الصورة الحقيقية لأم كلثوم

الصورة الحقيقية لأم كلثوم

جهاد فاضل

منذ وفاة المطربة الكبيرة أم كلثوم، وسيرتها الذاتية والفنية تخضع لمراجعة واسعة دون أن تصل هذه المراجعة بعد إلى أقصى غاياتها لأسباب مختلفة. من هذه الأسباب أن سيرة أم كلثوم ليست سيرتها وحدها بقدر ما هي سيرة عصر،

وسيرة أشخاص متعددين، على وجه الخصوص، لا يمكن الحديث عنها دون الغوص في علاقتها معهم. ومع أن أكثر هؤلاء قد انتقل إلى رحاب ربه، إلا أن لهم ورثة بإمكانهم أن يثيروا المتاعب القضائية، وغير القضائية أيضاً، بوجه من يحاول التعرض لجوانب مختلفة من علاقتهم بأم كلثوم. وقد شاهدنا عندما عُرض مسلسل محفوظ عبدالرحمن عن أم كلثوم في شهر رمضان قبل أعوام، احتجاجات مدوية من هؤلاء، وتهديداً بمراجعات قضائية قام بها أبناء فنانين وشعراء كبار اعتبروا أن صورة آبائهم في المسلسل كانت مسيئة لذكراهم.

ومن هذه الأسباب أيضاً أن الجمهور نفسه اعتاد على صورة معينة لأم كلثوم ليس من اليسير زحزحته عنها اليوم، كما لم يكن بالإمكان زحزحته عنها وأم كلثوم على قيد الحياة. ففي عصر أم كلثوم، ندرت المقالات التي كانت تتحدث حديثاً نقدياً عن سيرتها أو عن شخصيتها. وفي ذلك العصر لم تكن قد عُرفت بعد حتى المقالات التي تفاضل بين أغنياتها لتقول مثلاً: إن أغنيتها هذه أفضل من أغنيتها تلك. ذلك ان كل ما غنته، أو كانت تغنيه، هو من صنف رائع ولا عيب فيه. فالعيب في أغاني الآخرين لا في أغانيها. وإذا كانت عبارة الزعيم الأوحد قد عُرفت في الحياة السياسية العربية ابتداء من أواخر الخمسينيات أو مطالع الستينيات، فإن أم كلثوم كانت تزاول عملياً هذه الزعامة بلا منافس تقريباً وكانت زعامتها منبثقة من إجماع شعبي حقيقي مختلف عن الإجماع الذي كان يزعمه عبدالكريم قاسم أو سواه.

كانت ظاهرة أم كلثوم ظاهرة فرعونية بالفعل من حيث النجومية والملوكية. وقد أذعن الجميع في زمانها لهذه الفرعونية بمن فيهم الصحفيون أو النقاد المشاكسون الموجودون في كل زمان ومكان. وكان حضورها حضوراً طاغياً لا في حفلها الشهري المعتاد في يوم الخميس الأول من كل شهر حيث تتربع على عرش قلوب مستمعيها ملكة حقيقية، بل في كل مكان يضمها.

ومع أن وفاتها في منتصف السبعينيات شكلت مناسبة لفتح تركتها الفنية، ولإلقاء نظرة نقدية فاحصة على هذه التركة- كما على سيرتها أيضاً- إلا أن الكثيرين أحجموا أو تهيبوا. فالورع مازال سيد النفوس، والمساس بهذا الهرم كان مماثلاً للمساس بالذات الملكية في مصر زمن الأسرة العلوية، نظراً للحب الكبير الذي لها في القلوب. وقد قال كثيرون إن أسباباً كثيرة تحول دون الحديث عن أم كلثوم على طريقة الغربيين. ومن أجل ذلك كان أكثر ما كتب عنها في الصحافة المصرية، وكذلك في عالم الأبحاث والدراسات، ذا طابع تحليلي أكثر مما كان ذا طابع نقدي. وكان في مجمله أقرب إلى التوثيق أو التسجيل منه إلى أي شيء آخر.

