فيلم المومياء بين المحكي والمرئي

فيلم المومياء بين المحكي والمرئي

د. إسلام على جعفر

اللغة السينمائية هى لغة غير معروفة للمشاهد رغم أنها تخاطبه ولكنها خاصة بالسينمائيين والنقاد، فهى تمر عبر وجدان المشاهد ووعيه وعلى الرغم من أنه يسمعها ويراها على الشاشة إلا أنه لا ينتبه بجديتها وكلما زاد عدم انتباهه لها زاد تأثيرها عليه وتتكون تلك الأبجدية من جميع عناصر الفيلم؛ سيناريو

وما به من إسقاطات باستخدام الحوار وزيادة التوتر والتشويق وخلق الذروات وإخراج من خلال الكاميرا وحركاتها وزواياها وأحجام اللقطات وتكوين الكادر والتصوير والعزف بالضوء واللونومونتاج بالتحكم بالإيقاع، وموسيقى بالتجسيد الدرامى ومؤثرات وبناء عالم الخيال وغيرها من عناصر الإنتاج السينمائى.

ويعتبر فيلم المومياء – إخراج شادى عبد السلام والذى نال إشادات عظيمة فى المهرجانات العالمية قبل عرضه فى القاهرة عام ١٩٧٥- من الأفلام التى بلغت درجات راقية فى اللغة السينمائية رغم فشله جماهيريا، ومعظم أساتذة السينما حللوا ووصفوا وشرحوا اللغة السينمائية لهذا الفيلم، ولكن لماذا هذا الفيلم بالتحديد رغم مقاطعة الجمهور له؟

السينما صناعة وفن لابد لها من تحقيق الربح والارتقاء بوعى المجتمع وتقييم المخرج يأتى عبر كلا العاملين، كم حقق فيلمه من أرباح ومستوى اللغة السينمائية المستخدمة، وعادة ما يطغى العامل الأول على الثانى وأفضل المخرجين نجد فى أفلامهم إثنين أو ثلاثة من مفردات تلك اللغة ولكن فيلم المومياء تحدث بتلك اللغة فى كل لقطة من لقطاته ولم يترك شيئا للارتجال أو لمعايير السوق، وقد قام المخرج برسم وتلوين كل لقطة من لقطات الفيلم بما فيها حركة الممثلين وعادة ما يكون هناك مجرد كروكى للمشهد فقط فى معظم الأفلام وفى بعض الأفلام الهابطة يقرأ المخرج المشهد أول مرة حينما يبدأ التصوير.

ويبدو أن شادى عبد السلام قد انغمس فى الجانب التشكيلى دون أن يلتفت لذوق الجمهور العام فنجده يتحدث عن سرقات المقابر فى نهاية القرن التاسع عشر فتحول إيقاع الفيلم ليحاكى إيقاع الحياة فى ذلك الوقت فكان بطيئا جدا وقد تعود المشاهد على المشاهد القصيرة والسريعة للسينما الأمريكية، كما أنه اختار اللغة العربية الفصحى للحوار فوضع حاجز بين المشاهد والأحداث التى تجرى فى الصعيد دون لهجته، بل كانت العقبة الأكبر هى أن الجميع يتحدث بها رغم اختلاف خلفياتهم ومستوياتهم الثقافية وهو شيء غير منطقى، بالإضافة للطبيعة التسجيلية التى غلبت على الفيلم، كل تلك الأشياء مثلت حواجز بين الجمهور والفيلم.

ولكن سبب نجاح الفيلم عالميًا هو أنه جسد صورة مصر كما يراها الغرب بعيون المستشرقين، وهى الحضارة الفرعونية والقبائل المتصارعة الصحراء والنيل والجهل والفقر والمرض، هذا بالإضافة للنموذج الكلاسيكى للمرأة العربية بثيابها المتحفظة داخل بيتها ضمن هيمنة الرجل متمثلة فى الأم أو استخدامها كمحظية مثل زينة وصديقتها، وهذا ليس إقلالًا من شأن رقى اللغة السينمائية فى الفيلم والتى أبهرت الغرب أيضا ولكن عوامل مساعدة تشرح سبب الاهتمام.

