عزاء الفلسفة لبوئثيوس..  وحده الإنسان من بوسعه أن يرفع رأسه

عزاء الفلسفة لبوئثيوس.. وحده الإنسان من بوسعه أن يرفع رأسه

علي حسين

لا تزال الفلسفة تقدم نفسها كطريقة لتحقيق الاستقلال والحرية والانسجام الداخلي، تلك الحالة التي تعتمد فيها الذات على نفسها، ونحن نصادف هذه الثيمة عند سقراط وعند الرواقيين الذين يؤمنون بقدرة النفس البشرية على تحرير نفسها من كل شيء غريب عنها. في تاريخ الفلسفة نجد القليل من الفلاسفة الذين وهبوا حياتهم لتأمل الحياة، يسمون انفسهم فلاسفة.

وكان الروماني " بوئثيوس " يرفض ان يسمى فيلسوفا، فهو على حد تعبير فولتير " طبيب نفوس ". تبدو مهمة الفلسفة عند بوئثيوس في الدعوة إلى الكلام الصريح، والكشف عما يدور بخاطرك: " إذا اردت ان يفحصك الطبيب، فعليك ان تُعرب عن جرحك " – عزاء الفلسفة ترجمة عادل مصطفى -

يواجه بوئثيوس الفلسفة وقد حكم عليه بالموت في مشهد يذكرنا بحوار سقراط مع تلامذته قبل تنفيذ حكم الموت عليه.. فهو فقد ثروته وحريته وتزوره الفلسفة مجسدة بهيئة امراة لتطلب منه ان يحتمي بقوته الذاتية وان يتخذ من الفلسفة عزاء للنفس. وتخبره بان عليه ان يسعى لاستخدام اسلحته في مواجهة مصيره: " ألست أنت من أرضعته يوما من لبني وأطعمته من طعامي إلى أن بلغ أشده؟ لقد منحتك أسلحة كفيلة بأن تحميك وتذود عنك ولكنك ألقيت بها بعيدا؟ ألا تعرفني؟ لماذا أنت صامت؟ هل أصمتك الخجل أم أسكتك الذهول؟ كنت أود أن يكون الخجل، ولكن الذهول فيما أرى هو الذي يتملّكك". – عزاء الفلسفة ترجمة عادل مصطفى –.

يتساءل أرسطو: ما هي مهمة الفلسفة؟ ولماذا كان بلوغ الحكمة هو غايتنا القصوى؟، فياتي الجواب من بوئثيوس: انها الرغبة في الخير الأسمى، والوصول إلى السعادة الخالصة.

تسعى الفلسفة الى طمأنة " بوئثيوس" وهو في زنزانته، بانها لن تتخلى عنه وستقاسمه عناءه في مواجهة الظلم الذي تعرض له، وتذكره بانها ساندت سقراط لكي ينتصر على الموت. وعلى مدى تاريخها واجهت قوى الشر التي تهدد الانسان، ولم تتراجع او ترتعد خوفا، فهي على استعداد دوما للوقوف ضد قوى الغباء.

تذكر الفلسفة ابنها " بوئثيوس " بان طريق السعادة الحقيقي، ينبع من التأمل لا من الشهرة او الحظ او الرغبات، فالفلسفة مهمتها ان يمتلك الانسان الارادة الحرة، وان يتمكن من اتخاذ خيارات اصيلة.. ولهذا فان اي فعل عقلي لن يكتب له النجاح من دون الارادة الحرة. لكن في عالم تحكمه ارادة الإله هل يملك الانسان القدرة على اتخاذ خياراته بنفسه؟ وتجيب الفلسفة ان الارادة الحرة تعني الخير، وان الله يساعدنا على تدبير كل الاشياء بالخير.

كان " بوئثيوس" الذي يُعرف بوصفه اخر الفلاسفة الرومان واول فلاسفة اللاهوت في القرون الوسطى، فيلسوفا بالغ الاهمية، بدء دراسته للفلسفة بترجمة اعمال افلاطون وارسطو الى اللاتينية، وهو ما ساهم في الحفاظ عليها ويعد كتابه " عزاء الفلسفة " من اهم الكتب في العصور الوسطى، وحظي بشهرة كبيرة حتى ان ملكة بريطانيا اليزابيث الاولى ترجمت الكتاب عام 1593: " ويزعم انها فعلت ذلك في اربع وعشرين ساعة ويقول بعض الناس: بل سبع وعشرين ساعة " – الفلاسفة الموتى سايمون كريتشلي ترجمة ابراهيم الكلثم ــ.