ولا يستثنى بعض المراقبين مسلسل محفوظ عبدالرحمن من هذه الملاحظات. فالدكتور جلال أحمد أمين يقول إن هذا المسلسل تسجيلي في الأساس يقول لنا ما حدث دون الغوص فيما يمكن أن يكون وراء الأحداث من تصارع بين أكثر من موقف وأكثر من عاطفة. فالشخصيات كانت جاهزة وتامة الصنع من البداية، لا تعاني من أي قلق داخلي، بل وحتى التصارع فيما بينها، إن وجد، كما في حالة الخلاف بين أم كلثوم وزكريا أحمد، يكتفي فيه بما يمكن معرفته من قراءة ما كانت تنشره الصحف من أخبار، فلا تُبذل أية محاولة عن الدوافع الحقيقية للخلاف، ويقنع الكاتب على أمل أن يقنع المشاهد أيضاً بإنهاء الخلاف الطويل والعميق، بكلمة صغيرة تقال في المحكمة تنطوي على مدح من زكريا أحمد لأم كلثوم، ومدح من أم كلثوم لزكريا أحمد. وينتهي الأمر وكأن شيئاً لم يكن، فلا يسع المرء حينئذ إلا أن يقول لنفسه: يا ليت الحياة فعلاً بهذه البساطة، ويا ليت تغيير عواطف الناس ومشاعرهم هو فعلاً بهذه السهولة!.

وقد كان مما توقف عنده بعض النقاد الذين تابعوا مسلسل محفوظ عبدالرحمن، أن هذا المسلسل توقف عند القشرة الخارجية لحياة هذه السيدة العظيمة دون أن يحاول النفاذ إلى حياتها الجوانية الداخلية. إذ لا يُعقل بنظر هؤلاء ألا تنطوي شخصيتها، ولو القوية والمبهرة، على نواحي ضعف لا يخلو منها أحد. فهل يمكن ألا تكون قد أحبت وشقيت بحبها وعاشت لحظات الضعف التي يعيشها عادة المحبون؟ هل يمكن ألا تكون قد بكت أو ندمت أو أخطأت؟ إن شيئاً من ذلك لا يجده المرء لا في هذا المسلسل، ولا في أي كتاب أو بحث رصين تناول سيرتها، وكأن هذه السيدة الرقيقة غاية الرقة في مجالسها، كانت من صلب الآلهة لا من صلب آدم وحواء.

وقد لاحظ الدكتور عبدالقادر القط، فيما كتبه عن مسلسل حياتها في الأهرام، أن هذا المسلسل افتقر قبل كل شيء إلى قصة تقوم على صراع ما، تأخذ بالمشاهد من أول المسلسل إلى آخره، وتشوقه إلى معرفة ما يمكن أن يحدث في تطور هذا الصراع. ويقصد الدكتور القط بذلك خلو المسلسل من عنصر الدراما. وهو عنصر كان بإمكانه أن يهب المسلسل مزيداً من التشويق والاثارة. ولكن لعل لمحفوظ عبدالرحمن عذره في هذا. فإذا كان الطريق السهل الذي سلكه جر عليه الكثير من المتاعب، فما الذي كان سيحصل لو أنه حاول النفاذ إلى بعض غياهب سيرة من تناولهم في مسلسله؟ إلى أين كان سيصل لو أنه حاول أن يفسر مثلاً أسباب المشاكل الحقيقية بين أم كلثوم وزكريا أحمد؟ وما هي الأسباب الحقيقية لعزوف أم كلثوم عن ألحان محمد القصبجي وتفضيلها ألحان السنباطي، وآخرين عليها؟ أو للإجابة عن طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بينها وبين نخبة من كبراء زمانها؟ أو للحديث بصراحة عن تاريخها العاطفي دون الأخذ بالاعتبار هذا الاعتبار أو ذاك؟

جلال أحمد أمين يتحدث عن صعاب مختلفة تواجه كل من يحاول التصدي لدراسة أم كلثوم، وعلاقتها بالشخصيات التي عرفتها أو دارت في فلكها. هناك مثلاً الحذر الواجب من قضايا قد تُرفع أمام المحاكم إذا غامر الكاتب بالاشارة إلى عيب هنا أو عيب هناك. وربما كان الأهم من ذلك الحذر من جرح شعور ملايين الناس الذين تعلقت أفئدتهم بأم كلثوم، ولا يقبلون بسهولة الكلام عن بعض عيوبها.

