خليل شوقي.. والتلفزيون

خليل شوقي.. والتلفزيون

يوسف العاني

دخلت فرقتنا (المسرح الحديث) التلفزيون بعدد من مسرحياتها التي قدمتها على المسرح، قبل ان تقدم على شاشة التلفزيون.. وحين بدأت اكتب نصوصا معدة للتلفزيون اصلا... حاولت ان اكسر بعض ضوابط العمل المسرحي وعدم الالتزام بفصول او مشاهد طويلة بل ان ايقاع العرض لابد وان يظل متحركا لايترك الملل عند المشاهد

الذي لم يألف المشاهدة التأملية-ان جاز لي هذا التعبير. بصراحة كنت بحاجة الى المخرج الذي يكون الفة في العمل وانسجاما في التصور وفهما لما اريد لامن المشهد المكتوب او الحوار المنطوق وحده... بل عبر كل المكونات العمل..

وحينما بدأنا بتمثيلية متواضعة هي (ولد هلوكت).. كان خليل شوقي قد استلهمها مني وكانه يديم..بل يعمق الفة بيننا...

فهو ليس غريبا عن مجموعتنا اولا.. بل جزء منها وان تأخر بعض الوقت بالانضمام الى الفرقة-المسرح الحديث- نحن نلتقي بالرؤى وبالمواقف ويجمعنا هدف نشر الروح الشعبية الحميمة في اعمالنا سواء كانت في المسرح ام السينما... فكيف والتلفزيون كما نفهمه –وكما اشرت الى ذلك- الجمع بين هذين الفنين الكبيرين لايختلف عنهما الا بتفاصيل تفرضها طبيعة العمل التلفزيوني نفسه... واهمية خلق التواصل الحميم بين المشاهدين والعرض وسلاسة الطرح وقربه منهم.. وخليل شوقي القريب مني علاقة صداقة وعمل فني.. يدرك ما اريد ويعرف كيف يتناول ذلك الطرح بصيغة لاتميل الى التعقيد بقدر ما تكون بسيطة لكنها كما نقول.... (تضرب على الوتر الحساس).. وخليل فوق ذلك كله شخصية من صلب واصالة الناس الذين نعرفهم ونتعامل معهم في الحياة وعبر اعمالنا المسرحية والتلفزيونية. وهكذا صار (خليل شوقي) ليس مخرجا لعمل فني يكتب للتلفزيون بل راع له محتضنا لكل مكوناته امينا على ما حملت السطوروالكلمات متخذا من (الكاميرا) التي يدري كيف يتعامل معها بكفاءة (الاسطة) اولا.. وبسلاسة الطرح وكأنه يقدم مسرحية متماسكة الا من قطع هنا وانتقالة هناك.... فالعرض انذاك وكما اشرت كان مباشرا وبتعبير ادق (حيا) ليست هناك بعد العرض وسيلة اخرى لتركيب وبناء المشاهد او الاحداث المطروحة فقد تمت المشاهدة... وتلك تخدم المخرج المسرحي لكنها تعيق احيانا التصور السينمائي المفروض ان يتوفر لتركيبة الصيغة التلفزيونية.. خليل شوقي ظل يتلاعب في السياق دون ضياع ما يخدم كل مشهد بل كل لقطة احيانا وكانت العملية التلفزيونية عندنا حالة جماعية فيها روح التعاون والتفاهم المتبادل بيننا جميعا وبين (خليل) المخرج.. بل استطيع ان اسميه (المشارك) في كل مقومات العمل الذي هو دون شك (سيده).. لكن خليل ومعي بالذات كان يتعامل بحساب اخر وهو الحرص المشترك على الافضل والاعمق والامتع... حتى ظلت مبادلة الرأي في صلب عمله الاخراجي تتكرر من باب الاستفادة من الراي الاخر..

