بعيدا عن الخشبة، بعيدا عن الوطن...

بعيدا عن الخشبة، بعيدا عن الوطن...

زهير الجزائري

في كل صباح أنزل من الغرفة العليا في بيتنا بلندن فأجد خليل شوقي يدخن سيكارته الأولى عند باب الحديقة، أصبحه بالخير فيبدأ حكايته الأولى، او يستكمل حكاية انقطعت أمس.. هكذا عاش خليل شوقي سنواته الأخيرة فى المنفى، راوي حكايات، وكانت بغداد حكايته الأزلية.

يأخذني معه في أزقة بغداد القديمة زقاقا زقاقا، وفي تضاريس تاريخها منذ أن شطر شارع الرشيد دروبها المتجهة الى النهر. بأصابعه وقد نبتت السيكارة بينها يرسم لي معمار بيوتها، يدخلني في الباحة ويأخذني فندور مع مسقط الضوء ونتسرب الى الغرف. نصعد الى الطابق العلوي درجة، درجة لنطل من الأُرسي على امتداد الزقاق.

يتلبس خليل شخصيات الحرفيين ويرسم حركاتهم: العرضحالجي في باب المحكمة، القهوجي وهو يدور بصينيةً الشاي بين الجلاس، خادم العتبة وهو يقود زائرا، وقاريء الجريدة في المقهى. لقد حفظ حركاتهم بتعمد وقصد واستعادهم مع نفسه. ( هذه كانت مدرستي الأولى في التمثيل). علمني كيف يقتصد البخيل في حركاته وفي جمله عند الكلام، وكيف يسير الشقاوة البغدادي في فضوة المحلة وكيف يتنحنح الروزخون ليجلوا أوتار صوته قبل أن يبدأ الحديث....كنت وأنا أصغي إليه أعبر المكان في بيتنا بلندن فأراه على المسرح يستكمل دور مصطفى الدلال في مسرحية النخلة والجيران التي نبتت في مخيلتي.

حتى وهو لوحده أراه منحن وأمام وجهه خيط نحيل من دخان السيكارة، يستعيد ماضيه ويجسر الفجوات فيه ليرويه لنفسه أو لغيره حكاية متسقة. صار هذا الماضي حاضر خليل ومستقبله، يقبض عليه في ذاكرته ويؤطره في الأمكنة حتى لا تفلت خرزاته.

لطالما طالبته بأن يكتب هذا التاريخ بدلا من أن يبدده بالحديث، لكن تاريخه والزمن الذي عاشه كان موضوع استئناف دائم بينه وبين نفسه، وقد كان الكمال هاجسه المعرقل للكتابة. في بيته الصغير في لاهاي بهولندا كنت أنزل معه الى غرفته في الطابق الأسفل، أحثه على أن يجلس خلف طاولة الكتابة ويبدأ السيره:

-المهم أن تبدأ، وسيأتي الكمال لاحقا.

تزدحم الأحداث وهو يرويها لينظم أفكاره. من أين يبدأ.؟من المكان الحالي ثم يعود، من وقفة على المسرح، أم من مكان الولادة؟ أراد أن يهييء الخشبة أولا، ثم يدخل في سيرته. وكنت أرى في هذه السيرة تاريخا للحداثة في العراق، تاريخ بلد بدأ يعي نفسه. بدلا من السيرة كان خليل يقرأ لي قصصا كتبها في منفاه. لم يكن مؤمنا بقدرته كقاص واعتبرها نوعا من اللهو بغياب المسرح، لكني وجدت في قصصه مهارة المسرحي الذي يعرف سلوك الشخصية وأسلوبها في الحوار.

لا تنقطع أحاديثنا خلال تناول الطعام. يترك الملعقة وترتفع أصابعه بيننا فأحثه للطعام، وكان جوابه الدائم ( هذه عادتي: أذل الطعام ثم آكله). لكثرة ما تحدثنا توهمت أني مثل أولاده وبناته، عرفنا كل حكاياته، لكنني مع صديقي السينمائي قتيبه الجنابي قررنا أن نستعيد خزينه من الحكايات في أطول لقاء دام اكثر من عشرين ساعة على مدى أسبوع.

عبرنا البحر مع الكاميرات ونحن نفكر بمدخل للفلم. المنفى كان هاجسي. فكرت برجل عاش في بلاده نجما وقدوة. كيف سيتقبل المنفى هذا الرجل الذي يلخص سيرته ( أنا كردي، بغدادي الهوى وطني العراق)؟. بدا لي هذا الزقاق الذي يحمل اسم موسيقي نسيته في مدينة لاهاي بهولندا محض خيال: ما الذي جاء به الى هذا المكان؟ لا يغادر خليل هذا البيت الى المدينة الكبيرة إلا نادرا، يريد أن يحصر نفسه في قشرة جوز ليرى الرحاب هناك. لذلك عاش ازدواجية كونه هنا وهناك في نفس الوقت. واقعيا، وهو يرفض هذا الواقع، هو هنا في هذا المجمع السكني الذي يضم بعض عائلته، ولكن كل صوره الشخصية وكل ذكرياته هناك. المنفى بدوره كان ينفيه. خرجنا من باب بيته لنرافق جولته اليومية مع زوجته. الجيران من نوافذهم راقبوا باستغراب:لم نفعل ذلك، لم نصوره، ما حقيقة جارهم العجوز؟ المنفى يصفر المنفيين ويحيلهم الى كائنات بلا سمات خاصة غير كونهم ( لا جئين). أوقفنا خليل في المحطة يراقب القطارات المسرعة وهي تمر به دون أن تتوقف. أردنا أن نجسد اختلال المكان وعدميته. لن أنس أبدا القامة المنحنية التي تعصفها القطارات الذاهبة الآتية ولا سحنة الرجل الذاهل الذي يسأل نفسه: أين أنا، وإلى أين ذاهب.؟كأن كل سياق المنطق انقطع لمجرد أنه انقطع عن مدينته ومسرحه وجمهوره.

في عودة قصيرة الى بغداد أخذته الى المسرح الذي مثل فيه أجمل أدواره. فتحنا باب المسرح بصعوبة. تسللنا عبر الحطام وركام الحجارة الى خشبة المسرح. تركته على الخشبة ونزلت الى الجمهور الغائب. نفضت التراب المتراكم على الكرسي الأول. وحين جلست بعث الكرسي صريرا حادا مثل صرخة ذبيح. أما خليل فقد وقف يتصفح الوجوه أمامه على الخشبة: زينب، يوسف، ناهده، ابراهيم، قاسم... ثم التفت الى الجمهور، مد أصابعه عبر حاجز الوهم، دار بعينيه، انتظرت... لكن لم تخرج الكلمة.