في الحرب العالمية الثانية كان الانكليز ينوون إختطاف أم كلثوم

في الحرب العالمية الثانية كان الانكليز ينوون إختطاف أم كلثوم

محمد التابعي

اقبل عام 1942 وبدأ روميل هجومه في يناير واستخلص مدينة بنغازي من البريطانيين.. ثم توالت هجماته وتتابعت هزائم البريطانيين.. وسقطت طبرق.. وانطلق روميل والفيلق الافريقي صوب دلتا النيل.. ولعلك – وانت صحفي مصري – ادرى مني بالاجراءات التي كانت السلطات البريطانية تنوي اتخاذها وتنفيذها في حالة اضطرارها الى الانسحاب من مصر الى فلسطين والسودان.. ولكن هناك اجراء واحدا لم يذع سره حتى اليوم.

وسكت لحظة وهو يبتسم لكي يرى وقع كلامه في نفسي.

قلت: ارغام الحكومة المصرية على الخروج مع البريطانيين من مصر لكي تقوم في الخارج حكومة"مصر الحرة"؟

قال: كلا فان البريطانيين لم يلحوا كثيرا في هذا الشأن.. ولكن وزارة الاستعلامات البريطانية الحت في نقطة واحدة وامرت رجالها في مصر باتخاذ هذا التدبير مهما كان الثمن ومهما كانت العقبات.

وسكت مرة اخرى ثم قال: خروج ام كلثوم وعبد الوهاب من مصر بالرضا او بالاكراه!

وبدت الدهشة على وجهي ثم ضحكت.. وفهم هو من ضحكي انني اشك في روايته فقال بلهجة كلها جد...

- صدقني.. هي الحقيقة ما اقول.. لقد كان في نية السلطات البريطانية اذا ما اضطرت الى الانسحاب من مصر ان تاخذ معها – طوعا او كرها – عبد الوهاب وام كلثوم لانها كانت تخشى ان تستغلهما الدعاية الالمانية الى ابعد حدود الاستغلال..

ولقد كان يكفي ان يعلن راديو القاهرة التي يحتلها الالمان..

ان ام كلثوم او عبد الوهاب سوف يغني هذا المساء لكي ينصت العالم العربي كله الى اذاعة راديو القاهرة الذي يسيطر عليه الالمان، وهذا هو الخطر في حرب الدعاية.

قلت: ولكن من كان يضمن ان ام كلثوم وعبد الوهاب سوف يوافقان على الغناء؟

ابتسم صديقي الفرنسي وقال:

- محال ان تكون جادا في سؤالك هذا! والا فانت لا تعرف النازيين! لقد كان امرا ممكنا جدا ان يجلس عبد الوهاب وامامه ميكروفون الاذاعة.. ووراءه يقف جندي الماني"ينخزه"بطرف السونكي اذا توقف عن الغناء!

وفي روما.. شهر ابريل 1947

لم يكن من السهل ان احمل القوم هنا على ان يتحدثوا الى – الصحفي المصري – بصراحة عما كان سيحدث لمصر لو نجحت جيوش المحور في دخول مصر في صيف 1942.

ولكن كان من السهل ان يتحدثوا بمنتهى الصراحة وبكثير من مرارة خيبة الامل عن سير الحرب وتطورها لو كان غزو مصر قد نجح وتمكنت جيوش المحور من اختراق استحكامات العلمين في يولية او في سبتمبر 1942.. وكان روميل قام بهجومه الاول في اول يوليه.. ثم شن هجومه الثاني والاخير في شهر سبتمبر.. وبعدها فقد القائد الالماني عامل المباداة.. الى ان فاجاه القائد البريطاني مونتجمري بالهجوم بعد شهر واحد.. اي في اكتوبر من نفس العام.

