شارع الرشيد في ذاكرة أمين المميز

شارع الرشيد في ذاكرة أمين المميز

كان يحيط بغداد سور لم يبق منه الان جزء قليل يقع بين قاعة الشعب وجامع الازبك، وكان في السور القديم اربعة ابواب هي باب المعظم وباب الطلسم والباب الوسطاني والباب الشرقي، وكان ترددي على باب المعظم اكثر من الابواب الاخرى لاننا كنا نمر منها في طريقنا الى بستان الصرافية، الواقعة خارج السور والخندق،

وقد هدمت باب المعظم سنة 1925م لتوسيع الساحة المقابلة لها والتي تقع عليها قاعة الشعب، كانت بغداد يوم ذاك عبارة عن محلات وبيوت متلاصقة اشبه بكورة الزنابير، تتخللها درابين وعكود ضيقة بعضها لايتجاوز عرضة مترين. ولم يكن في بغداد الامس لا شوارع ولا ساحات ولا حدائق ولا متنزهات ولا ملاعب رياضية. واول شارع فتح فيها كان ايام الوالي خليل باشا وقد سمي باسمه (خليل باشا جاده سي) ويسمى اليوم شارع الرشيد، ان فتح هذا الشارع قد لازمته مشاكل عديدة، فعندما اقترب الهدم من منطقة الحيدر خانة احتج الاهالي واصحاب الدكاكين والوجهاء الذين يطال الهدم بيوتهم. فما كان من رئيس البلدية وكان يومئذ المرحوم رؤوف الجادرجي، الا ان يامر بالهدم ليلا، ولما الصباح اصباح جوبه الناس بالامر الواقع وليس لديهم من يشتكون اليه الا الله، ثم استمر الهدم حتى بلغ محلة السنك حيث تقع القنصلية البريطانية المعروفة محليا (بيت الباليوز) فاعترض القنصل البريطاني على هدم بعض مرافق القنصلية وجزء من حديقتها، فتوقف الهدم حتى نهاية الحرب العالمية الاولى وبعد احتلال بغداد استمر تنفيذ المشروع حتى وصل الى الباب الشرقي، لقد كانت هناك قنصليات اخرى عدا القنصلية البريطانية استفادت من توقف الهدم منها القنصلية الالمانية وكانت اوسع القنصليات ابان تشييد خط برلين – بغداد واشتهر قنصلها بين الاوساط البغدادية التي كانت تتندر باخباره، وكان اسمه (الهر ريجارد)، ولكن الاهالي يسمونه (ريشان) وكان اقرب اصدقائه ووكيل مشتريات القنصلية المرحوم الملا عبود الكرخي وكان القنصل الالماني (ريشان) ينتقل بين محلات بغداد راكبا عربة ذات (جرخين) يجرها (تك حصان) يسوقه القنصل نفسه. لم تكن بغداد التي وصفتها انفا من انها مثل (كورة الزنانير) بحاجة الى وسائط نقل، فكان الناس ينتقلون اما مشيا على الاقدام او ركوبا على الدواب، واتذكر بعض الذين شاهدتهم يركبون الخيل والحمير او البغال، سواء اثناء العهد العثماني او ابان الاحتلال البريطاني او في اوائل الحكم الوطني منهم الطبيب اليوناني (ياقو) الذي كان يمتطي حمارا اسود اللون، والطبيب الايراني اليهودي (مرزا يعقوب) الذي كان يزور مرضاه راكبا فرسا بيضاء، واليهودي (مير الياس) الذي كان يمتطي حمارا حساويا ليوصله من بينه في (ابو سيفين) الى المستشفى الذي شيده في العلوازيه. والعالم عبد السلام الشواف الذي كان يطوف محلات الكرخ ممتطيا البرنون الابيض، والشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي الذي كان يركب بغلة بيضاء، وصلاح الدين الضراع متولي اوقاف العلوية المعروف بين اصدقائه ومحبيه (الملا شجر) الذي يمتطي حمارا ابيض، ومن الشخصيات الاخرى كان المرحوم (ادوار سيزار) الذي كان مترجما لدى الحاكم العسكري (ارنولد ويلسون) ثم مع السيد برسي كوكس، وبع ذلك كان مدرسا للغة الانكليزية في المدرسة الثانوية فكان الشاهد بين حين واخر راكبا حصانا ومعتمرا برنيطة ومصطحبا حقيبة تضم الرسائل و(الصوغات) و(الخرجية) التي يرسلها نوري السعيد بواسطة الحاكم العسكري الى عائلته التي كانت تسكن محلة (رأس الكنيسة) ابان وجوده خارج العراق بمعية الملك فيصل الاول.

