ساسون حسقيل في أول وزارة عراقية..  هكذا أقنع بمنصب وزارة المالية وكيف حضر مؤتمر القاهرة؟

ساسون حسقيل في أول وزارة عراقية.. هكذا أقنع بمنصب وزارة المالية وكيف حضر مؤتمر القاهرة؟

نور محمود عبد المجيد

أنصبت جهود برسي كوكس عند عودته للعراق سنة 1920 أولاً على تشكيل حكومة مؤقتة تمهيداً لتنصيب ملك عربي على العراق ثم تجري بعدها انتخابات لتشكيل مجلس تأسيسي، ولأجل ذلك استعان برسي كوكس بمساعديه من المدنيين، والعسكريين البريطانيين؛ ليضعوا الأسس الكفيلة لإنشاء حكومة عراقية،

ولم تكن مشكلة أيجاد الوزراء المناسبين لتشكيلها المقرر إقامتها، أقل صعوبة من أختيار رئيس الوزراء ولاسيما أن بريطانيا أرادت إشراك أكبر عدد من الشخصيات العراقية في هذه الوزارة املاً في تهدئة الأجواء السياسية المضطربة وكسب ود فئات الشعب العراقي،

لذلك ركزت على الوجهاء، وأصحاب النفوذ أنها أخذت بالحساب الانتماءات المذهبية والدينية. وكان ساسون حسقيل من بين الأسماء ذات الوزن الثقيل كالنقيب وطالب باشا ففضلاً عن أنه من أسرة يهودية معروفة، كان عضواً في مجلس المبعوثان العثماني فضلاً عن حكمته واستقامته التي كانت موضع تقدير الجميع. وكان معروفاً بكفائته في الشؤون الاقتصادية والمالية ومعارضته للسيد طالب النقيب، لذلك وجدت بريطانيا أن وجود ساسون حسقيل في الوزارة سيحد من نفوذ طالب النقيب، ولما فوتح ساسون بموضوع الوزارة أبدى رفضه لتولي الوزارة، وقد بذلت المس بيل جهوداً كبيرة لإقناع ساسون بقبول الوزارة لإدراكها أن قبول ساسون حسقيل بوزارة المالية له أهمية مطلقة اذ بغيابه يهبط مستوى المجلس الوزاري الى درك وزارة طالبية مصيرها الفشل لا محالة، فأرسل برسي كوكس جون فلبي الى منزل ساسون حسقيل حاملاً معه رسالة من عبد الرحمن النقيب يحييه فيها على قبول وزارة المالية لخدمة وطنه والطائفة التي يمثلها. وتصف المس بيل الجهود التي بذلتها مع فيلبي لإقناع ساسون حسقيل قائلة: "... حين وصلت الى منزل ساسون وجدت أن المستر فيلبي.. قد وصل قبلي وأستنفذ جميع حججه.. وساسون مازال متمسكاً بقراره وبعد ساعة من المناقشة المركزة تزحزح عن موقفه بصورة واضحة، على الرغم من أن أخاه شاؤول حضر وبذل جهده ضدنا.. ولكن في النهاية وافق ساسون حسقيل على تولي وزارة المالية.

أقر المندوب السامي برسي كوكس تشكليه الوزارة، ولكي تضمن الأدارة البريطانية سيطرتها على مرافق الإدارة كافة، فرضت على كل وزير عراقي مستشاراً بريطانياً، وقد أجتمع مجلس الوزراء لأول مرة يوم الثلاثاء (2تشرين الثاني1920)، في منزل رئيس الوزراء عبد الرحمن النقيب لاصابته بداء المفاصل، ولا يخرج من داره الا نادراً.

