ذكرى الخال الحقيقي

ذكرى الخال الحقيقي

علي حسين

في مرات كثيرة يجد بعض الاصدقاء غرابة في تمسكي بلقب الخال، حتى انه طغى على اسمي في احيان كثيرة، فما ان تدخل صحيفة المدى وتسأل موظف الاستعلامات عن علي حسين، حتى يبادرك بالقول سأتأكد هل الخال موجود؟

وفي المقهى او شارع المتنبي ستجد الجميع يقولون الخال كان هنا او مر من هنا. وفي الأشهر الاخيرة كان الاصدقاء يتندرون وهم يجدون احد قادة الفصائل المسلحة اطلق على نفسه لقب الخال. وفي كل مرة يطرح علي سؤال: لماذا تتمسك بلقب الخال؟، اعود بالذاكرة الى اول مرة دخلت فيها الى كواليس مسرح بغداد وكان ذلك عام ١٩٧٧ عندما طلب مني استاذي الراحل صلاح خالص ان اكتب دراسة عن مسرح يوسف العاني - نشرت الدراسة في عشرة فصول في مجلة الثقافة وقد صدرت فيما بعد في كتاب بعنوان يوسف العاني والمسرح العراقي الحديث - في تلك الايام كنت اسمع الممثلين والعاملين في المسرح وهم يقولون جاء الخال، او يردون التحية اهلًا خالي، حتى ان يوسف العاني وجدته يسال ذات يوم: هل وصل الخال؟ ولم يكن الخال سوى الفنان الكبير خليل شوقي.. الفنان والإنسان الذي كان وسيظل ملء السمع والبصر، حيث امتدت تخوم دولته الإبداعية إلى كل أطياف المجتمع العراقي لتجده وقد استقرّ رمزاً يدين له العراقيون جميعاً بالحب والامتنان.. حيث تصادف هذه الايام الذكرى الخامسة على رحيله غريبا عن بلاده التي عشقها. منذ اليوم الاول الذي تعرفت فيه على الخال خليل شوقي تمنيت ان املك بعضا من صفاته، وأبرزها الطيبة والتواضع والثقة بالنفس والترفع عن الصغائر، واعترف انني فشلت، فحاولت ان أعوض ذلك كله بلقب الخال ليذكرني بأطيب وأنقى انسان صادفته في هذه الحياة، وكنت طوال علاقتي به اعتبره بمثابة الأب والأخ والمعلم والصديق.

.. ظل "الخال" خليل شوقي فنان يغرد خارج السرب ويرفض الاستسلام لنمطية الحياة، وكنت كلما انظر الى ملامح وجهه المحبب إلى النفس، اقرأ فيه رحلة الحياة والمواجهة ممتزجة بأفراح ومسرات الماضي.. تعب في العينين وابتسامة يختلط فيها الطيبة والفرح وبساطة ترتفع على التصنع فأغمض عيني وانا اتخيل صوته الرنان ممتزجاً بعبارات بغدادية عذبة:

سليمة خاتون الدنيا تغيرت تركض ركض لازم واحد يلحك بيها.

في سنوات الغربة الاخيرة ظل الخال خليل شوقي ينظر إلى العالم الذي يحمل برودة المنطق وحرارة القلب.. بين الحزن على حلم تهاوى والاحتجاج الصارخ على ما يكسر الحلم..فكان دائما يصر على أن يكون صحيحاً وأن يقول صحيحاً وأن يمثل صحيحاً، أن يكون صورة لفنان الشعب ومرآة العقل والإرادة، يدافع عن المبادئ النقية ويظل نقياً يقاتل في معركة الحرية دون أن يكترث للربح والخسارة..يمزج بين الحلم والحياة.. تكون الحياة مصدر إلهامه ويكون الحلم صوت المستقبل الواعد.

