محمد حديد وانقلابيو شباط 1963..يقول الاستاذ محمد حديد في مذكراته عن انقلاب شباط الاسود واعتقاله:

محمد حديد وانقلابيو شباط 1963..يقول الاستاذ محمد حديد في مذكراته عن انقلاب شباط الاسود واعتقاله:

وفقا لبعض المصادر المطلعة على الاوضاع في المنطقة في ذلك الحين، كان حزب البعث في سورية قد استأنف نشاطه، واعاد علاقاته مع حزب البعث في العراق، الذي كان، رغم اجازته كحزب رسمي، مغامرا وفعالا في عمله السري وفقا لتلك المصادر.وفي مستهل عام 1963 بحث اعضاء من حزبي البعث العراقي والسوري، في بيروت،

وسائل تغيير النظامين في البلدين ونظرا لاهمية مشاركة ضباط الجيش المرتبطين بالبحث، او الذين يمكن تعاطفهم تشكلت لجنة سرية ضمت ممثلين عن حزب البعث، ومجموعة من الضباط الاحرار بهدف السعي للاطاحة بحكم عبد الكريم قاسم، وكانت دوافع بعضهم ناتجة عن انتمائهم الى حزب البعث، بينما تجسدت دوافع البعض الاخر في اطار العداء الشديد لحكم عبد الكريم قاسم.

ورغم ان واجهة المؤامرة كانت بعثية الا انها كانت، في الواقع، من عمل الضباط المصممين على استمرار وتعزيز الطبيعة العسكرية للحكم، رغم النزعات الايديولوجية التي حاول حزب البعث تغليف ذلك التوجه بها.

وفي تلك الفترة كانت البلبلة في الوضع السياسي مستمرة، وكذلك التباطؤ في تنفيذ الاصلاحات المطلوبة، فضلا عن الحركات العسكرية في الشمال ضد الاكراد، وازمة الكويت. وكانت هذه امورا شجعت العناصر والقوى الخارجية على التآمر ضد النظام، والقيام بحركة عسكرية للاطاحة به. وبرغم ذلك كان التأييد الشعبي للحكومة ما يزال واسعا. ولم يكن هناك، في الواقع، تذمر خطير يهدد النظام، عدا الاضراب الذي بدأه بعض طلاب جامعة بغداد في كانون الاول (ديسمبر) 1962.

وجراء شعور قاسم بالخطر من بعض المتآمرين لجا الى اعتقال بعضهم وانذار البعض الآخر، الامر الذي زاد من حذر المتآمرين، ودفعهم الى التحرك السريع.

ونتيجة لذلك التآمر فوجئت الجماهير العراقية صباح يوم 8 شباط 1963، وكنت في ذلك اليوم قد نهضت من النوم متأخرا نوعا ما لانني تاخرت في النوم الليلة السابقة، وقد كانت ليل اول خميس في الشهر حيث موعد بث حفلة اغاني ام كلثوم من اذاعة مصر. وعندما كنت استحم في ذلك الصباح اخبرتني زوجتي ان ابني هيثم اتصل بها هاتفيا ليقول لها انه سمع من اذاعة بغداد بيانا حول انقلاب عسكري للاطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم، فانهيت الاستحمام بسرعة، وبدأت الاستماع الى الراديو، فاذا بصوت سيدة، علمت في ما بعد انها هناء العمري (زوج علي صالح السعدي)، يلعلع باذاعة البيان رقم واحد بوقوع الانقلاب، اضافة الى بث اناشيد حماسية، وذكرت الاذاعة بان طائرات المتآمرين بدأت بقصف وزارة الدفاع ومعسكر الرشيد، فحاولت الاتصال بوزارة الدفاع، وبدار عبد الكريم قاسم، فلم استطع لانقطاع خطوط الاتصال.