ولكن الكثيرين من الكتاب والنقاد ضاقوا في السنوات الأخيرة بكل يافطات المنع والحذر التي كانت مرفوعة في الماضي بوجه كل من يحاول ريادة المناطق التي قيل إنها مناطق مزروعة بالألغام ويحسن، لأسباب مختلفة، ألا يجوسها أحد.. فقد قال هؤلاء إن المسألة تتعلق فقط بدراسة شخصيات فنية أو ثقافية ودراسة نقدية وعلمية تتوخى معرفة حقيقتها بالضبط. وهو أمر ينبغي أن يحض عليه، وأن يعتبر أمراً مشروعاً بل بديهياً. بل هو مشروع وبديهي في كل مكان تحت الشمس. فما الذي يضير أم كلثوم مثلاً لو أُميط اللثام عن حقيقة علاقاتها العاطفية أو غير العاطفية؟. وهل تشكل إعادة كتابة سيرتها على نحو يستهدف الحقيقة الكاملة إساءة لسيرتها؟ ولماذا هذا التعامل الورع معها كإنسانة وكفنانة وكأنها اسطورة قابلة للتبدد، فيما لو خرجت بعض الجوانب الحميمة في شخصيتها إلى الضوء؟.

ويبدو أن مثل هذه الأسئلة شكلت في الفترة الأخيرة دوافع لترك التهيب واقتحام ما يمكن اقتحامه من حياة هذه السيدة العظيمة. فقد بادر بعض الدارسين المصريين مؤخراً إلى دراسة أم كلثوم في سنواتها الأخيرة على التمديد، أي منذ بدأ يتعذر عليها أداء الوصلات الثلاث في أمسياتها الشهيرة المألوفة. المعروف أن أم كلثوم كانت تغني في حفلتها الشهرية التي تطل بها على جمهورها ثلاث وصلات. ولكنها لم تعد في ظهوراتها الأخيرة، تستطيع أن تؤدي سوى وصلتين، ثم اقتصرت الأمسيات على وصلة واحدة بعدها امتنعت تماماً عن الغناء. وقد توسل هؤلاء الدارسون جملة وسائل لتوثيق حياة أم كلثوم في هذه الفترة منها، على سبيل المثال لا أكثر، مقابلات مع صديقات حميمات لها يشكلن، كما ذُكر، خزاناً لا ينضب للمعلومات والأسرار عنها كانت هؤلاء النسوة يمضين مع أم كلثوم ساعات طويلة في اليوم الواحد، كما كن يرافقنها في أسفارها إلى الخارج. ومما قالته هؤلاء النسوة إن أم كلثوم شعرت بطعنة في قلبها عندما نهرتها في حادثة مشهورة السيدة جيهان السادات التي أنكرت بعد ذلك أنها نهرتها، أو أهانتها، ربما لأنها شعرت بعد ذلك بجسامة الخطأ الذي ارتكبته، وبعمق علاقة أم كلثوم بالشعب المصري. خاصة أن هذا الخطأ أدى إلى اعتزال أم كلثوم الحياة العامة، وكذلك إلى انهيارها النفسي الذي أدى لاحقاً إلى وفاتها. فعندما سافرت أم كلثوم بعد هذه الحادثة إلى الخارج،كانت تبكي بلا انقطاع. ولاشك عند هؤلاء الصديقات أن هذه الحادثة عجلت برحيل أم كلثوم، وكان من الممكن لولاها، أن تمضي سنوات أخرى على قيد الحياة تتمتع خلالها بشيخوخة قريرة تستحقها، وربما كتبت أثناء مذكراتها، أو روت أحداثاً مهمة في حياتها وفي تاريخ مصر.