لكي نفهم كيف امكن للفلسفة أن تكون عزاءً، فربما يلزمنا النظر الى " بوئثيوس" على انه وريث التصور العريق للفلسفة باعتبارها رياضة روحية، فهي تسعى لانتشالنا من الظلمات ومن العمى لتكشف النور الحقيقي، وتعليم النفس ان " ما تباشره في الخارج تملكه سرا في ذاتها ". ولهذا سخر الفلسفة وهي تواجه بوئثيوس، من الذين يبحثون عن السعادة خارج نفوسهم، فالسعادة كامنة في كل انسان: " دعني أوجز لك سر السعادة الخالصة: هل هناك ما هو أغلى عندك من نفسك؟ ستقول لا، إذن إذا كنت سيدَ نفسك فأنت تملك شيئا لا تود أن تفقده على الإطلاق، ولا يستطيع الحظ أن يَسلِبك إياه، إن السعادة لا يمكن أن تعتمد على أشياء خاضعة للمصادفة " - عزاء الفلسفة -.

ظلت الفلسفة الرواقية فعلا مستمرا ومتوحدا مع الحياة، التي يجب ان تتجدد كل لحظة، وكان هدف الفلسفة ان تطوع ارادة الفرد مع العقل وهذا يحتاج الى تامل مكثف ووعي متجدد. وان نعيش في الحاضر، فهو وحده الذي يحقق السعادة وهو الواقع الوحيد الذي ننتمي اليه.

يأتي عمل بوئثيوس، تتويجا لارواح اساتذته من افلاطون وارسطو، فقد حاول التوفيق بين قوة روح ارسطو ودقتها، وبين التأمل والخيال اللذين التسم بهما افلاطون، وكان الاقرب لوعي الناس وهمومهم، ومن الصعب ادراك اهمية ان ينقذ مجتمعه من ان تغتصبه الرذيلة والجهالة، وقد تتبع خلال كتاباته درب الفيلسوف افلاطون في معرفة مثال الخير وصولا الى معرفة مثال الله.

اذا كان صحيحاً ان بوئثيوس مات وفي ذهنه مسألتان العدل والخير، كما قال احد تلامذته، فلا شك انه مات رجلاً حزينا، فقد غدرت الحياة باحلامه، في انتظار الموت ستخبره الفلسفة انه عندما تعاكس الحياة الانسان، فهي تخدمه، لان الحياة تخدعنا حين تعطينا وهم السعادة، لكن عندما تخلع الحياة قناعها وتكشف لنا عن مدى غدر الزمان، حينها نكون قد تعلمنا درسا، إذ تعلمنا ظروف الحياة مدى هشاشة السعادة التي توفرها لنا الثروة، والشهرة، وتكشف عن خذلان الاصدقاء، مما يجعل الفلسفة تنبهه ان لا يخضع لاحكام الحظ: " إنك إذا أسلمت شراعك للريح فستدفع بقاربك إلى حيث تشاء هي لا إلى حيث تشاء أنت، وإذا أنت أودعت بذورك الأرض فسوف توازن ما بين سنوات الرخاء وسنوات القحط، وما دمت الآن قد أسلمت نفسك للحظ فعليك أن تخضع لأحكامه، أتريد حقا أن توقِف دولاب الحظ عن الدوران؟ ألا تعلم، يا أشد الفانين حمقا، أن الحظ إذا بدأ في التوقف لا يعود حظًّا؟ " – عزاء الفلسفة -.

كان في التاسعة من عمره حين تلقى " أنيسيوس مانليوس توراكواتوس بوئثيوس " المولود في روما عام 480 ميلادية اول امتحان حقيقي في حياته، فقد توفي والده تاركا له ثروة كبيرة، كانت اسرته واحدة من اشهر الاسر الاستقراطية اعتنقت المسيحية قبل ميلاده بمئة عام، عين والده قنصلا في عهد الملك أودويسير، وعندما توفى تولى تربيته احد اقاربه " كوينتس أوريليوس سيماخوس " الذي عين حاكما لمدينة روما ورئيسا لمجلس الشيوخ، وكان محبا للادب والفلسفة، وقد سعى لتعليم بوئثيوس اللغة اليونانية، درس الهندسة والمنطق والرياضيات، وقد استرعى ذكاءه انتباه الوصي على تربيته، فقدمه الى الملك تيودوريكوس، الذي قربه إليه وعهد إليه ببناء ساعة مائية ومزولة واستعان به في أمور فنية أخرى، وفي عام 501 عين بوئثيوس بمنصب قنصل، وارتقى ليصبح رئيسا للديوان.

