أنيكيوس مانليوس سيويرينوس بوئيتيوس

أنيكيوس مانليوس سيويرينوس بوئيتيوس

الكاتب:جون مارنيبون

ترجمة:علي الحارس

وُلِد أنيكيوس مانليوس سيويرينوس بوئيتيوس في أسرة رومانية أرستقراطية، ومن المرجّح أن تكون ولادته في المدّة (475-477م)،

بالتزامن مع الإطاحة برومولوس أوگستولوس، آخر الأباطرة الرومان. ولقد عاش بوئيتيوس معظم حياته في ظلّ حكم ثيوديريك، وهو من سلالة القوط الشرقيين وتلقّى تعليمه في القسطنطينية ولم يجد بأسًا في أن يدع الأسر القديمة تحتفظ بتقاليدها في روما بينما كان يمارس الحكم في مدينة راڤينا. وكانت المنزلة الاجتماعية الخاصّة التي حظي بها بوئيتيوس تضمن له تلقّي التعليم اليوناني الكامل، ولا بدّ أنّه اطّلع على الكثير من النقاش الدائر في المدرستين المتبقّيتين للفلسفة (الأفلاطونية) في أثينا والإسكندرية، على الرغم من أنّه لا يُرجّح سفره إليهما. ولقد تمكّن من أن يمضي معظم أوقاته متفرّغًا للتعلّم والسعي خلف مشروعه الضخم لترجمة النصوص الفلسفية والتعليق عليها. وكانت الطبقة الأرستقراطية في عصره قد اعتنقت بأكملها الديانة المسيحية، وانخرط بوئيتيوس في بعض الخلافات الكنسية في هذه الحقبة، والتي كانت تتمحور في الأساس حول الانشقاق بين الكنيستين اللاتينية واليونانية، وهو خلاف وصل إلى الحلّ بعد أمد قصير من وفاة بوئيتيوس.

والسنوات الأخيرة في حياة بوئيتيوس يعرفها جيّدًا كلّ من قرأ أشهر كتبه (عزاء الفلسفة)؛ إذ وافق على أن يكون "رئيس الديوان الملكي" عند ثيوديريك، وهو من أعلى المناصب، لكنّه سرعان ما اقتيد للمحاكمة مع الكثيرين، وربّما كان السبب هو مهاجمته لفسادهم، فاتّهم بالخيانة وممارسة السحر، وسُجِن (ربّما في العام 526م) ثمّ أُعدِم، وفي المدّة التي سبقت إعدامه استطاع أن ينتهز الفرصة ليكتب رائعته الأدبية (عزاء الفلسفة).

و(عزاء الفلسفة) كتاب يختلط فيه النثر بالشعر، يسرد فيه بوئيتيوس، بأسلوب أدبي قشيب، حوارًا خياليًا بين بوئيتيوس السجين وبين سيّدة تمثّل الفلسفة. وهذا الكتاب يختلف عن كلّ الكتابات الأخرى التي خطّها قلمه، إذ كتب بوئيتيوس كتابين دراسيين في الحساب والهندسة، بشكل مشابه للكتب المماثلة باللغة اليونانية، وكرّس نفسه لترجمة النصوص المنطقية الأرسطية وشرحها، فشرح كتابي أرسطوطاليس (المقولات) و(العبارة)، وكتاب مقدّمة فرفوريوس (الإيساغوجي) الذي أصبح جزءًا من أيّ منهج قياسي لدراسة المنطق. وألّف أيضًا كتبًا دراسية في المنطق حول التقسيم، والقياسات في المقولات، وفي فرعين منطقين آخرين سيرد ذكرهما بتفصيل أكثر في موضع قادم (القسم الثالث)، وهما: القياسات النظرية والمحاكمة العقلية للموضوعات (بالإضافة لشرح كتاب الموضوعات لكيكيرو). وفي ثلاثٍ من (الرسائل اللاهوتية) الخمس التي كتبها (تُعرَف غالبًا باسمها اللاتيني: الموجزات القدسية Opuscula sacra)، أي: الأولى والثانية والخامسة، نجده يستخدم عدّته المنطقية في تناول مشكلات العقيدة المسيحية، بينما تحتوي الرسالة الرابعة على بيان مباشر لهذه العقيدة على نحو يشبه اعترافًا بعقيدته الشخصية، أمّا الرسالة الثالثة فهي رسالة فلسفية موجزة لا تعنى بالعقيدة المسيحية خصوصًا.

