التأصيل الذي قاد السياب إلى العالميَّة

التأصيل الذي قاد السياب إلى العالميَّة

طالب عبد العزيز

قليلة هي الكتب التي تضطرنا إلى إعادة قراءتها ثانية، ونشعر معها بأن قراءة واحدة هي بخسٌ في حقها، ضمن هذا الاعتراف، سأستعيد جملة طه حسين الاثيرة: "قراءة كتاب واحد خير من قراءة كتابين"،

لذا فأنا مضطرٌ هنا إلى إعادة قراءة (بدر شاكر السياب- هوية الشعر العراقي) كتاب د. ناصر الحجاج، الصادر عن دار العارف- بيروت، النجف سنة 2012 وهو من موجبات نيل صاحبه درجة الماجستير، آنذاك، الكتاب الذي لم تأت فصوله على شعر بدر بمعزل عن المدينة، التي أنجبت بدراً، وصيّرته كأكبر علامة في أدبنا العربي إنما جاءت على كثير مما أغفله النقد في حياة وشعر السياب.

منذ أكثر من نصف قرن والشاعر السياب حاضر في الدرس النقدي– الأدبي بجامعات كثيرة في الوطن العربي وخارجه، وربما يكون أكثر شاعر عربيٍّ أشبعَ بحثَاً أكاديمياً، وتناولته حلقات النقد، حتى لا تكاد سنة تخلو من إصدار عنه، مثله في ذلك كمثل رامبو في الشعر الفرنسي، وايليوت في الشعر الانجليزي، أوغوته في الشعر الالماني وسواهم، ذلك لأنَّ تجربته على قصرها شكلت فرادةً استثنائيةً قلَّ نظيرها، فهذا كائن خلق لتلتهمه فطرة الشعر، فضلاً عن أهميته في تجربة التحديث، التي عُرف بها، فهو حامل لوائها، وإنْ أصرَّت بعض النقودُ العربية على إشراك جبرا ونازك والبريكان والبياتي وأدونيس وغيرهم فيها.

ركزت دراسة ناصر الحجاج على المحلية في شعر السياب، وتعقبتها في فصول الكتاب كلها، مع أنه لم يتوقف عندها في شعره إنما غاص في تاريخ البصرة، واستل منه ما يعاضد فكرته، مستعيناً بالكنوز الثمينة في مضانها، فكان السياب عنده المثل الاعلى، والانموذج المحتذى به، في معاينة المدينة عبر جمهرة الأدباء والعلماء والشعراء والكتاب، الذين ولدوا وماتوا على صعيدها، منذ تأسيسها في 14 للهجرة، أو حتى ما قبل ذلك التاريخ.

يرى الحجاج بأنَّ السياب لم يكن متأثراً بما ترجمه جبرا ابراهيم جبرا من الغصن الذهبي واسطورة تموز فيه، ضمن السردية اليونانية، إنما كان يعتقد بأن البابليين كانوا ابناء عمومة أجدادنا العرب، وأنَّ العرب انفسهم تبنوا هذه الرموز، فالعزّى هي عشتار، واللاة هي اللاتو، ومناة هي منات، وود هو تموز، أو (أدون=السيد) فتموز الذي يروي لنا بعض المؤرخين العرب أنه رأى أهل حوران يبكونه تحت اسم تاعوز.. وعرفته اليمن باسم تعز الذكر الذي انثاه العزى. يذكر ذلك السياب في رسالة بعث بها إلى سهيل ادريس سنة 1958 ص 69.

وجدتُ أن الدراسة أحاطت بما لم يحط به أحدٌ من نقاد شعر السياب، فهو عنده عراقي، بصري، خصيبي، جيكوري في تأكيدٍ على عنايته بمحلية السياب، التي لم تقرأ كما يجب، وربما ذهب النقاد إلى غير مقاصده في كثير مما كتبه، فالمحلية بحسب ناصر الحجاج هي التأصيل، الذي قاد السياب إلى العالمية، والتي أشار لها في قصائد كثيرة لديه، مؤكداً ذلك في تجربته ص35. وبرأيي الباحث فأن محليته تأتت في مفردات مثل أم البروم، والطبيعة المحلية كالنخل وشط العرب، وعناصر البيئة المحلية في البلم والوُهار والكوسج والمساحي والمضيف والسدرة، والاغاني المحلية في سليمة، ونجمة الصبح، وترنيمات مثل مطر حلبي وشيخ اسم الله. وكان ابراهيم السامرائي ممن أكدوا ذلك بقوله:" كان بارعاً في التقاط ما خفي من الأصوات، في بيئته المحلية، التي شبَّ فيها مع الجياع. ص39.

