من ذكريات سوق الكتب (السراي) في الثلاثينيات

من ذكريات سوق الكتب (السراي) في الثلاثينيات

قاسم محمد الرجب

صاحب مكتبة المثنى

زيارة الشخصيات المشهورة

كان يتردد إلى الأسواق كثير من العلماء والأدباء والشعراء أمثال جميل صدقي الزهاوي الذي كان يكتري الروايات باستمرار من نعمان وغيره فيدفع له أجرة عن قراءة كل مجموعة منها ربية واحدة أي ما يساوي اليوم (75) فلساً،

وطه الراوي الذي كان أكبر مشجع ومرغب للكتاب في جميع مجالسه الرسمية والبيتية، ونوري السعيد ويوسف العطا وبهاء الدين الشيخ سعيد النقشبندي وإسماعيل الواعظ ومحمد السماوي ومصطفى علي وغيرهم، وكان اكبر زبون للسوق وللكتاب هو عباس العزاوي المحامي، فكان يتردد إلى أربع مرات أو أكثر في كل يوم فلا يفوته كتاب مطبوع أو مخطوط وبصحبته أخوه علي غالب العزاوي المحامي، وكان رجلاً ذكياً مهذباً، فكان عباس العزاوي يستشيره عند كل صفقة يقع عليها اختياره، وإذا ما وقع كتاب خطي ولن يشتريه العزاوي فانه يبقى سنوات دون أن يباع إذ لم يكن هناك يومذاك من يتسوق الكتاب، وهناك كثرة من أصحاب الأقلام لم أرهم قد دخلوا السوق أو اشتروا كتاباً وهذا أمر عجيب؟.

وكانت تصل إلى بغداد المخطوطات من كربلاء والنجف الاشرف وهي أجود ما يعرض من المخطوطات وأندرها، وكان يتسوقها الكتبي الشيخ مهدي رئيس وغيره ويعرضها على نعمان الاعظمي أو انستاس الكرملي فان لم يوفق في بيعها لهما عرضها على عباس العزاوي الذي سرعان ما يشتريها، ومن كركوك كان يتسوق المخطوطات الملا صابر حافظ وهو رجل حسن المعاملة، وأذكر أن نعمان الاعظمي سافر، ذات مرة إلى إيران فاشترى بعض المخطوطات ولما عاد بها احتجزت منه في الحدود ولم يتمكن من إخراجها وإعادتها، ولكنه عند رجوعه أخبر احمد حامد الصراف المحامي بما وقع له ليتوسط له لدى السلطات الإيرانية بما لديه من علاقات ودية مع كثير من ساستها وعلمائها وأدبائها، فاشترط على نعمان انه إذا وفق في إعادة هذه المخطوطات إليه فإنه يأخذ احداها يختارها هو مما يعجبه منها، فوافق نعمان على ذلك، وقام الأستاذ الصراف بمساعيه فحصل عليها كاملة واختار منها ديوان (حافظ الشيرازي) محلى بالذهب ومزوقاً، إلا إنه بعد أن أشبع رغبته منه عاد فباعه إليه ثانيةً بمبلغ لا بأس به.

المقكرة العربية

ومن أشهر المفكرات وأوسعها انتشاراً (المفكرة العربية) التي يصدرها نعمان الأعظمي وهي لا تزال تصدر إلى يومنا هذا وكان ينظمها ويرتبها أحد خطباء المساجد في بعقوبة واسمه الزيدي، والمفكرة هذه تحتوي على خليط عجيب من الحكم والأمثال والأنواء الجوية وأمور أخرى لا يربطها رابط ولا تدخل تحت حصر من تقليم العنب وفيها إشارات إلى ازدياد البلغم وتزاوج البراغيث وتكاثرها وعلة القمل وتزاوج القطط وجز صوف الأغنام ونباح الكلاب وحمل الحيوانات وتكاثرها وتناسل الأغنام، كما كانت تحتوي على ذكر مواقيت الصلاة والأعياد الرسمية ووفيات الأئمة والقواد، وقد اختلف نعمان مع موظفها الذي كان لا يتقاضى منها سوى بعض النسخ فأحالها إلى أحد أحبار اليهود القدامى وأخذ هذا يرتبها دون مقابل.