وتسلم ساسون حسقيل منصبه وزيراً المالية وبدأ نشاطه في العمل على تخفيض بعض الأعباء المالية، وبناء مالية الدولة الناشئة، وتشكيل الدوائر المالية التابعة لوزارته، ولم تكن مهمة ساسون حسقيل بالمهمة السهلة، ولاسيما أن الدولة العراقية كانت تعاني في بداية تكوينها نقصاً واضحاً في رصيدها المالي، ذلك لأن حكومة الاحتلال البريطاني سبق أن سحبت أموالاً من خزينة الأوقاف لسد نفقاتها، فقد سحبت نحو ثلاثة الكاك من الروبيات كانت مودعة بصفة أمانة في الخزينة المالية. آزاء هذا أقترح ساسون حسقيل في كتابه ذي الرقم (61-1-6999) والمؤرخ في (13 تموز/1921) نشر ميزانية الأوقاف ميزانية (ملحقة)، ووافق مجلس الوزراء وصارت مالية الأوقاف مستقلة وغير تابعة للخزينة العمومية من حيث الأيرادات والمصروفات.

وفي جلسة مجلس الوزراء المنعقدة في (31/كانون الثاني/1921) نوقشت مسألة المتقاعدين من المدنيين والعسكريين الذين خدموا في الدولة العثمانية فقرر ساسون تقدير رواتبهم على أساس مدة خدمتهم في الدولة العثمانية.

بلغت ميزانية الحكومة لسنة (1921-1922) التي تقدمت بها وزارة المالية الى مجلس الوزراء (698.92578) روبية، وقد شملت هذه الميزانية جميع ألوية العراق، باستثناء لواء السليمانية وإدارة السكك الحديد لربط ميزانيتها بديوان المندوب السامي. وقد بلغت الأيرادات (528.250) لكاً، في حين بلغت نفقات الحكومة العراقية للعام نفسه (572.130) لكاً، وبهذا نجد عجزاً أصاب الميزانية بلغ (43.880)لكاً. وعلى أثر هذا ألفت الحكومة (لجنة التوفير) برئاسة ساسون حسقيل، وزير المالية التي قدمت مقترحات متعددة لمعالجة العجز في الميزانية، أهمها خفض رواتب الموظفين العراقيين المشمولين بقانون التقاعد، ورواتب الضباط ذوي الرتب الصغيرة في الجيش والشرطة وتخفيضات أخرى، شملت الموظفين الأجانب والمخصصات والنقل بالسيارات في الدوائر ومخصصات النقل للموظفين، هذا ما تضمنه القسم الأول من أعمال اللجنة، أما القسم الثاني فقد كرس لتخفيض بعض النفقات في ميزانيات دوائر الحكومة أو إلغائها وقد باشرت اللجنة أعمالها واستطاعت أن تحقق شيئاً من التوفير.

في عام 1921 قررت الحكومة البريطانية أن تعهد بإدارة البلاد العربية الواقعة تحت الأنتداب البريطاني الى وزارة المستعمرات، فانتقلت إدارة العراق من أختصاص وزارة الهند الى وزارة المستعمرات، وقد فرضت الأوضاع الاقتصادية لبريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى هذا التعديل في شكل الأدارة، فالخزانة البريطانية تئن من ثقل النفقات التي أوجبتها تكاليف الحرب العالمية الأولى ونتائجها، ومما زاد عليها التدابير العسكرية التي أتخذتها بريطانيا لأخماد الثورة العراقية فضلاً عما ما شهدته بريطانيا منتصف عام 1920 من أزمة أقتصادية ومالية تسببت في أنهيار الأسعار،.

وصادف أن أنتقل ونستون تشرشل في (14/شباط/1921) من وزارة الحرب الى وزارة المستعمرات فأنشأ في هذه الوزارة دائرة عرفت بـ(دائرة الشرق الأوسط)، وقد جوبه تشرشل بالرأي العام البريطاني الذي ألح على تحقيق تخفيض جوهري في المصاريف مع ضرورة المحافظة على الممتلكات التي حصلت عليها بريطانيا والنقاط الأستراتيجية التي غنمتها في الشرق.