ستكون حقيقة المحليّة في شعر السياب مجهولةً عند غير البصريين، وربما اخفقت المقاربات النقدية بين تجربته وشعراء آخرين، وأوقعت أصحابها في لبس لغوي أو فهم خاطئ، لبعض المفردات، وقد يجدُ الدارسُ البعيدُ عن الحياة في الارخبيل الرطب (ابو الخصيب) والممتد عمقاً بمئات الدونمات من النخل والفاكهة والأنهار، وجملة العلائق الانسانية، المختلفة عن أيِّ بيئة أخرى، في العراق وخارجه، لهذا جاءت قراءة الحجاج جامعةً، مستبصرةً، مستبطنةً لأدقَّ التفاصيل، ويقيناً لم تحط قراءات احسان عباس وعيسى بلاطة وسواهما إلا بالظاهر من التجربة، فيما صمتت قصائد ومفردات كثيرة داخل متنها، ولم تمنح القارئ مقاصدها وخلاصتها، وربما اكتفى الناقد ذاك بظاهرها زاداً له.

في حوار للسياب مع محمود العبطة يقول بدر: "اعتقد بأنَّ اللغة من الأباب الأولى التي يجب أن يوضع عليها الاصبع، فلقد كان الجاهلي يتحدث بلغة أهله وقومه" ص 86 وهنا سنعرف السبب الكامن وراء استخدام السياب لمفردة مثل كوسج (سمك القرش) والتي كررها في أكثر من قصيدة (والبحر تقدحُ أحداقُ الكواسج في صخابه العالي) من قصيدة (افياء جيكور) كان السياب يعتقد بأنَّ المفردة القاموسية تفقد مقدرتها الادائية، وتصبح جامدة، أما المفردة المحليّة فهي مشحونة بطاقة إيحائية كبيرة، وتؤدي معناها، وهي أدق في التعبير.

تركت الحسيّة المعلنة في شعر السياب مسافة شاسعةً بينه ومجايليه، فقد كان أجرأهم في تناول اللذائذ، وأقربهم إلى جسد الانثى، عبر افتتانه المعلن والصريح، وربما كانت الطبيعة وراء ذلك، فحياته في الريف، حيث يفرغ جمال الطبيعة عليه من آفاقه الكثير، وتكون مشاعره مستفزةً ساعة إثر أخرى، وإن كانت حياة القرية، بطبيعتها مغلقة على حواس الجسد العليا، إلا أنه كان يجد المنافذ، لتسريب شحنات جسده تلك، فراعية الغنم والطواشات في بستان جده، وعلاقاته النسائية في دور البغاء بالبصرة، والتي يتكتم عليها الكثير من دارسيه، كلها تشي، فقد سمعت المؤرخ المرحوم حامد البازي يتحدث عن صحبته لبدر إلى الديار تلك، في البصرة وبغداد، فضلاً عن لا أباليته المدفوعة بقوة الشعر وحبه للحياة. وكنا قد اكتشفناه في ديوانه الأول(أزهار ذابلة) شاعراً حسياَ يذهب بكله إلى الجسد، دونما وجل او خوف، وهي ميزته التي عرف بها.

في الكتاب فصول لم نأت عليها لضيق المساحة المتاحة لنا، لكنَّ قارئه سيظفر بناقد بصريٍّ، عاش بيئة الشاعر، وخبر مدينته، فاستنشق انفاسه، وتقرَّب بما لم يقترب به أحدٌ من عالمه الشعري، وبذلك سيحوزُ الحُسنيين، البصرةَ والشاعرَ.