وتقول هؤلاء الصديقات إن أم كلثوم كانت تستلطف الرئيس أنور السادات، ولكن عبدالناصر كان أقرب إلى قلبها. لقد كانت تحبه فعلاً، وعندما توفي إلى رحمته تعالى، لاذت بغرفتها المقفلة بالستائر لأيام كانت خلالها تنشج في الظلام كالأطفال.

وقد عثر هؤلاء الباحثون في متروكات أم كلثوم على كتابات كثيرة بخطها هي ذات فائدة كبيرة لتاريخها الفني، منها ما يتصل بالأجور التي كانت تتقاضاها من كبراء مصر ووجهائها زمن العصر الملكي. ومن جملة هذه المستندات دفتر كانت تدون عليه ما يتصل باقتصادها الشخصي: المبلغ الذي الذي تناولته عن هذا الحفل أو ذاك، ما أودعته في البنك منه وما وزعته على الملحن وأعضاء فرقتها الموسيقية وما أبقته في حوزتها.

ويقول الذين أطلعوا على هذا الدفتر أن من الممكن استخلاص الكثير عن المؤسسة المالية لأم كلثوم، كما بإمكانه أن يقدم صورة للحياة الاجتماعية في مصر، وبخاصة في مراحل الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. ذلك أن أكثر ما ورد فيه يتصل بالعائد الفني لأم كلثوم في هذه الحقبة بالذات، وهي الحقبة التي شهدت سطوع نجمها، كما شهدت توزعها بين المدينة والريف. فالمعروف أن أم كلثوم بدأت مطربة ريفية قبل أن تقتحم مصر، أي القاهرة وتحتل نواديها الفنية وتخطف الأضواء لا من منيرة المهدية وحدها بل من سائر مطربي مصر الكبار في زمانها. وعندما أمكنها القبض على زعامة الساحة الفنية القاهرية، ظلت على صلة وثيقة بالريف وأعيانه وكبرائه وأفراحه. كانت تستقل القطار إلى الإسكندرية وطنطا وأسيوط ورشيد والمنصورة، بنفس الهمة التي تستقل بها مطربات اليوم الطائرات إلى هذه المدينة العربية أو تلك لإحياء الحفلات على أنواعها.. مع فارق واحد هو أن التاريخ كان يرافق حفلات أم كلثوم، في حين يغيب التاريخ عن حفلات مطربات ومطربي زمننا الراهن.

دفتر أم كلثوم المكتوب بخطها يضم، كما أشرنا، ذمتها المالية أو اقتصاديات مؤسستها.

ففي هذه الصفحة تكتب أم كلثوم أنها أحيت في الليلة السابقة حفلاً في قصر النقراشي باشا تناولت عنه ثلاثمئة جنيه. وزعت على أعضاء فرقتها منها مئة جنيه وأودعت في البنك مئة أخرى واحتفظت بالمئة الثالثة لنفسها.

وفي صفحة أخرى تتحدث عن فرح أحيته في الريف: في قصر الباشا الفلاني في عزبته، والمبلغ الذي تقاضته كما تتحدث عن بعض أعضاء فرقتها الذين كانوا معها.

وفي صفحة ثالثة سطور عن أغنية جديدة يلحنها لها زكريا أو القصبجي أو السنباطي.

أكثر مذكرات أم كلثوم تعود كما أشرنا لحقبة الثلاثينيات والأربعينيات حتى مطلع الخمسينيات تقريباً.

تتوقف هذه المذكرات عند حفل أحيته أم كلثوم في منزل أحد الوجهاء الجدد في القاهرة. كان ذلك في بداية الخمسينيات، وافقت أم كلثوم بالطبع. لم يكن باستطاعتها إلا أن توافق. بعد إحيائها الحفل عادت إلى بيتها لتكتب أنها أحيت حفل زفاف ابن شقيقة فلان، ولتضيف أنها لم تتقاض أجراً عن الحفل.. وذكرت السبب.

باحثون مصريون متعددون يعيدون النظر بتراث هذه السيدة العظيمة ويقتربون أكثر من شخصها ومن فنها. وهذا يعني مزيداً من العبير والعطر، ويقظة لزمان لا يقل عذوبة واخضراراً عن زمان الوصل بالأندلس.

· عن جريدة الراية القطرية