هل عرف حسين الرحال الماركسية في ألمانيا؟

هل عرف حسين الرحال الماركسية في ألمانيا؟

قيس ادريس جاسم

كان والد حسين الرحال قد ذهب إلى ألمانيا في بعثة عسكرية عام 1914, وقد دُهشَ بما شاهده من تطور وتقدم فسعى إلى أرسال أبنه حسين في بعثة للدراسة هناك, وذلك قبل أن يكمل دراسته الثانوية في المدرسة السلطانية, إذ توجه إلى ألمانيا مع أول قطار ذاهب إلى هناك, بعد افتتاح خط سكة حديد بغداد – برلين عام 1916.

وكـان حـسـين الـرحـال فـي سـفـره تلك يـحـمـل رسـالـة مـن قـريـبـه (زوج عـمـتـه) "صـبـيـح نشأت" موجهة إلى "توفيق الخالدي" الذي كان يقيم في برلين آنذاك لإكمال دراسته, وقد تم له فعلاً الاتصال بـتوفيق الخالدي بعد ما أستقر حسين الرحال بحي ميتهMitta" " في برلين, وقد تأثر حسين الرحال بالأفكار التقدمية التي يحملها الخالدي الذي كان يجتمع بالطلاب العراقيين والعرب هناك, إذ أعتاد الأخير أن ينظم في بيته يوم واحد في الأسبوع وقد أختار يوم الأحد مخصص لتلك الاجتماعات شارحاً فيه مزايا النظام الجمهوري بالقياس إلى النظام الملكي, وكان يرى أن هذا النظام هو الأصلح للبلد.

لا غرو أن الدعوة للنظام الجمهوري في وقت كانت تسود الأنظمة الملكية الرجعية في معظم دول العالم مثلت البداية الأولى بالنسبة لحسين الرحال للاطلاع على الفكر التقدمي المتحرر.

باشر حسين الرحال بالدراسة في مدرسة الهندسة المسماة كيني، وكان متفوقاً في الدراسة على زملائه من الألمان, وأثناء دراسته هناك بدأ بالاطلاع على الصحف الألمانية التقدمية, فأصبحت تلك الصحف وسيلته للاطلاع على الفكر الماركسي, واستطاعت تلك الصحف أن تهيء ذهن حسين الرحال لتقبل ذلك الفكر, وأن تجعله مألوفاً لديه.

وعــندمــا اندلـعت "الثورة العمالية" فـي برلين في 6 كــانون الثاني 1919 والتي قادها "عصبة الماركسيين الشيوعيين الألمان"(المعروفة بعصبة سبارتاكوس"Spartakus bund"(, تأثر حسين الرحال بتلك الثورة, فبدأ يسأل عن أسبابها وطبيعتها وذكر قائلاً: "سألت حانوتياً وزوجته عما إذا كانت الثورة تستهدف إعادة الملك فردريك Frederick فأجاباني متحسرين لعهد فردريك بأنها ثورة عمالية". فأندهش حسين الرحال وعدها أمراً غريباً.

وأثناء الثورة تطور الأمر لدى حسين الرحال إلى حد التفاعل مع الأفكار الماركسية التي بشرت بها الثورة الوليدة, وقد أدى أصدقائه من الطلبة الألمان المؤيدون للثورة دوراً كبيراً في ذلك, لا سيما وأن فريقا كبيراً منهم كان قد ساهم ذويهم في تلك الثورة, وقد أعتاد أولئك الذهاب إلى مناطق الثورة وكان حسين الرحال يرافقهم ليرى بأم عينيه العمال بحماسهم الثوري, ويشاهد الجنود وهم ينتزعون شاراتهم العسكرية من مقدمات خوذهم ليستبدلوها بشارات الثورة الحمراء, وفي تلك المناطق بالذات كان يستمع إلى خطب قادة الثورة منهم: روزا لوكسمبورغ ", وكارل ليبنخت.

كان الثوار كثيراً ما يبعدون الطلبة عن مناطق الثورة خوفاً من اضطراب الوضع فيها وقد يهدد حياتهم, وكانوا يزودونهم بمنشورات الثورة التي تحمل أسم "حكومات المجالس", وأن أغلب تلك المنشورات كانت تطبع في منطقة بافاريا "Baviere", والتي سبق وأعلنت فيها سلطة عمالية, وفي هنغاريا Hungary"" وهي الأخرى شهدت قيام سلطة عمالية بزعامة بلاكون Placon""، ومن بواكير قراءات حسين الرحال, المنشورات الماركسية الأولى كراس بعنوان "حكومات السوفيات في هنغاريا", كما قرأ صحيفة "روت فلاك " فضلاً عن الصحيفة البرلينية "برلينر فلاك", وكذلك كان يقرأ صحيفة الثوار "دي فري هايت". كان لتلك المنشورات والمطبوعات المحملة بالأفكار الماركسية دور لجذب أنتباه حسين الرحال, ليعكف على قراءتها باهتمام بالغ. إذ شكلت تلك المنشورات فضلاً عن أحداث الثورة الأساس في تكوين فكره الماركسي.