يُعد " بوئثيوس " من سلالة الفلاسفة الذين حاولوا ايجاد توازن بين الحياة السياسية والحياة التأملية على الرغم من هذه المناصب السياسية الرفيعة التي حصل عليها إلا ان الشغف بالفلسفة كان يسيطر على حياته، ونراه يقضي الليل في ترجمة كتب الفلسفة اليونانية: " أود أن أترجم أعمال أرسطو كلها، بقدر ما تتوافر لدي، إلى لغة الرومان،، كل ما سطره أرسطو في الفن العسير للمنطق، وفي المجال المهم للخبرة الأخلاقية، وفي الفهم الدقيق للموضوعات الطبيعية، سوف أترجمه على النحو الصحيح، وفضلًا عن ذلك فسوف أجعل كل هذا مفهومًا بتزويده بشروحٍ مُفسِّرة، وأود أيضا بالتأكيد أن أترجم كل محاورات أفلاطون، وأشرحها بالمثل، وأعرضها بذلك في صيغة لاتينية، وبعد أن أفرغ من ذلك لن أتردد في إثبات أن أفكار كل من أرسطو وأفلاطون متوافقة في كل النواحي، وأنها ليست متناقضة فيما بينها كما يُفترَض على نطاقٍ واسع، وسوف أبين كذلك أنها تتفق فيما بينها في النقاط الحاسمة فلسفيًّا، هذه هي المهمة التي سأكرس لها نفسي بقدر ما يتيح لي الأجل والفراغ " – عزاء الفلسفة–.

تُسير حياة " بوئثيوس " منتظمة ما بين الفلسفة والعمل السياسي، ونراه في مواقف حادا بانتقاد جشع بعض السياسيين، وكان يرثي دائما لاحوال سكان الولايات الذين يعانون من الفقر، واستخدم سلطته في كبح جماح بعض موظفي القصر الذين كانوا يستنزفون ثروات البلاد، وكان يمتلك الشجاعة في مواجهة كبار رجال الدولة رافضا الغزوات الرومانية التي كانت في نظره تثير جشع قادة الجيش، وكثيرا ما قدمت شكاوى ضده تتهمه بالاساءة الى سمعة رومانيا وسعى رجال البلاط للتخلص منه، وجاءت الفرصة عندما وجه الاتهام لاحد اعضاء مجلس الشيخ وكان اسمه " ألبينوس" بانه يسعى للتامر على الحكم، ولان " بوئثيوس " يعرف اخلاص " ألبينوس" لروما، وان الاتهام باطل وملفق، فقد وقف داخل قاعة مجلس الشيوخ ليعلن: " إذا كان ألبينوس مجرما، فانا واعضاء المجلس نعتبر مذنبين لأننا اقترفنا الذنب نفسه، واذا كنا بريئين فان من حق ألبينوس ان تحميه القوانين ". وسرعان ما اعتبر بوئثيوس شريكا في المؤامرة، فتم القاء القبض عليه، وصدر قرار من مجلس الشيخ بالحكم عليه بالاعدام، واودع في احدى سجون مدينة بافيا لمدة ستة اشهر تعرض فيها لشتى انواع التعذيب لينفذ به حكم الاعدام في التاسع من ايلول عام 524 ميلادية، وقد تسلمت عائلته جثمانه حيث دفن في كنيسة سان بييترو.

