الكلية وطلب مني الحضور الى وزارة المعارف بعد انتهاء عملي فواجهته فسعى سعيه حتى اعاد له حقه السليب بعد ان كاد يضيع بسبب الاحقاد والانانيات يبدأ صفحة جديدة وهي الالتحاق بالبعثة الى جامعة السوربون في فرنسا واول ما لفت نظره واسترعى انتباهه عندما استقل القطار السريع الى باريس قال اخذني العجب ان اغلب الركاب ما ان احتل مكانه حتى شرع يقرأ في كتابه الذي اخرجه من جيبه او في صحيفته التي اعتاد قراءتها وهم في هذه سواسية تجد السيد والسيدة اللذين يبدو انها على خط موفور من الثقافة وكذلك العمال والفلاحين لما وصلوا الى المحطة وجدوا احد موظفي السفارة الذي كلف بمساعدتهم في ايجاد غرف في الحي اللاتيني وكان معه رفيقاه هما صلاح خالص وعلي الزبيدي، فوجد لنا ثلاث غرف في فندق صغير في شارع سنت ميشيل اي القديس ميخائيل ثم تحول الى سكن اخر في شارع المدارس التماسا للاستقرار والسكينة وهكذا فعل صاحباي وكان عليه في بداية الطريق ان ينتسب في السنة الاولى الى معهد لتعلم الفرنسية فاقبل على الدرس لاتليه متعة دنيا ولم يصرفه عما صمم عليه نشاط للطلاب الذين حملوا على سلوك درب لا تحمد عقباه مما يندرج في السياسة ونحوها.

حدثنا السامرائي عن السوربون فقال: انه مبنى في كلية الاداب المسماة باسم شادها وهو المسيودي لاسوربون وكان لي صلة بمحاضرات عامة اعدت للاجانب من اجل تعريفهم بجوانب من الحضارة الفرنسية يلقيها اساتذة اصحاب اختصاص في الادب والتاريخ وسائر الفنون. حضرت مستمعا لتلك المحاضرات اخذ منها القليل الذي كانت لغتي الفرنسية قادرة على استيعابه وبعد ان انهى السنة الاولى في تعلم الفرنسية تابع المحاضرات التي كان يلقيها الاستاذ دروم في سفر ايوب وكان السامرائي في هذه المحاضرات مع طلاب فرنسيين واخرين من الجزائر وتونس وكان مع عراقيين هم علي جواد الطاهر وعلي الزبيدي وعاتكة الخزرجي.

ثم يستطرد السامرائي فيحدثنا عن المعهد الاسلامي ومكتبة اللغات الشرقية وكلية فرنسا تلك المؤسسة العظمية التي يختم فيها كبار الاساتذة عملهم الجامعي وقد قابل فيها الاستاذ ماسنيون والذي قال له في اول لقاء أسني انت ام شيعي؟ ولم يمهله للاجابة عن سؤاله بما اعقبه من زيادة القول قال: ستقول هذا مستشرق نصراني وان توسعت قلت انه استعماري يحاول ان يفرق بين المسلمين ولكن السامرائي يرد عليه. بلباقة ودبلوماسية بانه لم يذهب الى ما ظن انه يحبه لعلمه وفضله وهو يعرف انه رجل قريب من المسلمين في نهجه سبيل التصوف وقد ظلت صلة السامرائي بماسنيون وكان يزوره مرة في الشهر ويذكر انه زاره مرة فوجد عنده القس عبد الاحد الموصلي الذي يرعى كنيسة شرقية في باريس وقد طلب منه ماسنيون ان يقيم قداسا يتلى ويخص به منصور الحلاج الصوفي فدهش الاب لطلب ماسنيون لانه لا يفهم كيف يقام قداس لرجل مسلم؟

ولما كان لزاما عليه ان يتهيأ لدرس اللغات السامية فبدأ هذه المسيرة بدرس اللغة العبرانية فقصد المعهد الكاثوليكي وانتسب اليه طالبا ملتزما بالحضور التام ودفع اجور الدراسة وزود بالكتب التي اعدت للمبتدئين ويذكر انه كاد يمضي عليه الشهر الاول حتى وجد نفسه قريبا من هذا الدرس ذلك لان العبرانية والعربية ولغات اخرى عدة هي اخوات تجمع بينها – على حد قوله اواصر النسب التاريخي.

ولم يقف في هذا المعهد عند دراسته العبرانية والارامية بل سمت به همته الى درس الحبشية والبابلية والاشورية والسبئية فكانت له من محاضرات الاستاذ دروم ومحاضرة الاستاذ سومير في السوربون فوائد اعانته في درسه وهو يعد رسالته بعد ثلاث سنوات اي في سنة 1951.