بعد خسارة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى, وعقده الصلح في الحادي عشر من تشرين الثاني عام 1918, وعقب ذلك بعدة أشهر خيرت الحكومة العثمانية طلابها في ألمانيا بين البقاء هناك واكمال دراستهم على نفقتهم الخاصة, أو العودة إلى استانبول على ظهر باخرة عثمانية وصلت إلى ألمانيا لهذا الغرض. أختار حسين الرحال العودة قبل أن يكمل دراسته لأسباب تتعلق بالضائقة المالية التي عانت منها أسرته, فضلاً عن صعوبات تتعلق بالتحويل الخارجي.

عاد حسين الرحال من سفره إلى العراق معجباً ومهتماً بالفكر الماركسي وهو يكتب لإحدى صديقاته الألمانيات عن الماركسية "إنها أثمن هدية آتي بها لشعبي المعذب المعزول عن العالم منذ دهور سحيقة أنها أرقى من شهادة الهندسة الجامعية, فهي تعكف على هندسة الروح والمادة, كم أتمنى لو أستطيع أن أهندس بها حياة العراق كله". وكان يحمل معه العديد من منشورات الثورة العمالية ومن ضمنها كراس "حكومات السوفيات في هنغاريا", وفي طريق عودته ألتقى في سورية بـ"ياسين الهاشمي", فسأله الأخير عما يدور في أوروبا فأطلعه حسين الرحال على الكراس الذي معه شارحاً له مضمونه فطلب منه "ياسين الهاشمي" أن يترجمه ولكنه أعتذر لضعف أسلوبه في الكتابة باللغة العربية, فكلف ياسين الهاشمي, "رشيد الهاشمي", الذي كان معروفاً آنذاك بقوة أسلوبه وتمكنه في اللغة العربية, بأن يساعد حسين الرحال في ترجمة الكراس المذكور.

ألتقى حـسين الرحـال بعد وصوله العراق بنخبة من الشـباب المـثقف أبـرزهـم "محمود أحمد السيد الذي تعرف على حسين الرحال في يوم 15 كانون الثاني 1920, وعن ذلك التعارف ذكر محمود أحمد السيد قائلاً: ((زرت صديقاً لي من أصدقائي الكثيرين... فوجدت عنده شاباً عليه مسحة غربية، كان قد قدم حديثاً من أوربا, وبعد أن عرفه بي وعرفني به, أسماه لي قائلاً: "ح. ر".

وبعد برهة وجيزة... إذ سمعت "ح. ر" يتكلم بصوت عال فأنصت فسمعت أخر جملة من كلامه قال: "كل شعور يأتي من الدماغ إلى الحواس فهو كاذب, وكل حس يصدر من الحواس إلى الدماغ حس صادق".... ثم وجه أحدهم سؤالاً إلى "ح. ر" قائلاً: "أخي أنك زرت كثيراً من المدن والأقطار المتمدنة, وعرفت شيئاً عن سكانها وعن رقيهم, وأظنك ستساعدني في رأيي إذا قلت أن الغرب كمل وأرتقى بواسطة القوانين والأنظمة التي سنتها له حكوماته. ونحن لا نرقى إلا إذا مشينا في تلك الطريق".

فأجابه على الفور: "هذا رأي عاطل. وأنك لم تصب كبد الحقيقة به. فالغرب لم يرق بذلك. وأني أسف لأنك لم تسمع النعرة الجديدة التي قام لها الغرب وقعد. حيث تجد اليوم الجماعات المتركبة من الألوف المؤلفة كلها ثائرة ولسان حالها يقول: "القوانين والأنظمة التي سنت ووجدت منذ الخليقة إلى هذا اليوم, والتي أريد بها اخضاع البشر لها قد عمل البشر ضدها تماماً, ذلك لأنها آتية من طريق القاسي والحكم الصارم", فعارضته وقلت: "إذا كان الأمر كذلك, فكيف السبيل إلى إيجاد أمة جديدة لنا راقية؟". فنظر ألي هنيهة ثم قال: "أترضى يا أخي أن تبني لك قصراً في مستنقع؟ بالطبع لا... أذن كيف ترضى أن تشيد أركان أمة جديدة وسط محيط ملؤه الخرافات والعادات السقيمة؟". قلت: "الآن فهمت ما قصدت وما رميت إليه, إلا أننا سائرون رويداً رويداً نحو هذه الغاية. ونحن لا شك لا تصلح لنا في مثل هذه الظروف إلا طريقة الاعتدال". فقهقه ضاحكاً ثم قال: "هنا, هنا بيت القصيد! هذا هو الهدف الذي أرجو أن أصيبه.. أخواني ضللتم الطريق السوي.. لا اعتدال هناك أبداً أما عندكم فالأفراط محرم والتفريط حرمان والاعتدال مصيبة عظمى تحسبونها سعادة.." قال ذلك, ثم ودعنا وخرج وتركنا وراءه مفكرين...

عن رسالة: حسين الرحال ونشاطه الفكري في العراق (1901 – 1971).