فاتصلت ببعض الاصدقاء والزملاء السياسيين، وعلمت ان الجماهير محتشدة في الشوارع، وان عبد الكريم قاسم توجه الى وزارة الدفاع وسط هتافات الجماهير المؤيدة له. وحسب ما علمت في ما بعد فان مناقشة جرت بين عبد الكريم قاسم وبعض الضباط المؤيدين له حول خطة المقاومة، اذ كان بعضهم يرتأي ان يذهب الى مقر اللواء 19 في معسكر الرشيد الذي كان عبد الكريم قاسم قائده، وكان الافراد وضباط الصف يؤيدونه تاييدا مطلقا. وكان البعض الاخر يرتأي الذهاب الى وزارة الدفاع باعتبارها مركزا للاتصال مع مختلف القطع العسكرية، فرجح الاختيار الثاني الذي لم يجد نفعا، من الناحية العملية، لان كثيرا من القادة العسكريين، كما بينت سابقا، كانوا اما متآمرين او تخلوا عن الولاء لعبد الكريم قاسم، ولم يظهروا استعدادا للتحرك ضد الحركة الانقلابية. ولو ان عبد الكريم قاسم ذهب، حسب رأيي، الى مقر اللواء 19 واستخدم ذلك اللواء في السيطرة على المراكز المهمة في بغداد، لربما نجح في قمع تلك الحركة، ولكان وضعه افضل من التقوقع في وزارة الدفاع التي كانت هدفا لهجوم الطائرات، وقصف القوات المتمركزة في الوزارة. كما ان المتآمرين استخدموا بعض وسائل الخداع، اذ كانت بعض الدبابات التي سيطر عليها من معسكر ابو غريب تحمل صور عبد الكريم قاسم لحمايتها من غضب الجماهير المحتشدة على طول الطريق، والتي كانت تطالب بالسلاح لمقاومة الحركة الانقلابية، ولكن عبد الكريم قاسم لم يستجب لذلك الطلب تحاشيا لقيام حرب اهلية.

وقوبل الانقلاب بمقاومة شعبية قوية، حيث قامت خلال اليومين الاولين مقاومة في الشوارع ادت الى خسائر كبيرة في الارواح قبل ان يتمكن الانقلابيون من السيطرة على الموقف.

وكانت دوافع منفذي مذبحة الشيوعيين والمعارضيين الاخرين للبعث تكمن في الثأر ممن دعموا نظام قاسم، من جهة، والتخلص من المبادئ المناهضة للبعث من جهة اخرى.

اما انا فبقيت في البيت انتظر تطورات الاحداث واراقبها من خلال الراديو والتلفزيون، فعلمت بقرار حجز اموالي واموال زوجتي وابني هيثم، مما يدل على انه قد تقرر اعتقالي، ولكني بقيت في داري منتظرا تطور الاوضاع الى ان حسمت المعركة باستسلام عبد الكريم قاسم وظهور صورته في التلفزيون وهو يعدم في دار الاذاعة. وذلك ما قصده المتآمرون من اعلانه بالتلفزيون، اي التأثير في معنويات الجماهير.

وبعد ذلك قررت بناء على اقتراح من زوجتي في يوم الاحد، بعد اعدام عبد الكريم قاسم وانتهاء المعركة لصالح المتآمرين – وكنت متوقعا اعتقالي، ان انتقل الى دار نسيبي نجيب الصابونجي في منطقة العلوية، كانت خالية لان نجيب الصابونجي كان خارج العراق. فانتقلت، مع زوجتي وابنتي الى هناك، تجنبا لاية احتمالات اعتداء متوقعة قد تقع علينا في داري المعروفة، وتركت الحارس في البيت.

وهناك اخذت الاخبار تصلني من الحارس حول زيارة مجموعة من الضباط الى بيتي والتجول في غرفة، والاستفسار من الحارس عن مكاني. وكان يجيبهم بعدم معرفته المكان الذي توجهت اليه. وقد علمت فيما بعد ان احد الضباط حيثما وجد على مكتبتي قسما من محاضر مفاوضات النفط، ومسودة القانون رقم 80 قال للحارس هذه اوراق ومستندات يجب العناية بها والمحافظة عليها.

