بغداد كما وصفها الموظف العثماني عالي بك سنة 1885

بغداد كما وصفها الموظف العثماني عالي بك سنة 1885

د. عماد عبد السلام رؤوف

1ــ 2

توجد بين مخطوطات المؤرخ العراقي عباس العزاوي (المتوفى سنة 1390هـ/ 1971م) إضمامة من أوراق، كتب عليها أنها (رحلة مترجمة من التركية بقلم المحامي عباس العزاوي)،

وقد كتبت الترجمة بخط عادي سريع بقلم الحبر، وتسرَّع مفهرس فظن أنها بخط العزاوي، وعند مقارنتنا الخط الذي كتبت به بخط العزاوي، تبين لنا على الفور أنه ليس له، بل إن الترجمة نفسها ليست من إنشائه؛ فأسلوبها يختلف عن أسلوبه تمامًا، وفيها من الركة والأخطاء الإملائية ما لم يرتكبه في أي مما كتب، ثم إن أحدهم صحح مواضع من النص بقلم من الحبر الجاف، أو بقلم الرصاص، ليس خط العزاوي أيضًا، وفي (تصحيحاته) أخطاء إملائية أخرى. ولما كان عباس العزاوي معنيًّا في أثناء جمعه مواد كتبه العديدة، بالتقاط كل ما به علاقة بتاريخ العراق في القرون المتأخرة، فقد ضم هذه الترجمة الموجزة للرحلة إلى مكتبته الغنية بأفانين الكتب والمخطوطات؛ عسى أن يفيد منها في دراسة مقبلة، إلا أنه لم يفعل، وبقيت الرحلة بعيدة عن اهتمام الباحثين.

المؤلف:

كتب مُعرِّب الرحلة في الورقة الأولى من تعريبه ترجمة قصيرة لصاحب الرحلة عالي بك، كان واليًا في طربزون، فصار مدير إدارة الديون العامة، وأنه أوفد في مهمة تتعلق بتفتيش الأمور المالية لعدد من الولايات في الدولة العثمانية، فبدأت رحلته بأن غادر إستانبول في يوم الخميس 3 كانون الثاني من سنة 1300 رومية (الموافقة 1301هـ/ 1884م)، مارًّا بـ: (مدللو)، و(أبو النور)، و(أزمير)، و(مرسين)، و(اسكندرونه)، ومنها توجه إلى (حلب)، و(كليس)، و(عينتاب)، و(بيرجك)، و(ديار بكر)، و(سعرد)، و(بتدليس)، و(موش)، وماردين)، حيث كانت له صلات بعشيرة شمر، ومنها ركب (كلكًا) في 2 أيلول 1301 رومية (الموافقة 1302هـ/ 1885م) انحدر به في نهر الفرات، فمر بـ: (حصن كيفا)، و(جزيرة ابن عمر) التابعة لبلدة ماردين، ثم وصل إلى قرية (الحمدات)، ومن هناك غادر الكلك وذهب برًّا إلى الموصل، وبعد وصوله إليها ركب الكلك أيضًا، فانحدر به إلى تكريت، ثم سامراء، ومنها إلى الأعظمية، ومنها إلى بغداد، حيث أقام بها مدة من الوقت، وبعدها انحدر إلى البصرة، ومنها إلى أبو شهر، فبومباي في الهند، ومن الأخيرة إلى عدن، ومنها السويس، فالقاهرة، ثم الإسكندرية، ومنها إلى إستانبول، وكانت عودته إليها في 1304 رومية (1305هـ/ 1888م)، وكانت عودته إلى إستانبول في 1304 رومية (1305هـ/ 1888م).

بغداد:

كان عالي بك قد وصل سامراء وزار مراقدها المباركة، ثم مضى في طريقه نهرًا حتى وصل مصب نهر العُظيم، ويسميه الترك (شط أدهم)، وهو غير صحيح، ومنها تحرك الكلك ووجهته قرية السندية، ثم وصل إلى قرية (الجديدة)، ومنها وصل إلى قصبة الأعظمية، وسميت بذلك لأن الإمام الأعظم أبا حنيفة قد توفي فيها، ونسبت إلى اسمه، وتقع في الجانب الأيسر من دجلة، وفي الجانب الآخر بلدة الإمام موسى الكاظم، وقد شاهد التربة والجامع الشريف والقبة والمنارات من مسافة بعيدة.