التي تمكّنه من التفكير وفق منطق القضايا، فكان يفهم القضايا (4-6) على أساس المنطق الحدّي، وفيه تكون المحمولات (نهار) و(نور) عائدة لمسند إليه مبهم (هو). ورسالة بوئيتيوس نفسها مكرّسة في الأساس لعملية حسابية مجهدة للأشكال الممكنة المختلفة والمتنوّعة للقياس الاستثنائي المتضمّن حدّين، أو ثلاثة حدود (على أن تكون المقدّمة الأولى من قبيل: "إذا كان أ، فعندها إذا كان ب فهو ج")، وأربعة حدود (على أن تكون المقدّمة الأولى من قبيل: إذا كان [إذا كان أ فهو ب] فعندها [إذا كان ج فهو د]).

عزاء الفلسفة.. حجّة الفصول

يقدّم بوئيتيوس في كتابه (عزاء الفلسفة) صعوبات تفسيرية تنتمي إلى نمط مغاير لما جاء في كتاباته المنطقية أو رسائله اللاهوتية؛ فهي تختلف عنها بأنّها جاءت على هيأة أدبية مفصّلة: إذ تتكوّن من حوار بين بوئيتيوس، القابع في زنزانته بانتظار تنفيذ حكم الإعدام، وبين سيّدة تجسّد الفلسفة، وغالبًا ما يكون النصّ نثرًا مشبعًا باللغة الخطابية تتخلّله مقاطع شعرية. يضاف إلى ذلك أنّه على الرغم من أنّ بوئيتيوس لم يكتب أيّ نصّ بطريقة تعرّفنا به كمسيحي، باستثناء الرسائل اللاهوتية (الأولى والثانية والرابعة والخامسة)، فإنّ غياب أيّ إشارة صريحة لمسيحيته في (عزاء الفلسفة) ينطوي على إشكالية خاصّة، فعندما نتذكّر أنّ هذا النص كتبه رجل على أعتاب الموت، فهذا يعني تمامًا أنّه كان يكتب شهادته في الفلسفة والأدب. وسنركّز أكثر على هذه الأسئلة في القسم السابع حين نبحث في الحجج التي تضمنّها هذا الكتاب.

إنّ المحنة الحقيقية التي وقع فيها بوئيتيوس تهيّئ السياق لطرح حججه؛ فيصوّر نفسه كشخص وقع فريسة للاضطراب والاكتئاب لما حلّ به من سوء الحظّ، والمهمّة الأولى للفلسفة أن تعزّيه، لا بإبداء التعاطف معه، بل بأن تثبت له بأنّه لا يمتلك سببًا وجيهًا للشكوى: إذ ترغب أن تجعله يفهم، باستخدام المحاججة، أنّ السعادة الحقيقية لا تتضرّر حتّى في ظلّ كارثة كالتي يعانيها؛ بل إنّها تتوسّع في هدفها في الفصل الأوّل من الكتاب، فتسعى لتثبت أنّ الطالح يزدهر والصالح يُضطَهد، كما تدّعي شخصية بوئيتيوس.

ويبدو أنّ الفلسفة تعتمد مسارين في المحاججة لإقناع بوئيتيوس بأنّ محنته لا تبعده عن السعادة الحقيقية؛ والمسار الأوّل منهما يعتمد على رؤية (معقّدة) للخير الأسمى (يظهر هذا المسار في الفصل الثاني والقسم الأوّل من الفصل الثالث)، وهو يميّز بين المنافع الزخرفية للحظّ (الثروة والمنزلة الاجتماعية والسلطة والمتعة الحسّية) وبين المنافع الحقيقية (الفضائل والكفاية، وهو ما يرغب به في الحقيقة من يسعون خلف الثروة والمنزلة الاجتماعية والسلطة). وتحدّد الفلسفة بعض المنافع غير الزخرفية للحظّ، كالأسرة والأصدقاء، وذلك لأنّها تحتوي قيمة أصيلة كبيرة. وعلى أساس هذا التمييز يمكن للفلسفة أن تحاجج بأنّ بوئيتيوس لم يفقد أيّة منافع حقيقية، وأنّه لا يزال محتفظًا بمنافع للحظّ ذات قيمة حقيقية كبيرة (أسرته). وهي لا تصرّ على أنّه لم يفقد أيّ شيء ذا قيمة عندما هوى من موقعه كرجل يتمتّع بالسلطة والثراء والمنزلة الاجتماعية المحترمة إلى موقعه كسجين مدان؛ بل تريد أن تبيّن له أنّ خسارته لا تلزمه بالانقطاع عن السعادة الحقيقية، لأنّ بلوغ السعادة الحقيقية يتمّ في الأساس بعيش حياة متقشّفة تقوم على الكفاية والفضيلة والحكمة.