المكتبة العربية ونعمان الاعظمي

وكانت المكتبة العربية اكبر تلك المكاتب في السوق والعراق كافة وصاحبها نعمان الاعظمي، كان عارفاً بالكتب ذواقاً باختيار ما ينشره ويطبعه من الكتب القديمة وعالماً بالكتب الخطية بل كان الوحيد الذي يفهم هذا الفن ويعتني بتسويق الكتاب المخطوط وعرضه، على إن الرجل لم يكن يحب المطالعة ولكن الممارسة الطويلة ورحلاته الكثيرة إلى إيران ومصر والتقاءه بأكبر خبير في الكتب الخطية وهو السيد محمد أمين الخانجي الذي يعتبر الوراق الوحيد في العالم العربي في تلك الأيام، وكان سوق الكتب ضعيفاً والمطبوعات قليلة والأمية متفشية كما إن الكتب الخطية لا تتحرك فلا سوق لها، فإذا أحرز نعمان الاعظمي بعض حزمها وسافر من أجلها إلى مصر ليبيعها أو يبدلها بالكتب المطبوعة وكان الهاوي الوحيد لشراء المخطوطات في بغداد المحامي عباس العزاوي مع إن نعمان الاعظمي كان لا يعرض عليه إلا ما يحصل عليه من التوافه وما يبقى من الجيد يرسله إلى مصر (تعتبر مكتبة مخطوطات عباس العزاوي اليوم من أكبر وأشهر المكتبات في العراق، فتأمل عزيزي القارئ أية نوادر وجواهر كان يبيعها نعمان الاعظمي في مصر)، وكانت الكتب رخيصة سواء المطبوع منها أو المخطوط فهي تباع بأسعار زهيدة جداً إذ ليس هناك جهة رسمية أو علمية تهتم بشراء الكتب ولا مراسلات أو تجارة منظمة بين بغداد والخارج.

ونعمان الاعظمي كان الوحيد الذي يستورد الكتب ما خلا بعض التوافه التي تصل إلى غيره ولا سيما إلى محمود حلمي، إما الباقون فكانوا يعيشون على الكتب المدرسية المستعملة أو على التركات التي تباع أحياناً بالمزادات بالبيوت أو المساجد، والكتب الرائجة يوم ذاك كانت الكتب الدينية والقصص والموالد النبوية وكان نعمان الاعظمي يسافر كل سنة إلى مصر فيشحن معه إليها ما جمعه من المطبوعات الحجرية ومطبوعات بغداد والنجف والكتب الخطية ليعرضها بمصر والشام ويستبدل بثمنها مطبوعات أخرى، ولا تصله من الكتب طوال السنة إلا بعض المصاحف كما إن المفردات كانت لا تصله إلا قليلاً مما يحصل عليه من المبادلة وكنت أرى وللمرة الأولى المطبوعات العربية التي تطبع في أوربا، وكان يغالي بأثمانها ويفتخر بها طوال مكوثها عنده إذ لم يكن أحد على علم بمثل هذه المطبوعات ولم تكن قد وصلت إلى الأسواق ببغداد وما كان بالمكتبات العامة والخاصة منها فهو يعود إلى وجود بعض الأجانب أوصله بعض المستشرقين أمثال الأب انستاس الكرملي ويعقوب سركيس، وبيع بعض تركات العلماء المغاربة أمثال الشنقيطي وغيرهم.

وكان نعمان الأعظمي يحسن اختيار الكتب التي يتولى طبعها ونشرها ولا أعتقد إن أي كتبي آخر في العراق كان يضارعه في ذلك، وكان إلى جانب ما نشره من الكتب القيمة التي اشبع بها رغبته قد نشر كثيراً من القصص المنتزعة من ألف ليلة وليلة أو من كتب أخرى عثر عليها لم أجد لها أصلاً وقتذاك، مثل قصة المياسة والمقداد وقصة مناجاة موسى وتليها قصة الجمجمة وهي مملوءة بالخرافات والروايات الاسرائيلية ما لا يمكن أن يكون لهذه القصة أي صبغة إسلامية إذ فيها تشكيك بالعقائد وغير ذلك، وكان ينشر أدعية كثيرة مختلفة أوسعها انتشاراً هو دعاء عرف بـ(عهود السليمانية) وفيه أحجية سبع منجيات، ويحتوي على آية الكرسي ودعاء الاستغاثة لتفريج الكروب وفوائد للقبول والعطف، وهو يحمل تميمة لكل طالب حاجة لكي يدخل بها الحكام ويتجنب المصائب ولدغات الأفاعي والعقارب، ويسهل ببركته الولادة من العسر وعمل المحيا وفك المربوط، وفيه أسماء الله الحسنى، وسيف ذو الفقار.

من كتاب (مذكراتي في سوق السراي)