عندما هرب الأمير عبد الأله الى البصرة سنة 1941

عندما هرب الأمير عبد الأله الى البصرة سنة 1941

صالح محمد صالح العلي

في 1 نيسان 1941 اجتمع العقداء الأربعة مع الكيلاني في معسكر الرشيد بحضور أمين زكي وكيل رئيس أركان الجيش، وأعلنوا حالة الطوارئ في الجيش واختاروا أمين زكي وفهمي سعيد لمقابلة الهاشمي لتقديم استقالته، وقد وافق الأخير بعد تردد على كتابة استقالته وسلمها اليهما...

ولما علم الوصي بذلك هرب ليلا إلى دار عمته صالحة لكي لا يصادق على الاستقالة وفي صباح 2 نيسان 1941 خرج متنكرًا وركب عربة إلى دار المفوضية الأمريكية حيث هربه الوزير المفوض الأمريكي وزوجته بسيارتهما إلى الحبانية وهناك التحق به مرافقه عبيد عبدالله المضايفي وعلي جودت الأيوبي وفي مطار الحبانية التقى الوصي بكورنواليس الذي وصل لتوه لاستلام منصبه سفيرًا لبريطانيا والذي شجع الوصي على الهروب إلى البصرة والعمل من هناك ضد الكتلة العسكرية وقد زوده بمبلغ من المال... ونقل الوصي مع مرافقه والأيوبي بطائرة حربية إلى البصرة فوصلوها في 3 نيسان 1941.

الأحداث في البصرة

اختار الوصي البصرة مقرًا ثانيًا له بعد هربه اليها وذلك لان البصرة كانت في تلك الحقبة المدينة الثانية في العراق من حيث الاهمية، فهي ميناء العراق البحري الوحيد الذي يتصل بواسطته بالعالم، كما انها تقع على الخليج العربي الذي كان تحت سيطرة بريطانيا دون منازع... فضلا عن النفوذ البريطاني في هذه المدينة عن طريق وجود قاعدة الشعيبة الجوية البريطانية وعن طريق البصرة تصل الإمدادات فيها... وأمور أخرى مثل وجود صالح جبر احد أعوانه متصرفًا واحتمال مساعدة القوات العسكرية العراقية في الجبيلة له لاسترداد سلطته في بغداد.

بعد وصول الوصي إلى البصرة في 3 نيسان 1941 عقدت في البصرة اربعة اجتماعات خطيرة هي:

1 ـ الاجتماع الذي عقده الوصي مع المسؤولين والضباط الكبار في البصرة: بعد وصول الوصي مباشرة الى البصرة، استقر في فندق شط العرب واستدعى متصرف اللواء صالح جبر واتفقا على استدعاء آمر حامية البصرة العقيد رشيد جودت وقائد شط العرب اللواء احمد رشدي إلى الفندق، وكان حاضرًا الاجتماع علي جودت الأيوبي، وقد شرح الوصي للحاضرين تهديد الجيش له وإقالة طه الهاشمي وهروبه من بغداد، واستمر الاجتماع حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.

2 ـ الاجتماع مع أمري حامية البصرة: كان يوم 4 نيسان 1941 يوم جمعة ويوم عطلة رسمية بمناسبة تتويج الملك فيصل الثاني... وفي صباح ذلك اليوم قام العقيد رشيد جودت باستدعاء المقدم عامر حسك باعتباره مقدم لواء المشاة الرابع وأوعز له الذهاب إلى ثكنة الجبيلة والطلب من الضباط الخفر اصدار الأوامر بمنع الجنود من التمتع بعطلتهم واستدعائهم من بيوتهم، وإعلان الإنذار، كم طلب منه جلب مفتاح (الجفرة) من خزانة اللواء حيث توجد برقية رمزية من وزارة الدفاع يراد حلها ثم دعا آمري الأفواج وآمر القوة النهرية وهم كل من الرئيس الأول مهدي صالح والرئيس الأول يونس عمر والرئيس عزت حكمت والرئيس نوح عبدالله أمر القوة النهرية... حيث تم اجتماعهم مع آمر لواء المشاة السابع، وتم حل رموز البرقية وكان نصها كالأتي:

((من رئاسة أركان الجيش إلى آمر حامية البصرة الأمير عبدالاله عندكم في البصرة وليس له صفة الوصاية سيطروا على الموقف في البصرة، تتلقون أوامركم من رئاسة أركان الجيش مباشرة انبؤونا)).

وبعد اطلاع آمر اللواء وآمري الأفواج على نص البرقية ومضمونها، أعلن العقيد رشيد جودت ان الوصي قد وصل فعلا ليلة البارحة ونزل في فندق شط العرب وبرفقته المرافق عبيد عبدالله المضايفي وعلي جودت الأيوبي وشرح لهم استدعاء عبدالاله له ليلة البارحة، وذكر لهم انه شاهد ضابط الاستخبارات البريطانية الموجود في البصرة (الكابتن ملتك) يتكلم مع الوصي، وانه غادر بعد مشاهدة آمر الحامية، وشرح العقيد رشيد جودت الموقف في بغداد وطلب الوصي له ان يهيئ اللواء للتقدم نحو بغداد لقمع تلك الحركة، حيث ذكر له ان الضباط في بغداد وقطعات الجيش في المناطق الأخرى غير راضين عن تصرفات أولئك الضباط المتمردين وانهم سينضمون إلى قوات البصرة، واخبره ان قوات انكليزية كثيرة ومزودة بالأسلحة الحديثة على وشك الوصول إلى البصرة وسوف تنضم إلى القوات المتقدمة نحو بغداد).