أذكر بغداد يوم أمر الوالي خليل باشا بفتح الشارع الذي سمي بادئ الأمر باسمه (خليل باشا جاده سي)... وعملت المعاول ليلاً على هدم دور وحوانيت الحيدر خانه وأسواق باب الأغا على رؤوس ساكنيها... حتى إذا أصبح الصباح كان منظر البيوت وأثاثها المبعثـرة والدكاكين وبضائعها المتناثرة، مشهداً يدمي القلوب ويفتت الأكباد وليس في بغداد من يصغي إلى شكاواهم وتظلماتهم.

... لقد بدأ ذلك الفعل يوم الاثنين الموافق 20 آذار من سنة 1916. وقد استؤنف العمل بالهدم من جديد نهار الخميس 11 أيار من سنة 1916. وفي نهار الأحد العشرين من آب من تلك السنة جرت مراسيم افتتاح الجادة، إذ تم نقش اسم خليل باشا على قاعدة منارة جامع السيد سلطان علي يوم الخميس الواقع في 19 تشرين الأول من سنة 1916.

وقد استمر هدم البيوت والحوانيت إلى أواخر آذار سنة 1917 أي بعد الاحتلال الانكليزي لمدينة بغداد ببضعة أيام (تم احتلال بغداد يوم 11 آذار من سنة 1917).

وفي سنة 1920 أرادت حكومة النقيب توسيع الجادة الحالية إلى ما مقدار عرضه 30 متراً لتسوية اعوجاجها. وقد أخذ المهندسون يتفاوضون في أي جانب من الجادة يجب هدمه، إذ تبرز في سبيلهم عقبتان... فإن هدموا الجانب الواقع إلى طرف النهر يشخص أمامهم جامع السيد سلطان علي، فضلاً عن عمران تلك الجبهة. وإن هدموا الجانب الآخر وهو أقل عمراناً، فيعرقل سبيلهم جامع مرجان ويحول دون بلوغ الأبنية المراد هدمها.

اسهم إنجاز مشروع شارع الرشيد " شارع يشق العاصمة بغداد طولاً من شمالها إلى جنوبها "نقول اسهم في فتح الأبواب على مصاريعها أمام تدفق وسائل التمدن، ومنها إنشاء الأبنية الحديثة على جانبيه، ومنها استيراد السيارات من مناشئها الأوربية والأميركية في فاتحة العشرينات من القرن الماضي.

ثم جاء التوسع الأخير (للشارع الجديد) الاسم الذي أطلقته عليه سلطات الاحتلال الانكليزية، ثم صار اسمه الثالث والأخير شارع الرشيد كما هو باقٍ إلى غاية تاريخه..نقول جاء التوسع الأخير ليعين على إعماره من جانبيه، يوم كان نشأت السنوي أمينا للعاصمة (1930 – 1925).

وبادئ ذي بدء، فقد جرى التبليط بتعديل الشارع ومن ثم فرش الرمل والحصى الناعم، ليتم وضع المشبك الحديد (BRC)، بعدها جاء دور التبليط بالشوبك المصنوع من الخشب والمدهون بالنفط الأسود كي لا تلتصق ذرات الرمال بالقير الأسود. وقد أخذت عملية التبليط أشهراً عدة... وكان من ضحايا تبليط شارع الرشيد أمين العاصمة نفسه، الذي تم نقله إلى مكان آخر (في حومة عملية الإعمار) لسبب ظل مجهولاً إلى زمن طويل بعد وقوعه.

وبانتهاء عملية التبليط، صار شارع الرشيد المتنزه الأمثل لأهالي بغداد، وعلى نحو خاص سكان الكرخ الذين جاؤوا عبوراً إلى الجهة الشرقية من بغداد، وقاموا يحجزون لهم أماكن جلوس على أطراف المقاهي الكثيرة المنتشرة على جانبي الشارع عصر كل يوم للتفرج على الناس الرائحين والغادين، فضلاً عن قيام كثير من الفضوليين بانتظار قدوم عربات الغانيات من محلة الميدان شمال بغداد متجهات إلى الباب الشرقي في الجنوب... مروراً بشارع الرشيد على طوله، وأغلبهنَّ يركبنَ سيارات فارهة مكشوفة (أم التنتا) أو يمتطين العربات ام الربل التي يجرها جوادان ويقودها حوذي (عربنجي) من أهل الكار أولئك الذين دخلوا ذلك التاريخ من أوطأ أبوابه لما معروف عنهم من سوء الخلق، أقول تمر الغانيات وهنَّ في غالبيتهنّ من ذوات الجمال والأبهة التي تحسدهنّ عليها كثير من نساء بغداد.

من لقاء اجراه الأستاذ زين النقشبندي مع الراحل أمين المميز.