قال القوم في روما لو ان روميل كان نجح في الوصول الى الاسكندرية ودلتا النيل والقاهرة لكانت الحرب قد انتهت بانتصار دول المحور بعد عام واحد اي في عام 1943 ذلك انه كان مقررا طبقا للخطة العامة التي وضعتها اركان الحرب المشتركة من الايطاليين والالمان ان ينفصل قسم من الجيوش المحورية ويذهب جنوبا الى صعيد مصر والسودان والحبشة.. ويسترد اريتريا والصومال.. الخ وهدفه الاخير الوصول الى جنوب افريقيا وتطهير (القارة السوداء) – اي افريقيا – من البريطانيين وانتشار قواعد للغواصات الالمانية والايطالية في موانئ افريقيا الجنوبية والشرقية.. والعمل على قطع طريق بحار الجنوب – اي طريق رأس الرجاء الصالح – الى الهند واستراليا. وهذا طبعا بعد ان يكون طريق قناة السويس قد اقفل هو ايضا بوجه الاسطول والسفن البريطانية.

ومعنى هذا خنق مواصلات بريطانيا مع استراليا والشرق الاقصى. والهند وبورما اللتين كانتا يومئذ تحت التاج البريطاني!

كانت هذه مهمة الجيش الذي ينفصل عن جسم جيوش المحور الرئيسية.

وبقيت مهمة الجيش الرئيسي كانت مهمة هذا الجيش هي اولا القضاء على مقاومة البريطانيين في دلتا النيل... وكانوا يقدرون صعوبة هذه المهمة بسبب اضطرارهم للهجوم اثناء فيضان النيل وتعدد قنوات شبكة الري في الدلتا واستفادة الانجليز منها في دفاعهم و(تعويق) زحف المحور.. ولكنهم كانوا واثقين من طرد البريطانيين تماما من الدلتا وقناة السويس مع حلول الخريف..

وبعدها كانت مهمة هذا الجيش الرئيسي ان ينطلق عبر قناة السويس الى فلسطين – التي كما يؤكدون كانت ستسقط في لمحة عين! – ومن بعدها سوريا ولبنان والعراق.

وكان المحور يعتمد الى حد كبير على"صداقة العرب"وعلى انتفاضهم وقيامهم بثورات في مؤخرة البريطانيين.. تعرقل حركاتهم وتعوق انسحابهم.

ولا اريد ان اسهب هنا في وصف خطة المحور ولا في الاحاطة بتطورات الحرب وسيرها لو كان روميل قد نجح في غزو مصر..

واكتفى بان اذكر في عبارات وجيزة بعض التطورات الحاسمة في سير الحرب التي كان مقدرا ان تقع..

1- الوصول الى ايران وقطع خط امداد وتموين روسيا والدخائر والمهمات وهو الخط الذي انشأه الامريكيون والبريطانيون من خليج العجم الى القوقاز.

2- انضمام تركيا الى المانيا وايطاليا ضد الحلفاء.

وهذا امر كان مقطوعا به.

فقد ابدت تركيا منذ اليوم الاول للحرب، صداقتها لالمانيا.. وراحت تنتظر في الوقت المناسب، لكي تدخل الحرب الى جانب المانيا.. وقد فسر فون بابن سفير المانيا يومئذ في انقرة عبارة الوقت المناسب، هذه في احد تقاريره السرية فقال ان الاتراك مازالوا – حتى عام 1942 غير واثقين من انتصار المانيا. وانهم يفضلون ان يتريثوا قبل ان ينحازوا الى جانبها خوفا من سوء المصير ومن ان يصيبهم ما اصابهم في الحرب السابقة (بعد هزيمة المانيا في عام 1918)...

ولكن نجاح جيوش المحور في دخول مصر وطرد البريطانيين منها ومن فلسطين وسوريا ولبنان والعراق.. ثم الوثول الى ايران. كل هذا كان كفيلا باقناع الاتراك بان (الوقت المناسب) قد حان.

وكان دخول تركيا الحرب – بعد قطع خط تموين روسيا من الجنوب – كان كفيلا بقلب ميزان المعركة في الجبهة الشرقية ضد روسيا.. ولقد كانت الجيوش الروسية تعاني يومئذ من الشدائد في القوقاز.. وفي محاصرة ستالنجراد وموسكو ولنتجراد.

3- القيام بحركة كماشة من الجنوب والجنوب الشرقي والغرب ضد الجيوش الحمراء.. الى آخره..

لهذا لم يكن كثيرا ان يؤمل المحور في الانصار النهائي ووضع حد للحرب في عام 1943.

·مجلة الاثنين والدنيا 1955