وفي يوم الاربعاء 13 شباط (فبراير) 1963 اخبرني الحارس بان الضباط جاؤوا ثانية والحوا على معرفة مكاني وهددوه بالاعتقال ان لم يخبرهم، فشعرت عند ذلك بان لا مناص من تسليم نفسي الى السلطة، فكلمت – هاتفيا – الصديق صديق شنشل سكرتير حزب الاستقلال الذي كانت لي معه صداقة وعمل مشترك في الاعداد لثورة 14 تموز (يوليو) 1958، والذي كان يفترض ان يكون كلامه مسموعا لدى الانقلابيين، واخبرته بمكاني، واعلمته ان هناك محاولة لاعتقالي. فجاء الى البيت الذي كنت فيه، وبعد قليل جاء مدير شرطة النجدة عبد الموجود، وهو تكريتي على معرفة بعائلتنا في الموصل، وكان يرافقه معاون شرطة لقبه (السامرائي) وكان يبدو ان بعثي متحمس وعنيف، اذ تهجم علي شخصيا فنهره صديق شنشل. اما مدير شرطة النجدة فكان هادئا ومجاملا، واخذني مدير الشرطة بسيارته الرسمية عبر شارع الكفاح (غازي سابقا). وكان هناك اطلاق نار كثيف وكانت المقاومة مستمرة. واذكر ان مدير الشرطة ابلغ عبر تلفونه النقال بانه عثر على الدار التي يوجد فيها توفيق منير وكان يقاوم، فطلب منهم قتله. وقد وصلنا الى ثكنة الخيالة السابقة في باب المعظم، حيث مقر الحاكم العسكري، كما اتصل بصبحي عبد الحميد مدير الحركات الجديد.

وكنت قلقاً من ان يأخذوني الى مجلس السيادة الذي كان مقراً لقيادة حزب البعث التي كان يرأسها علي صالح السعدي، حيث اخذ كثيرون الى هناك واهينوا قبل إيداعهم السجن، حتى ان عبد المجيد جليل مدير الأمن العام قتل في الحال هناك، وقيل ان اغتياله كان بقصد إخفاء اسرار كثيرة تتعلق بحزب البعث.

أوعز الحاكم العسكري ان يأخذني مدير النجدة بسيارته الى السجن الرقم 1 في معسكر الرشيد. وهناك سلمني الى مدير السجن العسكري حازم الصباغ (الملقب بحازم الاحمر)، وهو من الموصل وله صلة قربى مع عائلة زوجتي الصابونجي، فكان غياب الشتائم نوعا من المجاملة. امر مدير السجن الحراس بايداعي بما سمّي بغرفة الوزراء، وهي غرفة قريبة من مكتب مدير السجن كان فيها اكثر من عشرين شخصاً من وزراء عبد الكريم قاسم وبعض المدراء العامين والمسؤولين المدنيين، وبعض العسكريين من مرافقي عبد الكريم قاسم، قاسم الجنابي وحافظ علوان. ومن الوزراء كان احمد محمد يحيى وزير الداخلية، واسماعيل العارف وزير التربية، ومحمد سلمان وزير النفط، وطلعت الشيباني وزير التخطيط. وكان هناك ايضا رشيد مطلك الذي كان صديقا لعبد الكريم قاسم، وحسن الطالباني وزير المواصلات، وحسن رفعت وزير الاشغال والاسكان، وبعض الشخصيات الاخرى ممن لا اتذكر اسماءهم وكان بعض الزملاء الموجودين يقومون بمساعدتي في حياتي اليومية في المعتقل.

وكان في الغرفة المجاورة احمد صالح العبدي رئيس اركان الجيش، وهاشم جواد وزير الخارجية. وكانت هناك عدة قاعات اخرى مليئة بالمعتقلين واكثرهم من العسكريين المتهمين بالشيوعية او بتاييد عبد الكريم قاسم. وطلبت من السيد عبد الموجود الذي اتى بي الى الموقف بان يدبر لي ايصال عدة نوم وملابس من داري، فقام بذلك فعلاً، فافترشت الارض شأن المعتقلين الاخرين الذين كانوا يتمددون واحدا بجانب الآخر. وكان ملحقا بالغرفة مغسلة ومرحاض، في حين ان نزلاء القاعات الاخرى كانوا يخرجون كل صباح الى المرافق.

وقد شكلت عدة لجان عسكرية ومدنية للتحقيق مع المعتقلين، ولجنة خاصة للتخقيق مع الوزراء وشخصيات الحكومة السابقة وبعض الشخصيات الرسمية الاخرى وكان رئيسها عبد الرحمن الدوري وسكرتيره الضابط النقيب علي كريم.

عن كتاب محمد حديد / مذكراتي، الصراع من اجل الديمقراطية في العراق.