عزاء الفلسفة

عزاء الفلسفة

د. عادل مصطفى

لا يَذهب بمصابِكَ مثل أن تعلو فوقَه

وتقتله رصدًا وبحثًا وفَهمًا

ثم تَشربَ في جمجمتِه العِبرة.

الكتابةُ أثناء العَد التنازلي للأجَل المحتوم … هي كتابةٌ أخرى.

الغِناء على إيقاع خطوات الموت الحثيثة المقتربة … هو غناءٌ مختلف.

الإبداع بين شِدْقَي الموت هو إبداعٌ استثنائيٌّ يَمتح من نبع الحقيقة الخالصة؛ لأنه يأتي من برزخٍ سحيقٍ، وينظر من وراء "مسافةٍ نفسيةٍ" هائلةٍ، فيرى الأشياء بحجمها الحقيقي إذ تختفي الصغائر ولا يعود منظورًا من المعاني إلا كلُّ ما له ثقلٌ وحجمٌ ومقدار.

هكذا كان سِفْر "عزاء الفلسفة" الذي سطره بوئثيوس١ في زنزانته خلال الأشهر التي سبقت تنفيذ الحكم بإعدامه عام ٥٢٤م.

هذا النص الذي بين يدَيك كان أكثر النصوص رواجًا في أوروبا، بعد الكتاب المقدس، طوال العصر الوسيط وعصر النهضة،٢ وحَظِي من الترجمات والتعليقات بما لم يحظَ به أيُّ كتابٍ آخر، واضطلع بترجمته شخصياتٌ راجحةٌ في ميزان التاريخ، ويكفي أن نقول إن من بين مترجميه الملك ألفرد الأكبر، والشاعر جيفري تشوسر، والملكة إليزابيث الأولى.

عندما نُفِي دانتي أليجييري من فلورنسة رجع إلى كتاب "عزاء الفلسفة" واستَلْهَمَه في كتابة تحفته الخالدة "الكوميديا الإلهية". ولقد وجد العزاء في "العزاء"، ولولاه لانتَحَر مثلما فعل بير دل فينيي، الذي لقيه دانتي في "الجحيم"، وكان أيضًا قد اتُّهم ظلمًا غير أنه استسلم لليأس وبَخَع نفسه، وعندما قابل دانتي روح بوئثيوس في "الفردوس" قال عنه إنه أتى:

إلى هذا السلام …

من المنفى والشهادة.

الكوميديا الإلهية، الفردوس ١٠، ١٢٨-١٢٩

الكتابة الرومانية

هذا العمل الكلاسيكي من أدب السجون يحمل كلَّ ملامح الكتابات الفلسفية الرومانية الكبرى، وقد صاغه المؤلف في هيئة حوارٍ بين السجين "بوئثيوس" والسيدة "الفلسفة"،٣ فكان نموذجًا للميسم الروماني الفَذِّ في دمج الطلاوة الأدبية بالفلسفة التكنيكية، فإذا كانت الفلسفة اليونانية أكاديميةً نظريةً في مجملها، فإنها حين غُرست في روما صارت منهج حياة (هكذا كانت الرواقية على سبيل المثال)، وكثيرًا ما يقال: إنَّ الفلسفة في روما كانت فلسفةً تلفيقية غير أصيلة، ولعل الأصوب أن نقول: إنَّ العنصر الروماني الأصيل هو صياغة الفلسفة في أشكالٍ يمكن أن تتعامل تعاملًا مُجديًا مع المشكلات الإنسانية اليومية الخطيرة والدائمة.٤

قدرُ المفكرين

لا عجب أن يُنفَى الفلاسفة ويُعذَّبوا ويُقتَّلوا وتتقاذفهم العواصف الهوجاء؛ فقدرُ المفكرين أن يُصطدموا بقوى الشر؛ لأن تفكيرهم مختلفٌ عن تفكير العوام، ولأن مِن عملهم أن يقاوموا الأشرار ويكشفوا زيفهم. إنها "متاعب المهنة"، وعلى الفيلسوف، ومن طبيعة عمله، أن يتحملها بشجاعة، ويُروض نفسَه على معانقة مصيره وحُبِّ قَدَره، وأن يقهر في نفسه خشية الموت، وألا تفتنه السراء ولا الضراء. وإن الفلسفة، بعدُ، لتحمل في ذاتها الترياق والعزاء والسلوى.

لم تكن السلطة ولا الشهرة ولا الجاه ولا المنصب هو ما يطمع فيه بوئثيوس يوم أن زاول السياسة؛ فالفلسفة لا تترك في قلب مُرِيدها مكانًا لمَطْمَع، إنما دخل بوئثيوس معترك السياسة حرصًا على الصالح العام، ولكي يطبق في السياسة العامة ما تعلَّمه في درس الفلسفة، استجابةً لدعوة أفلاطون بأن يُزاول الحكماء السياسة حتى لا تُترك دفة الحكم لأيدي الجُهال والمجرمين فيُلحِقوا الدمار والخراب بالمواطنين الصالحين.