أمّا المسار الحجاجي الثاني فيقوم على رؤية (بسيطة) عن الخير الأسمى؛ وتبدأ الشخصية الممثّلة للفلسفة بتقديمه في القسم العاشر من الفصل الثالث، وذلك في نقطة تحوّل في المناقشة سبقتها أكثر القصائد رزانة في الكتاب كلّه (3.م9)، وهي دعاء للإله بمصطلحات مستمدّة من (محاورة طيماوس) لأفلاطون. وبواسطة عدد من الحجج المستفيضة في عواقب افتراضات الأفلاطونية المحدثة التي يقبلها بوئيتيوس، تبيّن الفلسفة أنّ الخير الكامل والسعادة الكاملة هي ليست (في) الإله وحسب، بل (هي) الإله؛ وعليه: فإن السعادة الكاملة لا تتأثّر على الإطلاق بما يحدث من تغيّرات للحظّ في الدنيا، مهما كانت هذه التغيّرات مدمّرة. لكنّ المقاربة الثانية تفشل في شرح كيفية العلاقة بين الفرد البشري، من أمثال بوئيتيوس، بالسعادة الكاملة التي هي الإله. ويبدو هنا أنّ الفلسفة تتحدّث كما لو أنّ مجرّد (العلم) بأنّ الإله هو السعادة الكاملة تجعل بوئيتيوس نفسه سعيدًا، على الرغم ممّا يبدو من القسم الذي يليه، وهو بأنّ العمل بشكل جيّد هو ما يحقّق الإنسان الخير من خلاله.

ثمّ تواصل الفلسفة حديثها في القسمين (11-12) من الفصل الثالث في شرح كيفية إدارة الإله للكون؛ فتقول بأنّه يقوم بذلك بأن يتصرّف كعلّة نهائية؛ فهو الخير الذي ترغب به كلّ الأشياء، ولذلك فهو يعمل كـ"مِقوَد ودفّة، يبقي نسيج العالم في حالة مستقرّة ويبعده عن الفساد"؛ وبهذا فهي تصوّر لنا إلهًا لا يتدخّل على الإطلاق، مترأسًا لكون جيّد التنظيم، وجودة التنظيم هذه تتأتّى من وجود الإله وحسب. ولكن كيف يتّسق هذا التفسير مع ما يظهر أنّه يحدث في الواقع من ازدهار الطالع واضطهاد الصالح، والذي بدأ بوئيتيوس كتابه بالشكوى منه؟ في الأقسام (1-4) من الفصل الرابع تبيّن الفلسفة، بالاستناد إلى محاورة (جورجياس) لأفلاطون أنّ الشرّ لا يزدهر في الحقيقة، وأنّه لا حول له ولا قوّة في واقع الأمر. وتتمحور حجّتها في ذلك حول نقطة مفادها أنّ ما يريده الجميع هو السعادة، والسعادة والخير أمر واحد؛ وعليه: فإن الإنسان الخيّر الصالح قد حقّق السعادة، أمّا الشرّير فلم ينلها؛ وبما أنّ للناس القدرة على اكتساب أو تحقيق ما يريدون فإنّ الشرّير ليس له هذه القوّة. وتحاجج أيضًا بأنّ الخيّر يحصل على مكافأته تلقائيًا لأنّه يحقّق الخير، وهو السعادة، لكونه خيّرًا؛ وفي المقابل: بما أنّ الشرّ ليس سوى الحرمان من الوجود، فإنّ من يكون شرّيرًا يعاقب نفسه، لأنّه يتوقّف حتّى عن الوجود، أي: ينقطع عن كونه الشيء الذي كان عليه (أي: كونه إنسانًا)، ويتحوّل إلى حيوان آخر أدنى شأنًا. ومن هنا فإنّ الفلسفة قادرة حتمًا على تقديم اثنين من الادّعاءات الأكثر مخالفة للبديهة بالمقارنة مع ما ورد من ادّعاءات في محاورة جورجياس، وهما: أنّ الشرّير يصبح أسعد عند منعه من الشرّ ومعاقبته عليه، وذلك بالمقارنة مع حاله حين ممارسته للشرّ آمنًا من العقوبة، وأنّ من يمارسون الظلم أتعس ممّن يعانون بسببه.