ولما وصل إلى الأعظمية دخل دار نعمان أفندي متولي وسادن حضرة الإمام الأعظم، فرأى الدار مفتوحة، ورأى الناس يدخلون إليها، فاستقبله مَن في الدار من أعوان، فصعدوا إلى الطابق الثاني، ورأى شيخًا هناك وعلى رأسه عمامة، وكان قد بشر به، وقد أبدى لطفًا وقال له: يظهر أنكم أتيتم من سفر، فاستريحوا ثم توضؤوا، وسنذهب معًا إلى الجامع الشريف،وعلمت أن هذا المحل لم يكن خانًا ولا قهوة.

وأبدى المتولي اعتذاره، وبيَّن أنه سادن، وأن هذا بيته، وأخذني إلى غرفة أخرى فتوضأت، ونفضت الغبار عن أثوابي،ثم إن أعوانه قدَّموا لي طعامًا وافرًا، مع أن المومى اليه لم يعلم مَن أنا، ولا من أين أتيتُ، وكل ما عَلِمَه عني أني ضيف، فأكرمني وأعزَّني، ثم أذَّن المؤذن، فذهبنا لأداء صلاة الجمعة، ففتح نعمان أفندي التربة الشريفة، ووفقنا لزيارة مرقد الإمام الأعظم، وإن الجامع ذو منارة واحدة جسيمة، وله جبهتان على الطريق والسوق، وله ساحة كبيرة، [وهو] ذو بابين.

سور بغداد

ثم تطرق إلى بغداد، وبين أنها معروفة بـ: (الزوراء) و(دار السلام) وأن القسم الأعظم من بغداد في يسار الشط، (وضمن سور) (دجلة)، أو (الجانب الشرقي)، والقسم الأصغر في القسم الأيمن من الشط، وأن الجسر المُتخذ من الخشب والمرتكز على جساريات يصل بين الجانبين، وأن الجانب الأيسر من المدينة، وهو القسم الأعظم، يقال له: (الرصافة)، والقسم الأيمن من المدينة يقال له: (الكرخ)، وفي الرصافة دائرتا بلدية، وفي الكرخ دائرة ثالثة للبلدية، وقيل: إن سور المدينة يمنع توسعها؛ ولذا اقتلع وهُدم، واليوم للسور بابان بشكل (بُرج)، وهما من بقايا ذلك السور.

هذا وقيل: [إن] سور قلعة ديار بكر مانع من توسعها؛ ولذا بُنيَت دارٌ للحكومة خارج القلعة، في حين أن المدينة بقيت على حالها القديم، ومن ثم عادت الحكومة إلى محلها القديم، كما سبق ذكر ذلك،أما بغداد فإن سورها قد هدم منذ ثلاثين سنة، ولكن ذلك لم يُجدِ نفعًا في توسع المدينة، وإن المدينة بقيت مهددة بهجوم العشائر بسهولة، وتسلطهم عليها، وكان [ذلك] قد ولَّد الخوف، ولكن زال الخوف في هذه الأيام، إلا أن المدينة مهددة بمياه الفيضان، وكان السور مانعًا من دخوله إلى المدينة، والآن خطر دخول المياه ملحوظومتوقع]، كما أن توسع المدينة يتوقف على زيادة النفوس، والاتصال بالخارج عن طريق وجود التجارة والصناعة وتكاثرهما، ومن جهة أخرى أن المدينة إذا زادت ثروتها تتوسع مطلقًا، وأن سورها لا يمنع من هذا التوسع أبدًا.

من المعالم البارزة في بغداد

1. وعندما يجيء المرء إلى بغداد من طريق الشط من الرصافة يشاهد أولًا قصر النجيبية، الذي أقام فيه المرحوم ناصر الدين شاه (وهو شاه إيران) سنة 1288 (رومية)، حينما ورد للسياحة في بغداد.