خطوط قديمة

لذلك لم يبخل السامرائي على قرائه بالحديث عن معهد اللوفر وما فيه من الخطوط القديمة والتي وصلت الينا الواح فيها خطوط ونقوش كانت مادة اهل العلم الذين توفروا على حلها وفهمها وفك رموزها وكان للعماء الفرنسيين نصيبهم منها كما كان للالمان والانكليز ثم الامريكيين وغيرهم نصيبهم. كانت كل هذه الجهود في اواخر سنة 1951 حيث كان السامرائي قد قطع من مسيرته العلمية ثلاث سنوات.

كما كان للمكتبة الوطنية نصيب عند السامرائي من حديثه الممتع هذا عن ذكرياته اذ قال ليس لاي طالب علم في الدراسات العليا الانسانية الا ان يكون ممن يلازمون هذه الخزانة الشهيرة ليسد حاجته فيها من الكتب والمصادر. وما حديث المرحوم مصطفى جواد الذي اخبرنا كيف انه لازم هذه المكتبة ونقل من مخطوطاتها ما يقوم عشرين مجلدا نحلها عنوان (مصادر الادب والتاريخ) كانت عدته وعتاده فيما استقبل في حياته من بحوث ودراسات.

ولما اكمل رسالته ظل يبحث عن استاذ مشرف فهدي الى الاستاذ بلاشير فلم يبد ضيقا ولكنه عندما رأى بحث الساميات قال للسامرائي حالك كحال مصطفى الشويمي (المصري) فالرسالة تسجل رسميا لدي ولكن الاشراف الفعلي للاستاذ كانتو, لقد كان هذا التدبير في امر الشويمي والسامرائي بسبب ان الاستاذ كانتو على سعة علمه لا يحق له الاشراف لانه ليس من اساتذة السوريون وهكذا انتهى الامر وحلت العقدة المستعصية.

ولما وجد ان المصادر المتيسرة في مكتبات باريس غير كافية فعزم على القيام برحلة الى لندن لاستكمال ما لم يجده من المصادر في باريس مما كتبه المستشرقون الانكليز. ولما ازف موعد المناقشة قدمت الرسالة الى كلية الاداب وكانت السنوات الست التي رسمت في عقد البعثة فد انقضت وكان عليه ان ينتظر اربعة اشهر الى حين موعد المناقشة ولما علم الملحق الثقافي وهو الدكتور سليم النعيمي بالامر اتصل بوزارة المعارف طالبا من مديرية البعثات منحة اربعة اشهر فلم يوفق الى ذلك (وقد علم الاستاذ كانتو بمحنتي وانقطاع مخصصاتي فابدى استعداده ان يحصل لي من معهد البحث العلمي على شيء من المخصصات تمنح لكل باحث فرنسيا كان او غير فرنسي وهنا ياتي القدر بالفرج فقد وصل الى باريس نوري السعيد في طريقه الى لندن فزار السفارة وبدأ يسأل العاملين فيها ولما سأل الدكتور النعيمي عن عمله فقال له بجرأته المعروفة وصراحته اني غير سعيد في عملي هذا فقال له السيد نوري السعيد وما سبب ذلك فقال: ان وزارة المعارف في بغداد لا تيسر في مهمتي فهي ترفض ما اكتبه حين ارى ان كثيرا مما اطلبه هو حقي ينبغي ان احصل فيه على موافقة رسمية فقال السيد نوري السعيد، اذكر لي اخر طلب لك رفضوه فقال النعيمي ان الوزارة رفضت طلبا طلبت فيه ان نوافق على منح الطالب الجاد ابراهيم السامرائي مخصصات اربعة اشهر تاخذ فيها عن غير تقصير منه بل ان الامر هو انه تاخر لان جامعة السوريون لم تستطع تعيين اعضاء لجنة المناقشة فلم يكن من السيد نوري السعيد الا ان سجل الاسم وخصوصية المسالة ولما عاد الى بغداد جاءت الموافقة السريعة.

لقد القت اللجنة برئاسة الاستاذ ليفي بروفنسال وعضوية الاستاذ بلاشير وهو المشرف الرسمي والاستاذ ثارل بلا ثم الاستاذ لاووست الذي استدعي من جامعة ليون واستغرقت المناقشة سبع ساعات ثم انصرفت اللجنة لبضع دقائق ثم عادت فاعلن رئيسها القرار بمنح المدارس ابراهيم السامرائي درجة دكتوراه الدولة برتبة الشرف الاولى وبعدها قفل راجعا الى بغداد ليجد مكانه في قسم اللغة العربية في كلية الاداب ليدرس مادة النحو لطلبة السنة الاولى ومادة فقه اللغة لطلبة السنة الثالثة واللغة العبرية لطلبة السنة الرابعة واللغة السريانية لطلبة قسم الاثار وكان ذلك في الثالث والعشرين من اذار من سنة 1956.