ولتحقيق تلك الغايات، دعا الى عقد مؤتمر يضم جميع الموظفين البارزين من مدنيين وعسكريين الموجودين في البلاد ذات الشأن لأستطلاع آرائهم في سياسة بريطانيا الجديدة، ومباحثتهم في الترتيبات المالية والعسكرية للمناطق الواقعة تحت الأنتداب البريطاني، فعقد المؤتمر في القاهرة في (12آذار1921) وأستمر اثني عشر يوماً، اختيرت مدينة القاهرة لعقد المؤتمر نظراً لهدوء الأوضاع الداخلية، ولعدم وجود معارضة محلية فيها. وحضر المؤتمر المستر ونستون تشرشل وزير المستعمرات، والكولونيل لورنس، والسير برسي كوكس، والجنرال المر هالدين القائد العام للجيوش البريطانية في العراق، وحضره عن العراق ساسون حسقيل، وجعفر العسكري والمس بيل، واخرون.

.

ومن الجدير بالذكر أن الحكومة البريطانية سبق أن كلفت هيئة الأركان العامة التابعة لوزارة الحرب، بتقديم دراسة عن الملك المقترح لبلاد الرافدين، وكان هذا قبل أنعقاد مؤتمر القاهرة، ورأوا أن فيصل بن الحسين هو الأفضل لتحقيق مصالح بريطانيا في العراق. وعلى الرغم من ذلك فقد عرض برسي كوكس في الأجتماع الأول للجنة السياسية، أسماء المرشحين البدائل للعرش وخلص على أن أحد أعضاء أسرة شريف مكة سينال ترحيب الأغلبية، وأشار الى الأمير فيصل مبيناً الأسباب التي جعلته يفضله عن سواه، إذ عدّ أن التجربة السابقة لفيصل مع دول الوفاق الودي في أثناء الحرب العالمية الأولى هي التي جعلته متمتعاً بمواصفات جيدة للحاكم بدلاً من أخوته، وفي نهاية هذا الأجتماع دعي ساسون حسقيل وجعفر العسكري، فذكر لهما المستر تشرشل أن اللجنة درست الوضع السياسي عن كثب، وأن الرأي الذي تميل اليه هو أن من بين المرشحين المتعددين أن الأمير فيصل أفضل من يمكن أختياره لخدمة مصالح العراق والسياسة العامة لبريطانيا في الشرق الأوسط.

ومما يذكر أنه حينما عرض أسم الأمير فيصل، قال ساسون حسقيل لونستن تشرشل: " بأن العادة جرت في البلاد المنسلخة عن الأمبراطورية العثمانية أن الأمراء الذين أتوا اليها جاءوا من الشمال الى الجنوب ولم تجر العادة في أتيان أمير من الجنوب الى الشمال" فأجابه المستر تشرشل بقوله: " أن هذا صحيح ولكن لا تنسى يا ساسون أن المستر كرنواليس ذاهب مع الأمير فيصل وهو من الشمال". حينها قال ساسون حسقيل: "أنه ليس هنالك ما يمنع من ترشيح فيصل لكن أعتقد بأنه من المهم أن يزور فيصل العراق شخصياً قبل الأنتخابات ". كما أوضح ساسون حسقيل أيضاً أن عبد الرحمن النقيب والسيد طالب النقيب قد يثيران دعاية ضد الشريف، وأنه يشك في تأييدهما له حتى وأن أبلغهما برغبته في العمل معهما، ويرى ساسون أن من المحتمل جداً أن يستقيل النقيب والسيد طالب من منصبيهما حينما يسمعان بالقرار، حتى وأن تسلما رسالة من الشريف بأنه لا يرغب في تغيير الحكومة الحاضرة. وقد أوضح كل من ساسون حسقيل وجعفر العسكري بأن ترشيح أبن سعود للعراق لا يمكن النظر فيه، ان الأشخاص الثلاثة الذين يعدون أبرز المرشحين وهم (السيد طالب النقيب، وعبد الرحمن النقيب، والشريف فيصل) وأن الأخير سيكون مقبولاً أكثر من غيره في البلاد بصورة عامة.

عن كتاب (ساسون حسقيل ودوره...)