في انتظار تنفيذ حكم الاعدام قام بوئثيوس بكتابة " عزاء الفلسفة "، ورغم ان الكتاب مليء باستشهادات فلسفية إلا ان ما اثار اعجاب فولتير وهو يعيد قراءته اكثر من مرة ان " عزاء الفلسفة " كتب دون اللجوء الى أية مكتبة، ورغم ان الكتاب يستند على مقولات لارسطو وافلاطون واشارات الى هوميروس، فان الفيلسوف الفرنسي باسكال اعتبره وثيقة مهمة للدفاع عن الايمان، كان بوئثيوس قد كتب العديد من الكتب إلا ان شهرته ظلت مرافقة لكتابه " عزاء الفلسفة " حيث حظي باهتمام فلاسفة القرون الوسطى والنهضة، وكان من اكثر الكتب قراءة في التراث الفلسفي وسيقوم الفيلسوف الالماني " لايبنتز" بتقديم نسخة ملخصة منه في الالمانية، ويتعدى تاثيره محيط الفلاسفة ليصل الى دانتي الذي يحيي بوئثيوس في القصيدة العاشرة من الفردوس:

" في مرأى كل خير تتنعم

نفس مقدسة تُري لمن يريد

ان يسمعها ان العالم خادع " – الكوميديا الالهية ترجمة حسن عثمان -.

في السجن وجد" بوئثيوس " نفسه في مواجهة الشر دون ان تتمكن معارفه وفلسفته في مساعدته، فالفلسفة اصبحت بالنسبة اليه منتهية الصلاحية، لكن الشعر ليس كذلك، فاستنجد بربات الشعر. كان " بوئثيوس " في الرابعة والاربعين من عمره يواجه اعتى اعصار، غضب الملك وحكم الاعدام الذي اصدره مجلس الشيوخ، وتخلي الناس عنه، الجميع ينظر اليه باعتباره رجلا شريرا وغريبا، ادعوا ان طامع في السلطة، وجزموا ان الواجب معاقبته، وقتله. ووسط كل هذه المحن وجد نفسه مضطرا الى كتابة الشعر الحزين: "

" انظر كيف تُملي عليَّ ربات الشعر المعذَّبات،

وكيف تستدر دموعي بغنائها الباكي

لم تتورع قطُّ عن مرافقتي في محنتي ولم تتخل عني ".

وبينما هو يشكو من مصيرة المؤلم، ووسط مناجاته لنفسه ينتبه لصوت امراة تقاطعه: " امرأةٍ جليلة المظهر تقف أمامي، عيونها وهاجةٌ نافذة بقدر يتجاوز القوة البشرية المعتادة، كانت مثقلة بالسنين بحيث يتعذر أن أتصورها من زمننا، فتارة تبدو في حجم البشر العادي، وطورا تتسامق حتى تطاول عنان السماء برأسها " – عزاء الفلسفة –. يكتب جون غرايش ان المراة في عزاء الفلسفة: " تؤدي دور بياتريس في الكوميديا الالهية عند دانتي وتساعده على صعود كل مراحل الارتقاء الروحي، سُلم بعد سُلم، الذي يوفر له العزاء والانعتاق والشفاء " - العيش بالتفلسف ترجمة محمد شوقي الزين -.

كانت المرأة التي ظهرت له تحمل في يدها اليمنى لفافة مكتوبة من الورق، وفي اليسرى صولجانا يمثل مجدها وسلطانها يوم كانت أم العلوم.

غضبت – المرأة.. الفلسفة -، حين شاهدت احد ابنائها بوئثيوس يستنجد بالشعر ويدير ظهره للفلسفة لتصرخ: " من الذي سمح لهؤلاء البغايا الهستيريات بالاقتراب من فراش هذا المريض؟ فليس لديهن علاج لأوجاعه بل سموم محلاة تزيدها سوءا، فهؤلاء من يطمسن ثمرات العقل بأشواك العاطفة العقيمة، ويوطن عقول الناس على الكرب بدلًا من أن يحررنهم منه، فلو أن من توقعن في حبائلكن، كدأبكن دائمًا، هو رجل من سواد الناس، لما كنت أعبأ بذلك فما كان ليضيرني شيئا، أما هذا الرجل فقد نشأ على دراسة الإيليين والأكاديميين، إنما أنتن سيرينات تهلكن من يقع في غوايتكن، اغربن إذن واتركنه لربات الفلسفة ترعاه وتداويه." – عزاء الفلسفة–.