وكان عبدالاله قد طلب من متصرف لواء البصرة صالح جبر الاتصال بمتصرفي الألوية الجنوبية لقطع صلتهم عن بغداد، وطلب من الوزراء في بغداد المجيء إلى البصرة، حيث كان في نيته ان ينقل الحكومة إلى البصرة ليكون بعيدًا عن ضغط الجيش الثائر عليه، وليهيئ للتقدم لاسترداد بغداد من قبضة الجيش.

وقد طلب رشيد جودت من المجتمعين مناقشة الموقف على ضوء هذه المعلومات واتخاذ قرار يتفق مع مصلحة البلاد، وقد اتخذ المجتمعون القرار التالي:

1 ـ من تقاليد الجيش العراقي ان لا يقاتل بعضه، ولذا نرفض رفضًا باتا التقدم نحو بغداد لقتال وحدات جيشنا هناك مهما كانت الأسباب والمبررات.

2 ـ لن نجعل من بلادنا ساحات قتال وندخل في صراعات داخلية تكون نتائجها كما حدث في اسبانيا، حيث جرت عليها كوارث كثيرة.

3 ـ ليس من الصحيح ان نسير إلى جانب الجيش البريطاني ونقاتل إخواننا بالدم والسلاح والمصلحة المشتركة ونسجل على أنفسنا لعنة التاريخ.

4 ـ تعتبر رئاسة أركان الجيش المصدر القيادي الأعلى لإصدار الأوامر الينا، وما علينا الا تنفيذ هذه الأوامر بصفتنا قيادة ثانوية.

5 ـ عدم السماح للقوات البريطانية بالإنزال في البصرة الا بعد موافقة رئاسة أركان الجيش.

6 ـ عدم السماح بتشكيل حكومة او إدارة مدنية او عسكرية في البصرة لان هذا يؤدي إلى عدم استتباب الأمن باعتباره ضد الحكومة الشرعية في بغداد.

7 ـ من الواجب تأمين الأمن واستتبابه وعدم فسح المجال للفوضى والمحافظة على الهدوء والاستقرار في البصرة.

8 ـ لما كان الوصي قد جاء إلى البصرة يجب ان يحافظ على امنه وراحته ويمنع اي اجراء من شأنه إجباره على العودة إلى بغداد ضد رغبته، وفسح المجال للمحاورة لحل الأمور سلميًا كما حدث عند ذهابه إلى الديوانية.

وقد وافق جميع الحاضرين على تلك القرارات، وأعلن رشيد جودت ان عبدالاله يرغب في مقابلة أمراء الوحدات.

الاجتماع الذي عقده أمراء الوحدات مع قائد قوات شط العرب:

بعد انتهاء أمراء الوحدات من اجتماعهم توجهوا إلى فندق شط العرب وفي طريقهم عرجوا على دار قائد قوات شط العرب اللواء احمد رشدي وأحيط علما بما اتخذ من قرارات للعلم فقط، فايدها وقال هذا ما يجب عمله لمصلحة البلد ومستقبله وفي داره سمع الضباط خطابي رئيس أركان الجيش ورئيس حكومة الدفاع الوطني رشيد عالي الكيلاني الذي اعلن الوقوف على الحياد وعدم توريط البلاد في اخطار حرب لا مصلحة للبلاد فيها والمحافظة على التعهدات الدولية ولاسيما المعاهدة العراقية ـ البريطانية سنة 1930، وتقوية واستمرار العلاقات الطيبة مع الدول العربية المجاورة.

اجتماع الوصي مع آمري وحدات حامية البصرة:

تتألف حامية البصرة من لواء المشاة السابع، وقد طلب الوصي من رشيد جودت احضارهم لفندق شط العرب، ولما حضروا قابلهم الوصي والقى عليهم نفس الكلام الذي ذكره لآمرهم في الليلة السابقة واكتفى الضباط بالاستماع إلى حديث الوصي ولم يعلقوا عليه ولم ينطق اي منهم بكلمة لاسلبًا ولا ايجابًا، وبعد نهاية الاجتماع عاد الضباط إلى ثكناتهم ليكونوا على رأس قطعاتهم.

واثناء هذا الاجتماع انزوى متصرف البصرة صالح جبر مع شاكر نعمة صاحب جريدة الثغر، لأعداد بيان لنشره في البصرة يشرحان فيه الموقف وسبب مجيء الوصي إلى البصرة وما ?يطلب من أهالي البصرة.

عن بحث (موقف البصرة في اثناء حركة 1941) ــ موقع تاريخ البصرة