خليل شوقي و حكايات بغداد

خليل شوقي و حكايات بغداد

د.فاضل خليل

في العام 2004 كتب خليل شوقي موضوعا موسوما: "المسرح العراقي الحديث.. سيرة فنية"، يقول فيه" وأنا أقف على أبواب الخامسة والثمانين، أشيد بالدور الجهادي الكبير الذي واجهه المسرحيون - المؤسسون من ضنك مالي، وعدم توفر مسارح خاصة، فضلاً عن النظرة المتدنية من المجتمع والدوائر الحكومية ذات العلاقة ".

ظل الرأي والنظرة من دون تغيير حتى غادرنا، وظلت علاقته ببغداديته وثيقة، وكان ينحت في البحث عما يعزز تلك المثل القديمة ويقول أيضا وهو يدون سيرته المختصرة: "أوثر تناول مرحلة العشرينات من القرن العشرين، حيث أدركتها في طفولتي وشاهدت بضعة أعمال استهوتني فولجت باب هذا الفن النبيل، الصعب ".

وعن تاريخه مع فرقة المسرح الفني الحديث التي ألغيت مع باقي الفرق المسرحية في عام 1963 يقول: " في عام 1964 أعيد قانون تشكيل الفرق المسرحية، واتفقت في عام 1965 مع الفنان ابراهيم جلال باعتباره أول رئيس لفرقة المسرح الحديث مع بعض الشباب من المجموعة نفسها الذين توسمت فيهم قدرات فنية متميزة فأعيد تأسيس _ فرقة المسرح الفني الحديث _ وأصبحت بعد ذلك مدرسة للتجارب والتيارات المسرحية تخرج منها مجموعة من الشباب انتثروا وروداً عطرة في الوطن وخارجه. ولما لم يكن بمقدوري اعادتها بنفس الاسم - أي باسم "فرقة المسرح الحديث" - اثرت اضافة كلمة "الفني" لتصبح "فرقة المسرح الفني الحديث". واعتزازاً مني باستخدام نفس شعار الفرقة السابق والذي صممه الفنان الكبير الراحل جواد سليم، قام الرسام صادق سميسم باضافة كلمة الفني على الشعار".

وعن أسباب تمسكه بالمسرح أو بالفن عموما يعزو ذلك الى أن حافزه وهدفه الأساس هو تعزيز ثقة الناس وتماسكهم ببعضهم في زمن يصفه خليل شوقي بأنه "حافل بالقتل والاعدامات والسجون".

هذا غيض من فيض خليل شوقي، بث فيه بعضا من أسباب الابداع الذي ميز مسيرته الطويلة والتي زادت على نحو أكثر من ستة عقود وتزيد كان فاعلا فيها بكل المجالات، المسرح، والتلفزيون، والسينما، والاذاعة. اذا ما أخذنا بنظر الاعتبار كونه واحدا من طلاب الدورات الأولى في معهد الفنون الجميلة الذي تأسس فيه فرع التمثيل في عام 1940 من قبل حقي الشبلي. وحقي الشبلي _ حسب خليل شوقي _ كان له الدور الأكبر في تحويل الهواية والعفوية الى منهج علمي بعد تأسيس فرع التمثيل بمعهد الفنون الجميلة في بداية الأربعينات.

وفي استذكارنا السريع للمبدع خليل شوقي لابد لنا من المرور على أحد الصروح المهمة في حياته والذي قدم عليه أهم عروضه المسرحية، أمثال: النخلة والجيران والقربان وأضواء على حياة يومية والحلم وخيط البريسم والينبوع والانسان الطيب والسيد والعبد، وسواها.

انه مسرح بغداد، وإنها فرقة المسرح الفني الحديث، الفرقة التي كان واحدا من مؤسسيها وكانت الوحيدة التي امتلكت مسرحا خاصا بها هو "مسرح بغداد" وقدمت عليه عروضها الخاصة، وكانت كثيرة، اضافة الى عروض لفرق أخرى.

مسرح بغداد الذي حظي بشرف زيارات كبار المثقفين والسياسين من شعراء وعلماء وفنانين من أمثال: الجواهري، والبياتي، وفيروز، والرحابنة، وأسماء كبيرة وكثيرة أخرى، يكفي أن يكون "جواد سليم" من صمم شعارها وساهم مع إسماعيل الشيخلي، وفائق حسن، وكاظم حيدر في تصميم الديكورات والملابس والإضاءة لمسرحيات روادها من أمثال:إبراهيم جلال، يوسف العاني، جعفر السعدي، جاسم العبودي، سامي عبد الحميد، خليل شوقي، زينب، ناهدة الرماح، زكية خليفة، مي شوقي، آزادوهي صموئيل، روميو يوسف، مجيد العزاوي، وصولا لنا نحن أبناء الجيل الثالث للفرقة، و?يرنا مئات الأسماء بذات القيمة كان لها الأثر البالغ في تطوير حركة المسرح عراقيا وعربيا وعالميا.

مسرح خليل شوقي الذي سعى بفضل الاهداف التي حددها كتاب يوبيلها الفضي 1952 - 1977، الذي أكد على:

1. العمل على تقديم المسرحية العراقية من أجل تطويرها. وتشجيع كتابة النص المحلي وتشجيع الطاقات الشابة في التأليف على الالتزام بالجوانب الانسانية - والاجتماعية - والسياسية.

2. العمل على تشجيع المخرجين الجدد من الاعضاء في دخول عالم الاخراج.

3. تعميق الوعي بالثقافة المسرحية وقيمها الفكرية والجمالية للأعضاء.

هذا وسواه الذي ميز العمل في فرقة المسرح الفني الحديث التي نقلت لغة المسرح نصا وأسلوبا من التقليدية الموغلة بالتبسيط، الى رحاب المسرح الملتزم ذي الأصول المعاصرة لغة والتزاما وتوازنا وأسلوب تفكير، الرافض لكل ما هو سائد ومكرور. وهو ما جعلها قريبة من الناس بأنواعهم، حاكتهم بمختلف ثقافاتهم فأصبح لها جمهورها الخاص والمعرف باسم جمهور فرقة المسرح الفني الحديث. لذلك وجدت بأني حين أستذكر خليل شوقي، لابد لي من استذكار الصرح الذي ساهم بتأسيسه "فرقة المسرح الفني الحديث" ومقرها الرسمي "مسرح بغداد".

غادرنا خليل شوقي وتعتصره الغصة من أن هذا الصرح الذي شهد مجده ومجد زملائه يعاني الاهمال حتى صار لشدة اهماله "مكبا للنفايات".