كان خليل في المشاهد التي تؤدى باجادة وابداع صادقاً، لاسيما المجموعة منذ البداية كانت هي من افضل عضوات واعضاء الفرقة.. كانت هناك زينب وناهدة الرماح.. وكنت انا مشاركا في كل الاعمال التي كتبتها... وكما اشرت.. ظلت العائلة العراقية هي المنطلق لفكر ارحب ان يصل حد انعكاس الطرح الى (الوطن... فالبيت هو الوطن.. وناسه هم افراد او اجزاء من الشعب... اقول كان (خليل) يرقص ويبتهج حين يصل الانسجام وحسن الاداء تمثيلا الى المستوى المتخيل من قبله.. فسارت تلك (التمثيليات) بمحبة مقدميها.. وعجبة المشاهدين لها وظل الترقب لها ولمواعيد عرضها تشغلهم وتشدهم الى شاشة التلفزيون... فكانت تمثيلية (بنات هلوكت) بغد او قبل ولد هلكوت-لا اتذكر-فالحدث تجاوز زمنه الى اكثر من اربعين عاماً –ثم قدمت (واحد ثنين ثلاثة) و(مو وكتها).... وكتبت (الساقية).. عن نضال شعبنا الفلسطيني.. حيث كانت الثيمة.. (مادام الماء يجري فالساقية باقية) ثم الاغنية والراية الخضراء... عن شعبنا في الجزائر... وهكذا وخليل شوقي وراء كل هذه الاعمال يقف بجدارة الفنان الواعي والحريص والمستوعب لما يريد رغم صعوبات تقنية كان يتجاوزها ويجد لها بدائل لاتقلل من قيمتها بقدر ما كانت تحمل مضاعفة في الجهد وبحثا عن ابداع يتغلب عن كل تلك المعوقات..

وخليل اولا وقبل كل شيء ممثل كبير... ولديه من القدرات ما تجعله ملما بكل متطلبات عمله.. في المسرح كما كان... وبجزء غير قليل من العمل السينمائي ثم استيعابه وتجربته الفنية منذ ان دخل التلفزيون. ولعل من الامانة ان اشير الى عمل كبير تألق فيه (خليل شوقي، هو (ليطة) ترك اثرا كبيرا عند المشاهدين، وراحوا يتحدثون عنه بتصورات فيها من الغنى والاكتشاف غير المنظور.. وكان لخليل شوقي المخرج الاثر الكبير والمضاف الى اجادة التمثيل الخلاب الذي تألقت فيه زينب وناهدة وازاد... وكنت انا لولب الاحداث فانا (الاخرس) الذي لاينطق لكنه يقول كل شيء.. بصمت وتعبير عرف كيف يستلبه خليل مني... بلقطات ذكية معبرة.. حتى كشف عن مشاعر المرارة والالم والظلم الذي مارسته زوجة ابو علي ببلاغة فنية.. ذات يوم وانا في طريقي الى مقر فرقتنا المسرح الحديث وبعد ان عرضت تمثيلية ليطة.. التقيت رجلا.. (بناء) سلم عليّ وشكرني على ما قدمناه في تمثيلية(ليطة).. شكرته.. ثم سالني اول الامر ما معنى (اليطة) قلت له... (ليطة).. في اللغة (قشر الخشبة اللاصق بها).. قال: يعني كما نعرفها حين تدخل الاظفر فتكون مؤذية جدا.. ثم ضحك وقال: استاذ نحن فهمنا التمثيلية.. قلت: كيف فهمتوها؟ قال: هذا الشاب الساكت المضطهد... هو الشعب العراقي!! تحمل ويتحمل الظلم والاضطهاد... لكنه لايمكن الا ان يثور ذات يوم في وجه ظالمه.. وهكذا فعل الشاب الساكت وثار في وجه زوجة ابيه رمز الظلم! وضحك ليقول باعتزاز: (نحن نفره الممحي!) ثم شكرني مرة اخرى وهو يردد (لعنة الله على كل –ليطة)! خليل شوقي كان بالنسبة لي المخرج التلفزيوني الاول الذي قدمت من خلاله وبنجاح وجدارة النصوص التلفزيونية التي كتبتها وحين كنت ممثلا امام الكاميرا... عاونني كثيرا في كل ما قدمت من اجادة وابداع.

· من ارشيف الراحل يوسف العاني نشر في المدى عام 2015