2. مكتب الصنائع.

3. دار الحكومة مع إدارة المشيرية.

4. القشلة الهمايونية.

5. المكتب الإعدادي العسكري.

ثم يُشاهد الجسر الذي يصل بين الرصافة والكرخ، ثم دائرة الكُمرك التي هي تحت الجسر، والإدارة النهرية العثمانية بين بغداد والبصرة، وشركة لَنج للمراكب البخارية.وفي أسفل ذلك عدة بيوت وقهاو.

وأما الجانب الآخر من الشط، [حيث] محلة الكرخ، وتجاه دار الحكومة من الجانب الآخر من جهة الكرخ، تشاهد أبنية المستشفى، وهو مستشفى الغرباء، ومعمل الحديد، ومحلات أخرى بين الجنان.

إن طول النهر على امتداد المدينة يبلغ نحو سبعة كيلو مترات، وما فوق المدينة وما تحتها بساتين النخيل تمتد ساعات،وفي أثناء ظهور الأزهار فيها يشاهد رائحة طيبة ولطيفة جدًّا، تنعش الإنسان برائحتها.

ولما دخلت بغداد من طريق البر آتيًا من الأعظمية كان باب الإمام الأعظم متهدما، ورأيت بقاياه، ولما دخلت المدينة رأيت كثيرًا من القهاوي في طريقي، ثم وصلت إلى محلة الميدان، وهناك أول ما تعلق النظر به قبة جامع أحمد باشا ومنارته النفيسة المنقوشة بالكاشي الملون، وكانت القبة عظيمة وجميلة، وفي يمين الداخل قبل وصول الجامع باب دائرة المدفعية]، ثم يأتي السوق والمحلات الأخرى، والأماكن الأميرية المذكورة، منها: دار الحكومة، ودائرة المشيرية، كانت أبنيتها من أخشاب عتيقة، وباقي الأبنية من أحجار الآجُرِّ.

إن سكان بغداد يبلغون نحو مائة ألف نسمة، والقسم الأعظم من المسلمين، ومنهم ستة آلاف بيت لليهود، وقسم منهم من الكلدان والكاثوليك، [و]عدا هؤلاء قد اختار الإقامة في بغداد قسم من التجار، وبعض الزوار، وتكونت منهم مجموعة من الإيرانيين، وإن الأهلين بالنظر لصنوفهم ومذاهبهم تختلف ألبستهم وقيافاتهم، فتظهر الفروق بين بعضها البعض؛ فالأشراف والأعيان مثلًا ممن يعيشون في إيران عقارهميلبسون الزُّبُون. والجُبَّة والمشلح، وبعضهم يلبس في رأسه العمامة، وبعضهم (الفيس)، وإن الموظفين في أشغال الحكومة يلبسون الزبون والمشلح، وفي رؤوسهم كَفيَّة من إبريسم أصفر، وقسم [من] العمال يلبسون الزبون من جثاريوأبيض رماني أو أحمر، وكفية من إبريسم أحمر شطرنجي،وإن اليهود أيضًا يلبسون الزبون والمشلح وبرؤوسهم عمامة عليها نقوش،والنصارى يلبسون الزبون والمشلح، وعلى رؤوسهم (الفيس،ونساء المسلمين تلبس جَرجَف من حرير وكَلَبدُون حينما تخرج إلى السوق، وتلبس في رأسها (بيجة) معمولة من قماش أسود، وتلبس في رجلها حذاء يقال له: جدك جيبك أصفر وعال،ونساء اليهود يلبسن جرجف معمول من تيل أصفر، وفيه نقوش بيضاء ولارج وردية (لازوردية)، وتضع على رأسها بيجة من القماش الأسود، وحذاء أصفر،ونساء النصارى يلبسن جرجف كنساء المسلمين، إلا أنهن يكشفن عن وجوههن، وبعضًا يضعن غشاء من تول رقيق أو أسود فيتسترن به، وبأرجلهن يلبسن البوتين في الأكثر، والغالوش (كالوش).