في ذكرى بدر شاكر السياب السياب و... ليلى

في ذكرى بدر شاكر السياب السياب و... ليلى

د. علي حداد

(1)

ترسخ لـ (قيس وليلى) وجودهما حكاية عشق خالدة تمسكت بترديدها الذاكرة الجمعية العربية، جاعلة إياها مثالاً لهذه العاطفة النبيلة، لاسيما اسم المعشوقة (ليلى) الذي يجري استحضاره عند كل قصة حب، ليصير لكل عاشق أو مدعي عشق (ليلاه)، و(ليغني كل على ليلاه)، وذلك ما استلهمه الشعراء موضوعة غزل يتردد فيها اسم (ليلى) باتكاء نسقي على ما استقر في الوجدان الجمعي من قيم وتشكل سردي لتلك الواقعة الإنسانية الملهمة.

وإذ اجترح كثير من الشعراء حديث ليلى من خلال تلك الرؤية فإن الأمر مع الشاعر الرائد (بدر شاكر السياب) لم يكن كذلك، (فليلاه) وجود أنثوي حقيقي، عايش صلته الإنسانية معه، وتعلق به، وكتب فيه عدداً من قصائده. ولتبيان ذلك سنذهب إلى بعض الدراسات التي وثقت حباة السياب، ولاسيما السنوات الأخيرة منها (كدراسة د.إحسان عباس، ود.عيسى بلاطة، ود. حسن توفيق)، وسواها التي تمدنا بالآتي:

قريباً من منتصف العام 1962م قصد السياب مستشفى الجامعة الأمريكية بـ (بيروت) في مسعاه الباحث عن شفاء من مرضه المزمن الذي ألم به. غير أن مكوثه في ذلك المستشفى لم يدم إلا أياماً معدودة، لارتفاع تكاليف العلاج، وإمكانية أن يتلقاه في فندق (سان بول) الذي يقيم فيه، وعلى يد طبيب ألماني ارتأى أن يحضر للعناية به ـ لقاء تكاليف مالية بسيطة ـ ممرضة لبنانية شابة اسمها (ليلى)، كانت تلازم السياب منذ الصباح وحتى الساعة التاسعة مساء، وتعنى به جيداً، وتغمره بعطفها. فبدأ السياب يشعر بانجذابه إليها. ولم ترد هي أن تخيّب أمله، فسايرته في مشاعره، حتى أنها أعطته خصلات من شعرها الأشقر، ومجموعة من قصائدها. ولعلها كانت تعد ذلك جزءاً من واجبها المهني الذي عليها أن تؤديه لمريضها. ولكن السياب لم ينظر إلى الأمر إلا بوصفه حباً متبادلاً ـ كعادته مع عدد من النسوة اللواتي بادلنه مشاعر الود قبلها، جاعلاً ما بدر منهن ضمن رصيده العاطفي الذي طالما التاذ به وحشد مضامينه في قصائده.

ويبدو أن السياب ذهب بعيداً في التعبير عن عواطفه نحو ممرضته التي أخبرت زوجة الطبيب المعالج من أن بدرأ أسرّ إليها أنه ينوي إن يتزوجها، فما كان من زوجة الطبيب إلا أن تتواصل مع السيدة (إقبال) زوجة بدر في العراق تنصحها بالمجيء، وهوماحصل فعلاً إذ جاءت إلى بيروت مع ابنها (غيلان). ولم تلبث أن اكتشفت خصلات الشعر الأشقر و(وريقات) ليلى في غرفة زوجها، فرمت بها من الشباك في اتجاه البحر بغضب شديد، ثم أصرت بعد أيام أن تعود بزوجها إلى العراق، وهي الواقعة التي يوردها السياب في احدى رسائله لأدونيس (السامرائي، رسائل السياب، ص200) قائلاً: " لم تدم فترة لقائنا ـ يقصد بليلى ـ سوى عشرين يوماً أو أقل، ثم ساقتني زوجتي ـ كما يسوق الراعي الأغنام أمامه ـ إلى سلّم الطائرة ثم العراق. فيالي من تعيس بزواج، وبلقاء قصير كهذا ".

(2)

ملأت (ليلى) ـ على رغم قصر المدة التي قضاها السياب معها ـ خياله المشتجر بالاحتياج العاطفي، فنالت حصتها من قصائده في تلك المرحلة المعبرة عن حياته وتوجهات شاعريته. وكانت قصيدته (رحل النهار) التي نظمها في (27 حزيران 1962م) هي أول ما كتبه لها.