عاش خليل شوقي في سنواته التي تعدّت التسعين بعام بعيداً في المنافي ترتجف اليد لكن الذاكرة ظلت شابّة تجول في شوارع بغداد تصطاد حكايات العراقيين في الأربعينيات وأحلامهم في الخمسينيات وقلقهم في الستينيات وضياعهم في السبعينيات وبؤسهم في الثمانينيات وتشرّدهم في التسعينيات ونرى بغداد كلما طلع علينا الخال خليل شوقي بقامته الفارعة من على شاشة التلفزيون ونشمّ عبقها حين يهمس مصطفى الدلال: "سليمة خاتون تره آني مقصّر" ونحسّ نبضها في ملامح زاير ونرى تضاريسها في عيون عبد القادر بيك الماكرة، وهو يقول "لك رجب اتريد تقشمرني تالي عمري؟!".. فنشعر بأننا إزاء شخصية حملت في جوانحها كلّ أفراح وأوجاع وأحزان ومسرّات العراقيين.

ينتمي خليل شوقي إلى طائفة من الممثلين الأثيرين إلى قلب المشاهد.. ممثل يتمتع بعبقرية لها طعم خاص يترك أثراً في النفس.. حين تشاهده تشعر وكأنك تقرأ كتابا ممتعا.. فعند هذا الفنان قدرة عجيبة على تشرّب الثقافة والحياة الكامنة خلف هذه الثقافة، فعندما يقف الخال على خشبة المسرح يكون عقله وقلبه وأعصابه جزءاً من الأداء، فيعطي كل ما عنده في البروفة والعرض المسرحي، فتراه عندما يبكي على المسرح هو الذي يبكي وعندما يضحك هو الذي يضحك وعندما يبدع الشخصية لم يكن يتوارى خلفها وإنما يقف بالندّ منها.. كتب ستانسلافسكي مرّة: " إن على الممثل أن يكون مخرجا لدوره وهو لم يقصد بالطبع أن يضع الممثل مكان المخرج بل أراد التحدّث عن أهمية المبادرة عند الممثل وعن رؤيته الواسعة ودرجة مهارته"، وهكذا كان خليل شوقي في معظم أدواره، ذكياً يعرف ما يفعل. إنه لا يؤدي الدور حسب بل يقوم بتفسيره والتعبير عن وجهة نظره تجاه الأشياء والشخصية التي يؤديها ويمكنك مشاهدته منفردا وحده، فتستمتع وكأنك تشاهد مسرحية بطلها ممثل واحد ولكن بنفس الوقت تراه يخضع بحكمة وهدوء للعمل المسرحي الكلي.. في المسرح والتلفزيون يتصرف خليل شوقي كأنه شخصية من شخصيات ألف ليلة وليلة الخارجة من حضن الأحلام بسدارة بغدادية أو يشماغ جنوبي وابتسامة محبّبة إلى النفس فيخطف قلوب وأبصار المتفرجين قال لي مرك في واحد من الحوارات الكثيرة التي أجريتها معه:

"لستُ متعلقاً بالشخصيات البغدادية فقط وإنما أنا متعلق بمجمل الشخصيات التي مثلتها، لذلك أطلق عليها تسمية الشخصيات المنحوتة بطريقة زخرفية معبرة جدا "وهو هنا يعي جيدا ما قاله ستانسلافسكي من أن معايشة الدور تعني أن على الممثل في كل مرة وعند كل إعادة أن يحسّ ويفكر بصدق.. وهو يدرك أن المسرح فن للعب مثلما هو فن للمعايشة ولأجل اللعب يجب أن تكون موهوبا ولأجل المعايشة على المسرح يجب أن تمتلك الموهبة والثقافة وأن تدرس وتفهم الكثير عن هذه المهنة وقوانينها.

وقد اعتقد خليل شوقي أنّ الممثل يجب أن تتاح له طرق الخروج من القوالب التمثيلية الجاهزة وهو يدرك أنّ الممثل: " يجب أن ينظر إلى الحقيقة في السلوك الواقعي" ووفقاً لتعاليم ستانسلافسكي التي يعشقها الخال خليل شوقي فإن العناصر السحرية للتمثيل يجب أن تجمع بين موهبة الممثل وقدرته على التخيل. ٌ

لعلّنا نتساءل أين يكمن سرّ وسحر فنان أصبح جزءاً لايتجزّأ من تاريخ العراق؟ سنجد الإجابة في تفاصيل حياته الآسرة، والإصرار على ان يكون صادقا مع نفسه، ومع الآخرين.