الاوقاتي وحكايات النزاهة والوطنية

الاوقاتي وحكايات النزاهة والوطنية

اعداد: توفيق التميمي

من اصحاب الزعيم المخلصين

كان قائد القوة الجوية جلال الاوقاتي واحداً من حلقة الرجال الذين التفوا حول الزعيم وربطوا مصيرهم به وبالثورة التي قادها، برغم اختلافه مع الزعيم في مواقف واراء كثيرة لكن لم تصل حدود التقاطع والجفاء والتنصل عن الزعيم في ساعات ومواقف حرجة كانت الثورة ومسيرتها تتعرض فيها للمؤامرات والمخاطر،

واشترك الاوقاتي مع هؤلاء الرجال بخصال العفة والشرف العسكري والتزام قيم النزاهة الوظيفية، فلم يتكسب من منصبه كقائد عام للقوات الجوية ولم يسمح للفساد المالي ان يتسلل الى مؤسسته العسكرية بشهادة الخصوم من اعدائه، وكان في ذلك كحال بقية رجال الزعيم في الاخلاص والنزاهة والوفاء كالعقيد الامين وصفي طاهر والعقيد فاضل عباس المهداوي والعقيد عبدالكريم الجدة.

قصص وحكايات من نزاهته

نشرت جريدة اللومند الفرنسية 1994 مقالا اشارت فيه لماكان يتمتع به الاوقاتي من نزاهة وعفة و عفة وظيفية من خلال القصة التالية (عندما ترأس الاوقاتي وفدا عسكريا للاتحاد السوفيتي للتفاوض على شراء طائرات الميك الروسية، رفض الاوقاتي شراء طائرات من نوعية سلاح الجو الذي زوده الروس للمصريين ايام عبدالناصر لعدم قناعاته به كطيار بنوعية الطيارات هذه وبرغم المرجعية اليسارية لافكاره، الا انه في وظيفته كقائد عسكري كان يرجح مصالح بلاده على مصلحة الحزب والفكر والايدلوجية التي يؤمن بها، وعندما عاد للفندق غاضبا وغير راض عن مسار المفاوضات مع الجانب الروسي، اتصلوا به لاستئناف المفاوضات وتلبية ماراد من حيث النوع واسعار الطائرات) جريدة اللومند 1994.

شهادة الزوبعي بحقه

يروي ولده الثاني المهندس جعفر الاوقاتي (بان زوجته في احدى زيارتها لاقاربها، التقت صدفة بالعقيد خليل الزوبعي معاون مدير استخبارات الزعيم قاسم، فروى لها بعد ان عرف انها (كنة) الاوقاتي بانه ذات يوم التقى عمها (الاوقاتي) قائلا: له المعروف عنك يا ابا خالد بانك يساري، ولكن عندما تفاوض الروس الشيوعيين تفاوضهم بصعوبة وتحاسبهم على الفلس الواحد، فرد على الزوبعي: ان الدينار العراقي الفائض الذي احصل عليه من المفاوضات ممكن ان يشترى به حذاء لفقير عراقي.) مقابلة شخصية للمحرر مع نجله جعفر الاوقاتي للمحر في بيته باليرموك شتاء 2014

المفاوضات مع الوفد الانكليزي

عند تسلمه القيادة كان الاوقاتي عليه ان يختار لتسليح القوة الجوية بين العرض البريطاني للطيارات (هوكر هنتر الانكليزية) وبين (الميك الروسية) ففضل الاخيرة، ليس لتناغمه مع الروس كفكر ومبادئ، او تواطئ خفي معهم، ولكن فضل العرض الروسي لارجحيته الذي تتضمن برنامج تدريبي للطيارين العراقيين في موسكو، ولان بعض اجزاء (الهوكر هنترالانكليزية) اقل في عمرها الافتراضي من الميك، وعندما طلب الانكليز المفاوضون تفسيرا واسبابا مقنعة من الاوقاتي لتفضيله العرض الروسي عليهم اجابهم بهذه المقارنة واوضح لهم الاسباب بانها مهنية بحت، وادركوا انهم يفاوضون ضابطاً وطنياً ومهنياً عالي الاحتراف وعنيد فحملوا حقائبهم وعادوا لبلادهم.

