رؤية جديدة في شعر السّياب

رؤية جديدة في شعر السّياب

تيري دي يونغ

ترجمة: نجاح الجبيلي

في أواخر عام 1990، عندما كانت التوترات التي أدت إلى حرب الخليج في ذروتها، أنهى معارض عراقي مجهول مذكراته عن التعذيب والمعاناة في سجون صدام بالأبيات التالية من قصيدة "المبغى"، التي كتبها بدر شاكر السياب عام 1960:

بغداد مبغى كبير

(لواحظ المُغنّية

كساعة تتكُّ في الجدار

في غرفة الجلوس في محطة القطار)

......

بغداد كابوسٌ (ردىً فاسدُ

يجرعهُ الراقدُ

ساعاته الأيام، أيّامه الأعوام، والعامُ نَيْر:

العامُ جُرحٌ ناغرٌ في الضمير)

عيون المها بين الرصافة والجسر

ثقوب رصاص رقَّشتْ صفحة البَدرِ؛

.....

أهذهِ بغداد؟

أم أنّ عامورة

عادتْ، وكان المِعادْ

موتاً؟ ولكنّني في رنّة الأصفادْ

أحسَستُ... ماذا؟ صوتَ ناعورة

أم صيحة النسغ الذي في الجذور؟

على الرغم من أن كاتب المقال يرفض في نهاية المطاف إمكانية نهاية مُبشّرة لقصيدة السياب - وأن شيئًا جيدًا سينشأ في النهاية من رماد البؤس الذي عانى منه- فإن حقيقة هذه هي القصيدة التي تذكّرها واختار اقتباسها حين تحدّث عن أكثر التجارب المروعة والصادمة عاطفياً في حياته تُظهر كيف أن شعر السياب ما زال يتحدث إلى مواطنيه العراقيين على أنه تلخيص إلى حد ما لتجاربهم في هذا القرن،

لا سيما تجربة التغييرات الهائلة التي أحدثها ظهور النسخة الغربية من الحداثة على أرضهم في المئة عام الماضية.

علاوة على ذلك، ما زالت سمعة السياب، بعد أكثر من ثلاثين عاماً على وفاته في عام 1964، يتردد صداها خارج حدود العراق في جميع أنحاء العالم العربي. في مصر، مثلاً، حين أتِيحتْ لي الفرصة لقضاء بعض الوقت في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كان بإمكان الكثير من الناس حفظ قصائده عن ظهر قلب، والعديد من الأصدقاء والمعارف - بما في ذلك عدد من الأشخاص الذين ربما لا يصنفون أنفسهم على أنهم من هواة الأدب أو كمثقفين- شاركوني بإعجابهم بشاعرٍ أحسّوا به (بدون استثناء تقريباً) "يتحدث من قلبه" كلمات أثارت إيقاعاتها، رغم أنها تبدو بسيطة وواضحة، بطريقة سحريّة قوة اللغة العربيّة وتقاليدها الأدبيّة الرائعة على مستويات التعبير النابضة بالفخامة والبلاغة. قلة من الشعراء المعاصرين الآخرين يمكن أن يزعموا أنهم كتبوا شعراً يحظى باِحترام عالمي وإعجاب من حولهم.

ومع ذلك، فإن السياب غير معروف فعلياً في الغرب. مثله مثل جميع الشعراء العرب المعاصرين تقريباً، فقد أُشير إليه من خلال عدد من المقالات، مع ترجمات قليلة في اللغات الغربية. قصدي الرئيس، في تبني مشروع مقاربة شعر السياب من وجهة نظر ما بعد الكولونيالية، جعل شاعر حديث مهم من العالم العربي في متناول القراء الغربيين ووضعه في مكان يمكنهم فيه تذوق شعره، وكذلك تطوره بمرور الوقت. لكن من دواعي سروري اكتشاف رؤى جديدة في شعر السياب من خلال الانغماس المتزامن - وغير المترابط في البداية - في أعمال المنظرين الأدبيين لما بعد الكولونيالية وكتابات المؤلفين من البلدان الأخرى التي خضعت للاستعمار، مثل العراق وإلى المزايا المشكوك فيها في كثير من الأحيان "بالتجربة الاستعمارية". ما وجدته أجبرني على إعادة التفكير في مشروعي في منتصف الطريق، لكن نتائج هذا الاضطراب كانت مجزية للغاية في عدد من الطرق. وقد أظهر لي، على وجه الخصوص، مدى أهمية جانب المكان في شعر السياب - كأرضية حقيقية ومجازيّة لمحاربة شياطين الاستعمار - مما أدى إلى انهماكي في القضايا الموضحة في دراستي لشعره من وجهة نظر ما بعد الكولونيالية. آمل أن ينقل النقاش بعض الإثارة والسحر الذي يبدو أن شعر السياب قد قدمه منذ سنوات عديدة وما زال يقدمه للجمهور العربي اليوم.