المحكى

يبدأ الفيلم باجتماع لمدير الآثار المصرية، مع علماء المصريات ومنهم أحمد كمال (محمد خيرى). لبحث ظهور بعض قطع الآثار المسروقة، ويتطوع أحمد كمال بالذهاب إلى الاقصر، فى محاولة لكشف اللصوص، ثم ينتقل الفيلم إلى الاقصر، ونشهد جنازة سليم زعيم قبيلة الحربات؛ الذي كان يقوم ببيع الآثار إلى تاجر الآثار أيوب (شفيق نور الدين)، ويقوم شقيق سليم

(عبد العظيم عبد الحق) بإخبار أبناء أخيه؛ ونيس (أحمد مرعى) وشقيقه الأكبر، عن مكان المقبرة ويرفض الأخ الأكبر الوضع فيتم قتله بأمر من العم، ويظل ونيس غير قادر على حسم أمره، ويصل أحمد كمال ويتعاون مع الضابط البدوي بك لكشف اللصوص ويطلق عليهم الأهالى الأفندية لتميزهم عن أهل الصعيد، يرفض ونيس إغواء زينة (نادية لطفى) التي يجلبها مراد المساعد السابق لأيوب لإغواء شباب القبيلة مقابل الآثار المسروقة، ويرفض ونيس بيع الآثار إلى أيوب، ويكشف مراد لونيس عن سر مقتل أخيه، فيذهب ونيس إلى الأفندية، ويخبرهم بمكان المقبرة، ويستخرج الأفندية الآثار بمساعدة الجنود وبعض من أهل الوادى ويتم نقلها إلى السفينة التي ترحل إلى القاهرة.

ولا أستطيع أن أعزل الفيلم عن زمن كتابته وإنتاجه وهو عقب حرب 1967 وإن كان تفسيرى لأحداثه مختلف إلا أننى أعتقد أنه نتاج لواقع تأثر به المخرج فعبر عنه سواء عن عمد أو بدون قصد، فهناك معادل موضوعى لكل شيء فى الفيلم فالآثار هى ثروات العالم العربى وأيوب تاجر الآثار هو الغرب الناهب لتلك الثروات نتيجة جهل الشعوب، والأعمام هم الجيل القديم الذى اعتاد على الاستسلام للغرب، والأفندية هى حركات التحرر التى قاومت الاستعمار وتولت حكم البلاد وونيس وأخوه هما الجانب الشريف من الجيل الجديد وأبناء عمومتهم الثلاثة هم الجانب الفاسد من الجيل الجديد والذين يتعاملون مع مراد الذى يمثل إسرائيل تابع الغرب الذى يغريهم بالنساء وبالمال ويتجسد ذلك بوضوح عندما يقول أحدهم بعد أن مارس الجنس مع احدى الفتاتين مخاطبا مراد (حقا انك تاجر بارع يا ابن العم) وولاد العم لفظ يطلق دائما على اليهود رغم أن تعريف مراد فى أول الفيلم أنه غريب.

ولكن الأغرب من ذلك والذى يؤكد هذه الفكرة هو أن فيلم المومياء الأمريكى الذى أُنتج فى 1999 تأليف وإخراج ستيفن سومارز أظهر شخصية اليهودى سارق الآثار أيضا بنفس ملامح مراد فى فيلم المومياء ويكاد يكون بنفس الصوت وطريقة الكلام.

المرئى

سأستعرض بعض المرئيات والتى ذكرت فى العديد من الكتب ومنها لحظة الصراع بين الأبن الأكبر وعميه اللذان يطلبان منه أن يحل محل أبيه فى سـرقة الآثاروالإبن يرفض وتحكم الأم بين الطرفين لذلك نجد طرفى النزاع فى وضع متقابل الابن على اليمين والعمين على الشمال، بينما تجلس الأم فى الوسط فهي مركز الاهتمام وفى المنطقة الأكثر إضاءة ومواجهة للكاميرا وبقية الشخصيات فى وضع البروفايل وتنحرف الدكة لليمين لتعبر عن موقفها حيث يميل قلبها لابنها.

نجد ونيس محاصرًا بين حائطين تعبيرًا عن حالته النفسية فهو لا يستطيع أن يتخذ قرارًا هل ينضم لأخيه أم ينضم لأعمامه وكأن الحائطين أو بالأحرى الجانبين يطبقان عليه وهو يحاول أن يدفعهما بيديه حينما يقف ونيس بين رغبته فى زينة وبين مبادئه وتدفعه رغبته لاحتجازها بيده ولكن مبادئه الصلبة كالحائط الجرانيتى تهزم يده ورغبته فتنزل يده ويدعها تمر وكانت المقارنة واضحه بين قوة المبادئ رغم شدة رغبة الشباب.

بعد أن اتخذ ونيس قراره بإخبار الأفندية بسر المقابر، يذهب إلى باخرتهم، فيتم تسليط كشاف ضوئي عليه لاستجلاء شخصيته، وتكون هذه أول مرة يقع فيها وجه ونيس فى طبقة إضاءة عالية وكأنه اكتشف هويته أخيرًا وعرف ذاته التي كان يبحث عنها.

فيلم المومياء علامة فارقة ليس فى السينما المصرية فقط بل فى السينما العالمية بمرئياته التى ترسخ للأسس والقواعد السينمائية العريقة.

· مجلة اكتوبر المصرية