تقرر الفلسفة أن تستبدل هذه الاشعار بافكارها القادرة على معالجة المريض وشفاءه: " عندما وجدتني صامتا، بل ملبسا غير قادر على النطق، وضعت يدها برفق على صدري وقالت: لا خطر، إنه يعاني من النسيان او الوهن ". لقد نسى " بوئثيوس " نفسه واصبح عقله ضالا، ولكي تبدد ذلك ستخلصه من فقدان الذاكرة، فبسبب العذاب والسجن لم يعد " بوئثيوس " يعرف من هو بالضبط، ولهذا تبدأ الفلسفة اولا بتعريف نفسها، وثانيا بتذكيره بالسلسلة الطويلة من الفلاسفة الذين قتلوا في سبيل الحق، من سقراط الى سينيكا، وتنبهه انها خاضت معارك كبيرةٍ ضد قوى الغباء الطائشة، وكافحت وقاومت، وفي كل مرة تبتكر وسائل جديدة للانتصار على الحمقى. تطلب الفلسفة من " بوئثيوس " ان يقوم بتغيير جذري في النظرة الى حياته، بدلا من ان يرى نفسه ضحية، عليه ان يعي انه اختار طريفه بحرية. تطلب منه ان يتذكر موطنه الحقيقي: " غير ان في حقيقة الامر لم تنف بعيدا عن وطنك، بل انت الذب ظللت بعيدا عن نفسك " –عزاء الفلسفة –، وعندما يندب بوئثيوس حظه من فقدان العدالة في العالم، حيث غالبا ما يزدهر الاشرار، ويعاني الاخيار والفاضلون، ترد الفلسفة بصرامة ان الفاضلين هم من يكافؤون في النهاية لانهم يمتلكون القدرة على الاستحصال على السعادة الاصيلة، وذلك عبر سعيهم للخير. اما الاشرار فيتراءى لهم انهم منتصرون، لكنهم في الواقع اصبحوا في درجة دنيا من الانسانية بسبب تخليهم عن عقولهم. يستمع " بوئثيوس " الى مرافعة الفلسفة عن الخير والشر، ويبدا بالدفاع عن نفسه، ليخبرها ان انخراطه بالسياسة كان من اجل الرغبة في تفادي " ان تشيخ الفضيلة وهي خاملة الذكر "، وتعترف الفلسفة بمشروعية الرغبة في المجد والشهرة بما يحققه الانسان من خدمات نبيلة للدولة، لكنها تقلل من شانها بالاشارة الى هشاشة وتفاهة هذا الحافز.. وياخذ العلاج الذي تقدمه – المراة.. الفلسفة – منحى افلاطونيا " البحث عن السعادة هو البحث عن ان تكون واحدا "، وتنبهه الى ان الرغبة في الخير الحقيقي هي شيء متأصل في نفوس البشر، وما يجعلهم يتيهون عن هذا الهدف هو السير في الدروب الضالة سعيا وراء خير زائف.. وعندما تكتشف الفلسفة ان " بوئثيوس " بدأ يعرف طريق الشفاء واخذ ينخرط في حوار فلسفي فعلي، تهنئه على التقدم الملحوظ الذي احرزه: " كم انا سعيدة يا بني لانك قبضت على جُمع الحقيقة. بذلك تكون قد انكشفت لك ما كنت تقول منذ قليل انك لا تعرفه ". وهكذا يبدأ بوئثيوس بالاستعداد الآن لقبول برهان العناية الالهية القائل ان الله يدبر الاشياء الموجودة كلها بوازع الخير. وحين يحدثها عن الاشرار الذين غدرو به وان الشر يمضي من دون عقاب تخبره ان الاشرار هم من يستحقون الشفقة اكثر من ضحايتا شرورهم. فهم في حاجة الى شفاء من خبثهم اكثر من غيرهم. تختتم الفلسفة مرافعتها بان تحث ابنها بوئثيوس للسير نحو الفضيلة، لانه يعيش تحت عين قاضٍ يرى ويعلم كل شيء من موقعه خارج الزمان.. وهكذا تسير رحلة بوئثيوس في دروب الفلسفة ليتوصل في النهاية الى طريق الخير الحقيقي وصولا الى معرفة الله معرفة عقلية وروحية.

استطاع بوئثيوس ان يجمع في كتابه " عزاء الفلسفة " بين الشعر والبلاغة ونفائس الفلاسفة والمنطق. وسيصبح كتابه انجيلا لفلسفة العصور الوسطى حيث وجدت فيها إيمانها، والمبرر الفلسفي لهذا الإيمان..هكذا قدم لنا بوئثيوس في كتابه " عزاء الفلسفة دفاعا شديد الاهمية عن العقل البشري في مواجهة الظلم والشر الذي يحيط بالبشر، والاهم انه يمنحنا دروسا عن التواضع المعرفي.