وعلى الرغم ممّا سبق، نجد في بداية القسم الخامس من الفصل الرابع تغيّرا آخر في وجهة المحاججة، إذ يسمح بوئيتيوس للشخصية التي تمثّله بأن تطرح الاعتراضات البسيطة التي يقتضيها الفهم السليم إزاء الموقف الذي اتّخذته الفلسفة، فتتساءل: "من ذا العاقل الذي يفضّل أن يكون معدمًا منفيًّا ذليلًا على أن يعيش في مدينته متمتّعًا بالازدهار والثراء والاحترام والسلطة؟"، فتجيبه الفلسفة متخلّيةً تمامًا عن التفسير الذي طوّرته بدءًا من القسم الحادي عشر للفصل الثالث وما تلاه، والذي قدّمت فيه الإله باعتباره علّة نهائية لا تتدخّل، وقدّمت بدلًا عنه رؤية عن الإله باعتباره العلّة الفاعلة في كلّ شيء. والعناية الإلهية هي الرؤية الموحّدة في ذهن الإله عن مسار الأحداث، والتي تسمّى "القدر" عند بسطها في مسار الزمن، وكلّ ما يحدث على الأرض هو جزء من العناية الإلهية. وعندما ننظر للتغّير الحاصل في محاججة الفلسفة قد يبدو للوهلة الأولى وكأنّه يعسّر الإجابة على الاعتراضات البديهية التي أدلى بها بوئيتيوس عوضًا عن تسهيلها، لكنّ ما حدث فعلًا هو أنّ الفلسفة نظرت إليها كاعتراضات سهلة الإجابة إلى حدّ الاكتفاء بتفسير الأمر من خلال القول: إنّ الثواب والعقاب الظالم ظاهريًا في الدنيا يخدم على الدوام هدفًا خيّرًا وإن خفي عن الأعين؛ وعلى سبيل المثال: ابتلاء الأخيار لزيادة فضائلهم، ومساعدة الأشرار على التوبة أو على تدمير أنفسهم. وهنالك مشكلة أقلّ وضوحًا تعتري هذه المقاربة الجديدة، وهي أنّها تبدو كأنّها توحي بأنّ الإرادة البشرية محدّدة مسبقًا بواسطة العلّية. وبخلاف الكثير من الفلاسفة المحدثين، كان بوئيتيوس لا يعتقد بأنّ الإرادة تستطيع البقاء على حرّيتها، بالمعنى اللازم لعزو المسؤولية الأخلاقية، إذا كانت محدّدة مسبقًا بواسطة العلّية. وعلاوة على ذلك، تصرّ الفلسفة في الكتاب على أنّ سلسلة العلّية التابعة للعناية الإلهية، على النحو الذي تطبّق فيه من خلال القدر، تتضمّن كلّ ما يحدث. وعندما يسأل بوئيتيوس في الفصل الخامس (ق1) عن الصدفة، تفسّرها الفلسفة بأنّه يقال عن الحدث بأنّه صدفة إذا كان ناتجًا عن سلسلة من العلل غير مقصودة أو غير متوقّعة، كما هو الحال عندما يجد أحدهم كنزًا دفينًا وهو يحرث أرضه لزراعة الخضار. وتحلّ الفلسفة الإشكال بأن تحاجج في الفصل الخامس (ق2) بأنّ الأفعال العقلانية للإرادة الواعية، وبخلاف كلّ الأحداث الخارجية، لا تنتمي لسلسلة العلّية التابعة للقدر. لكنّ هذه الحرّية لا يمكن التمتّع بها إلّا من خلال "الجواهر الإلهية والعلوية" ومن قبل بشر يمارسون التفكّر في الإله؛ وهي تتضاءل وتضيع عندما يولي الناس اهتمامهم للأشياء الدنيوية ويسمحوا للرغبات بأن تزيحهم عنها.

· عن موقع حكمة