السياب وجاذبية المختلف..

السياب وجاذبية المختلف..

علي حسن الفواز

الحديث عن حركة السياب التجديدية في الشعر العربي ترتبط بالأسئلة العميقة التي اثارتها، والتي اعادت الى الاذهان مفهوم الريادة بوصفه تأسيسا ضديا، وتمفصلا فارقا في التاريخ، وبقدر ما حملت القصيدة السيابية جدّتها ومغايرتها، فإنها فتحت المجال لحديثٍ اكثر جدلا حول هوية هذا التجديد، ومدى قدرته على مواجهة التاريخ القار لمركزية القصيدة العربية التقليدية..

بعد مئة سنة على ولادته، وتسع وخمسين سنة على رحيله، لا يجد العقل النقدي العربي نفسه، سواءً في خطابه، أو في سؤاله، إلا ازاء مراجعة لفاعلية المشروع الشعري، بوصفه تجاوزا، وخروجا عن نسق المركزية، وانشدادا الى زمن شعري يتسع للمفارقة، على مستوى تقويض الشكل ونمطية بنائه الصارمة، والنزوع الى نظام تفعيلي مفتوح، وأكثر تحررا، فضلا عن المستوى الذي يتعلق بحمولات القصيدة الجديدة، بوصفها قصيدة وعي مغاير، ورؤية مغايرة، وانفتاح على اليومي والاسطوري والنفسي، إذ تحولت القصيدة السيابية الى رهان على الجدّة، والى خيار لمواجهة مركزية النظام الشعري العربي، بتوصيفاته ومرجعياته البلاغية والبنائية والاسلوبية، احسب أن السياب المسكون بشغف وعيه القلق، وضغط اسئلته الوجودية لم يجد سوى الانحياز، وبـ "قصدية" الى حرية الكتابة الجديدة، بوصفها حرية صاخبة، لكنها حذرة، جعلت من تجربته الشعرية، وحتى تجربته الحياتية مزحومة بصراعات عميقة، وبتحولات اكثر عمقا، واكثر اندفاعا لتجاوز "الفطرة الشعرية" الى "الصناعة الشعرية" حيث خرق المألوف، وحيث تحويل البناء الاستعاري الى مجال جاذب للمختلف، والمفتوح على الاساطير والمثيولوجيا، وحتى على الرمزي بتشفيراته النفسية والطقسية، إذ هي قصيدة التجربة والمغامرة، مثلما هي قصيدة التلاقح المفتوحة، وبحساسية عالية على انماط شعرية عالمية، حيث الشعراء الانكليز، لاسيما أليوت وستويل، وحيث شعراء التجربة المصرية في ابولو، وكذلك في تجربة المهجر اللبناني، وبهذا تكون مغامرة السياب في الكتابة تمثّلا حادا لاشباعات الوعي بشعرية العالم، التي مهدت الطريق لمغامرات اخرى تستفزنا ونحن نراجع ذاكرة المشروع، وسيرة "الشعراء الموتى" وما استغرق شعراء الستينات في العراق، وشعراء المغامرة اللبنانية والمصرية من تحولات يظل هاجسا يتذكّر تلك الاسئلة التي تركها السياب على طاولة اللغة..