خلاف مع الزعيم

برغم ان علاقة الاوقاتي بالزعيم شابتها بعض الاختلاف والفتور في بعض مراحلها، ومن اهم اسباب هذا الخلاف كان تصميم الزعيم لاعدام رفاقه واصدقائه (الطبقجلي ورفعت الحاج سري) الذين اتهموا بالتورط في الانقلاب الفاشل للعقيد عبدالوهاب الشواف، ومن الاسباب الاخرى كان رفضه المبدئي لضرب الكرد اثناء قيامهم بالتمرد على سلطة الزعيم في ايلول 1961، وربما كان الاوقاتي ايضا يسهم في حفر قبره من حيث لايدري حينما وضع ثقته في ضباط طياريين قوميين قربهم الزعيم نكاية بالضباط والجنود الشيوعيين لكنهم خانوا تلك الثقة وفرطوا بتلك الامانة من امثال الطيار فهد السعدون ومنذر الونداوي اللذين كانت طائرتيهما اولى المهاجمات على مبنى وزارة الدفاع عقب مقتل الاوقاتي مباشرة، يلوم بعض المؤرخين الاوقاتي في عدم تحييد الطيارين البعثيين الذي كانوا سببا مباشرا في نجاح انقلاب شباط ومقتله هو شخصيا.

لكنه مع كل هذه الخلافات فان الاوقاتي لم يتخل عن الزعيم قاسم في احلك الظروف واصعبها، وواصل اداء وظيفته كقائد عام للقوة الجوية رغم الصعوبات واشتداد التناحر بين البعثيين والقوميين من جهة وبين الشيوعيين وفصائل اليسار من جهة اخرى وانتقال هذا الصراع الى القوات المسلحة ومنها بالطبع القوة الجوية. لكن الاوقاتي وضع نفسه في خدمة الدولة العراقية قبل زعيمها وفي خدمة واجبه الوطني قبل مصالحه الشخصية.

في شباط (1960) اتصل بي قائد القوة الجوية يومذاك الزعيم الركن طيار جلال الاوقاتي للقيام بجولة تفقدية بحسب طلب الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم وقد اعددت طائرة (ma4) وهي كما قلنا سمتية روسية الصنع فطرنا من مطار الرشيد ونزلنا في الحبانية قرب القصر الملكي وكان معه في الرحلة ضباط مجندون مهندسون حيث بدأ يناقش معهم ويشير الى مناطق مشاريع متميزة عرفت لاحقا انها تخص المجمع السياحي في الحبانية بعدها طرنا من الحبانية باتجاه الرمادي حيث طلب الزعيم الراحل عن طريق المرحوم جلال الاوقاتي طبعا لان مقعد الطيار كان عاليا ويستدعي صعود درج لتفقد احد المشاريع هناك جوا من قبل الزعيم الراحل ثم طلب الاتجاه نحو الثرثار ليتفقد العمل والعمال وهو طوال كل هذه الفترة يراقب ويسجل ملاحظاته الشخصية بنفسه وبالمناسبة كان يرافق الزعيم في هذه الرحلة الزعيم الطيار الركن جلال الاوقاتي قائد القوة الجويةوقد عدنا الى حيث انطلقنا من معسكر الرشيد وكانت سيارة المرحوم عبد الكريم قاسم بالانتظار مع مرافقه حافظ علوان وكان يساعدني في تلك الرحلة الطيار علي عواد الدليمي(من مذكرات الطيار واثق ابراهيم محمد).

خارج التوثيق والذاكرة

برغم السيرة الوطنية له المكللة بمواقف النزاهة الوظيفية والتفاني في تطوير سلاح القوة الجوية العراقية وبلوغها اعلى المراتب في عهد قيادته، رغم اخلاصه المتفاني للثورة الجماهير في 14 تموز واخلاصه لقائدها حتى اخر لحظة في حياته ترك ارث في النضال والشرف المهني والمواقف الوطنية التي ترفع هاماتنا عاليا وتملئ بالخزي والعار كل من تلطخ بدمائه من زمرة البعثيين القتلة، وبرغم دلالة مقتله التي قصمت ظهر ثورة تموز ودشنت صفحة سوداء من تاريخ بلادنا.

برغم كل ذلك لم يتذكر الباحثون او كتاب التاريخ العراقي هذه السيرة باطروحة جامعية او كتاب او سيرة ليستخلصوا منها هذه القيم وتلك السيرة الى الاجيال والتي مثلتها سيرة حياة عميد الجو الشهيد جلال جعفر الاوقاتي.

من ارشيف الكاتب المغيب توفيق التميمي