مارس الفيلسوف سلطته لحماية المستضعفين وكفِّ الظلم والعسف والبطش. زاول الفيلسوف السياسة فكان المآل الطبيعي أن يثير عليه سخط الساسة غير الفلاسفة، وأن يجلب على نفسه العداوات والأحقاد، وتُوقعه المكائد في فخاخها فيُحكم عليه بالنفي والموت، وها هو يندب حظه، ويبدي دهشته من أن يُتاحَ للشرير أن ينال غَرَضه من البريء على مرأى من الله ومسمع، وينوِّع على اللحن الأزلي "إذا كان الله موجودًا فمن أين يأتي الشر؟!" ويصعِّد إلى السماء زفرةً تشفع حرارتها لجرأتها: "أنتَ يا مَن تُمسك بزمام كل شيء، انظر من فوق إلى بؤس الأرض؛ فالبشر ليسوا جزءًا هينًا من هذا العمل العظيم، البشر تتقاذفهم أمواج القضاء، أوقِف، أيها الهادي، الطوفان الجارف، ومثلما تُوثِق السماء اللانهائية بوثاقٍ يحكمها، أوثق أصقاع الأرض وثبتها بوثاقٍ مثله."

معنى " الوطن"

لم تتأثر "الفلسفة" بهذه الحسرات الطويلة، بل قالت بهدوء وثبات: "إن شئت أن تَعُدَّ نفسك منفيًّا فأنت الذي نفيت نفسك!" أي نفيٍ تتحدث عنه؟ أنسيت وطنَك الحقيقي؟ أنسيت أن وطنك لا نفْيَ منه؟

ينقلنا ذلك إلى مفهوم "الوطن" كما يفهمه الرواقيون:٥ الوطن ليس جبلًا أو واديًا ألقت بي فيه اعتباطية المنشأ والميلاد ومسقط الرأس، الوطن فكرة … الوطن اختيار، الوطنُ وطن العقل … مملكةٌ تشمل في ظلها الناس جميعًا بما يجمعهم من قرابةٍ قائمةٍ على شرف انتسابهم إلى عقلٍ واحدٍ (بتعبير ماركوس أوريليوس)، إنه "مجتمعٌ عقليٌّ" أو إمبراطورية مثالية هي ما كان يعنيه بلوطرخس بقوله: "إن ما مهدت له فتوحات الإسكندر من طريق التاريخ قد أتمته الفلسفة من طريق العقل." إنه "جامعةٌ روحية" تحل فيها الوحدة العقلية محلَّ الوحدة السياسية.

الوطن ما يَقطُنُني لا ما أقطُنُه، "يبدو أنك نسيت القانون الأقدم لبلدك: إنه حقٌّ مقدسٌ لكل فردٍ اختار الإقامة فيه ألا يُنفى منه أبدًا؛ ومن ثم فلا وجه للخوف من النفي داخل أسواره وحِماه، ولكن أيما فردٍ يرغب عن العيش فيه يكون بنفس الدرجة قد فَقَد استحقاقه أن يكون هناك؛ لذا فإن هذا المكان لا يزعجني بقدر ما يزعجني منظرُك،٦ ولا ما أبحث عنه هو جدران مكتبتك المزينة بالزجاج والعاج، بل أبحث عن كرسي عقلك! ذلك هو المكان الذي أوْدَعتُ فيه يومًا لا كُتُبي بل الشيء الذي يجعل للكتب قيمةً … الفلسفة التي تحتويها الكتب، الأفكار التي تذخرها."٧

التشخيص

في بداية فحصها للمريض تسأله "الفلسفة": "هل تَذكر ما هي غاية الأشياء جميعًا، وما الهدف الذي تتجه إليه الطبيعة بأسرها؟" فلما وجدَته ناسيًا قالت: "فهل تعرف من أين أتت الأشياء جميعًا؟" قال: "نعم، من الله"، قالت: "فهل يجوزُ أن تعرف الأصلَ وتجهل الغاية؟!" ولكن الأهم من هذه الأسئلة الكونية، التي تؤسس الإطار لحياة الإنسان، هو أنها وجدَته ناسيًا من هو وما هو دوره كإنسان!