لقد ذهب كثيرمن الدارسين إلى القول أن السياب كتب قصيدة (رحل النهار) لزوجته المنتظرة في العراق، ولو أنهم وقفوا عند تاريخ القصيدة أعلاه، وبعض الوقائع المتعلقة بالسياب في تلك المدة، لعرفوا أن زوجته كانت بجانبه حينها، إذ لم يمض على قدومها إلى بيروت ـ التي كتب السياب هذه القصيدة فيها ـ سوى عشرة أيام، الأمر الذي (يعلق) الدافع العاطفي الذي طالما كان وراء كتابته عدداً من القصائد لزوجته قبل هذه المدة وبعدها، ويجعل من موضوعة قصيدة (رحل النهار) والخطاب المشتجر فيها غير موجهين إلى تلك الزوجة بل إلى امرأة أخرى، هي بالتأكيد (ليلى) التي تغلغل حضورها عميقاً في مشاعر السياب، وكأنها كانت نسغ عافية، استمد منه قوة جديدة يواجهه من خلالها مرضه، ليؤكد لنفسه أنه قادر أن يَحب ويُحب. ولكن مجيء الزوجة أفسد ذلك كله، فأحال السياب الأمر برمته إلى شاعريته ليبتكر هذه القصيدة، معبراً فيها عن إحساسه بأن تجربة حب أملَ أن يخوضها قد فشلت. ولأن الوقائع الذاتية لاتستدرج السياب إلى كنف منطوقها المباشر بل هو من يستدرجها لتتكيف تشكلات فنية عالية التمثل فقد جاءت قصيدة (رحل النهار) بسياق تعبيري مغاير، فهي لا تخبرعن الفقد الممض الذي تمكن من مشاعر السياب بل عن امرأة منتظرة (لسندبادها) الذي ذهب سادراً في لجة الرحيل من دون عودة منتظرة.

(3)

تواتر حضور (ليلى) في قصائد أخرى لاحقة عند السياب، مستعيداً مشاعره نحوها كقصيدته: (هدير البحر والأشواق) ـ التي كتبها في الأول تموز1962م، التي قال (عيسى بلاطه) أن السياب عبر فيها عن هيامه بليلى واشتهائه الجسدي الملتهب لها. ومثلها قصيدته (خديني) التي كتبها بعد يومين من سابقتها، وفيها يدعوها أن تأخذه ليطيرا معاً، معترفاً لها بفشل زواجه، عاداً إياها حبه الجديد الذي يقوده (كوزن في قصيدة).

وإذ شغل السياب عن (ليلى) بمكابدات مرضه وظروفه الإنسانية واشتغالاته الشعرية الأخرى فقد استعاد حنينه إليها بعد حوالي ستة عشر شهراً حين كان في البصرة، وكان الداء قد استبد بجسده، فكتب قصيدة (كيف لم أحببك) التي يوجه خطابه المتسائل إليها.

يكتب السياب بعد سنة وشهرين، ومن البصرة رسالة إلى (عاصم الجندي) المقيم في بيروت متسائلاً إذا كان بإمكانه نشر قصيدة نثرية ـ يبدو أنه احتفظ بها لـ (ليلى) ـ قائلاً: لدي قصيدة نثر من تأليف شاعرة لبنانية شابة التقيت بها في بيروت، وكتبت فيها ثلاث قصائد، أتراك مستعداً لنشرها في مجلة (شهرزاد) إذا أرسلتها إليك. لقد كان لي ميل قوي إلى مؤلفتها، وقد ضمنت معاني قصيدتها في قصيدتي (رحل النهار). (رسائل السياب، ص176).

وعند أواخر عام 1964م، وقبل وفاته في الكويت بمدة وجيزة يكتب السياب قصيدة ويعنونها باسمها الصريح (ليلى)، وقد أشارإلى دوافعه لكتابتها في رسالته مارة الذكر التي بعثها إلى (أدونيس) بقوله: " البارحة فحسب كتبت قصيدة ليس فيها حزن ولا يأس ولا ألم، لأن الأخ (علي السبتي) قابل أحبابي في لبنان، وحمل إليّ أخباراً مبهجة عنهم، ووعداً بأن يكتبوا لي رسالة ". (السامرائي، رسائل، ص200).

وقصيدة (ليلى) جديرة بطول تأمل خاص بها، ليس لأنها معنونة باسمها، بل لأنها من أطول قصائد السنة الأخيرة من عمر السياب، وربما تكون آخرما كتبه من شعره، وقد تناوب في بنائها القالبان (شعرالشطرين والتفعيلة)، في نزوع غير معلن بدا أن السياب يخبر فيه عن رؤيته بإمكانية تجاور القالبين الشعريين وانسجامهما إيقاعياً من دون أي قيود شكلية.

ابتدأ السياب القصيدة بأبيات (شطرية) يخاطب فيها صديقه الشاعرالكويتي (علي السبتي) الذي أوهمه أنه أتاه برسالة من ليلى:

قرب بعينيك مني دون إغضاء وخلني أتملى طيف أهوائي

أبصـرتها؟ كــادت الدنيا تفـجــــــــر فـي عـينيك دنيا ذات آلاء

ليستعيد في المقطع اللاحق الذي جاء (تفعيليا) بعض ما كان له مع (ليلى):

أو تذكرين لقاءنا في كل فجر

وفراقنا في كل أمسية

إذا ما ذاب قرص الشمس في البحر العتي

تأتين لي وعبير زنبقة يشق لك الطريق، فأي عطر

وتودعين فتهبط الظلماء في قلبي

ويطفيء نوره القمر الوضي

فكأن روحي ودعتني واستقلت عبر بحر

وعلى هذا المنوال الشعوري الذي تمسك به السياب في آخر أيام عمره القصيرجاءت القصيدة مشتجرة باستعادة الذكريات والرغبات التي راح يلوذ بها لمواجهة وهن الجسد واقتراب النهاية.