هكذا يأتي التشخيص قاطعًا كالسيف ثاقبًا كالرصاصة: النسيان٨ "فلأنك سادرٌ في نسيانك فقد رُحتَ تتحسر على أنك منفيٌّ ومجردٌ من ممتلكاتك، ولأنك لم تَعُد تعرف ما هي بالضبط غاية الأشياء، فقد حسبت أن التافهين والمجرمين أقوياء وسعداء، ولأنك نسيت الطرائق التي تُسَيِّر العالم فقد ظننت أن ضربات الحظ تتخبط هنا وهناك بغير ضابط." ومن التشخيص الصحيح يبدأ العلاج الصحيح، ومن الجذوة المتبقية من ذاكرته الخابية تكون الخطوة الأولى … "فما تزال لدينا الشرارة الكبرى لشفائك، وهي رأيك الصائب عن إدارة الكون، فأنت تؤمن أن الكون لا تحكمه المصادفة العشواء بل العقل الإلهي، إذن لا تخشَ شيئًا، فمن هذه الشرارة الضئيلة سوف ينبثق فيك وهج الحياة".

عجلة الحظ

لعلك تأسى على تَبَدُّل الأحوال وتغير الحظ، وعلى سقوطك من ذرى المنصب والثراء إلى حضيض اليأس والقنوط، فلتتعرف إذن على الأقنعة العديدة لهذا المسخ (الحظ) الذي يُغوي بالصحبة نفس الأشخاص الذين ينوي أن يخدعهم ويقلب لهم ظهر المجن، يخطئ من يظن أن الحظ قد أدار له ظهره، فالتغير هو جوهر الحظ وماهيته، والحظ في تقلبه وتبدله إنما هو حافظٌ لعهده وثابتٌ على مبدئه! وكل من ارتضى أن ينحني للحظ ويضع عنقه تحت نير الظروف الخارجية فإن عليه أن يتحمل النتائج، وأن يقبل أحكام اللعبة إذا اقتضته بعد الصعود إلى القمة أن يهبط إلى القاع، وأن يعلم أن الحظ إذا ثبت على حالٍ لا يعود حظًّا.

هذه إذن أحكام اللعبة، وفهمها، مجرد فهمها، يعفيك من أن تبتئس حيث لا ينبغي الابتئاس، فإذا كنت تَرهن سعادتك بعطايا الحظ فإنها لن تشفي حاجتك بل ستزيدها اشتعالًا، أما إن كنت غير أسيرٍ لها فإن فقدانها لن يسلبك أمنك ولن ينال من سعادتك.

التغير سُنَّة الطبيعة، ليس شقاءً إذن إلا ما تَعُدُّه أنت كذلك، وكل قدرٍ هو قدرٌ سعيدٌ ما دمت تتلقاه بثباتٍ ورباطة جأش، لماذا تبحثون عن السعادة خارج نفوسكم وهي كامنةٌ فيها؟ إذا كنت سيد نفسك فإن لديك من الثراء الداخلي ما لا يستطيع الحظ أن يسلبك إياه.

الثبات على التغير! … ذلك هو طبع الحظ ودأبه ودَيْدَنه.

فلتفرح إذن بأنك كشفت الوجه المتقلب لهذا الإله الأعمى، واهنأ بإحدى الراحتين، "فلقد تَخَلَّى عنك من لا يأمن له أحدٌ ولا يثق ببقائه إلى جانبه على الدوام … والحق أنك لو تَذَكرت طبعه وأساليبه ومزاياه لتبيَّنت أنك لم تُفِد منه ولم تخسر بفقدانه شيئًا ذا بال."

هكذا الفلسفة دائمًا، الفهم بردٌ وسلام … الفهم ترياق.

ليس عليك أن تُغيِّر ما لا قِبَل لك بتغييره، وبحسبك أن تفهمه!

الدروب الخطأ إلى الخير

تذهب "الفلسفة" إلى أن الرغبة في الخير الحقيقي هي شيءٌ متأصلٌ في نفوس البشر جميعًا، وما يَحيد بهم عن جادَّة الخير سوى الحمق والخطأ والسير في الدروب المُضلَّة إلى الخيرات الزائفة، إن الخير الأسمى، أو السعادة الخالصة، هي هدف البشر جميعًا، أخيارهم وأشرارهم على السواء، فأما الأخيار فيسعون إليه من الطريق الصحيح وبالنشاط الطبيعي وهو ممارسة فضائلهم، وأما الأشرار فيقصدون إلى الشيء نفسه ولكن من الطريق الخطأ … من خلال شهواتٍ ليست بالطريقة الصحيحة ولا الطبيعية لاكتساب الخير: الثروة، المنصب، الجاه، الشهرة، النفوذ، اللذة … إلخ، ومِن ثَمَّ فالأخيار أقوياء لأنهم يحققون الغاية، والأشرار عجزة لأنهم يُقصِّرون عنها، ولا يُغيِّر من الأمر أن الأخيار قد يُنفون ويضطهدون والأشرار قد يسودون بعض حينٍ ويزدهرون في الظاهر الكاذب.

· مقدمة الترجمة العربية لكتاب عزاء الفلسفة