محمد حديد كما يراه كامل الجادرجي

محمد حديد كما يراه كامل الجادرجي

إعداد: رفعة عبد الرزاق محمد

كتاب (صورة اب) للاستاذ رفعت الجادرجي، من الكتب المهمة التي تصور الحياة الخاصة وغير المعروفة للكثيرين الشخصية سياسية كبيرة، فهو – بحق – تصوير صادق للحياة اليومية في دار الاستاذ كامل الجادرجي زعيم الحركة الديمقراطية في العراق.

وقد تضمن الكتاب انطباعات الاستاذ الجادرجي من العديد من الشخصيات التي زاملها في مسيرته السياسية، ومنها شخصية الاستاذ محمد حديد، وقد وددنا ان نعرض للقارئ الكريم بعض من هذه الانطباعات والذكريات.

يذكر الاستاذ رفعت الجادرجي (ص151): كنت ذات يوم مع جمع كبير من الزائرين في غرفة الوالد بالسجن (1957) وكانت قد حدثت حوادث عنف في سجن الموصل على ما اتذكر، وخرجت مظاهرات او حصل اضراب ووقع اطلاق نار، فسأل احد الحاضرين الوالد كم يعتقد هو عدد القتلى، فاجابه في الحال: عشرة، فسأله نفس السائل: "ماهو المصدر؟ فقال الوالد: حسين جميل يقول ارتفع عدد القتلى الى خمسين، ومحمد حديد يقول ان العدد يتراوح بين الستة والسبعة، وعليه توصلت انا الى الرقم عشرة وقد كانت نكتة ضحك لها الحاضرون..

ويذكر عند حديثه عن ثورة تموز 1958، فيقول ص(156):

.. وربما كان يدور في ذهن الوالد ايضا عدم استساغته لأشتراك الاحزاب، السياسية في الحكم بعد الثورة العسكرية مباشرة. وقد حدثني الوالد بعد الثورة باسابيع عما كان يدور قبلها من مباحثات واتصالات، وكيف ان حلقة الوصل كان رشيد مطلك (وكان صاحب معمل لصنع لوحات النيون الاعلانية)، مع محمد حديد في شركة الزيوت النباتية التي كان يديرها. كما حدثني ان موضوع اشتراك الاحزاب في حكومة الثورة قد بحث طويلاً، وكان من رأيه هو شخصياً بان يقوم الجيش بالثورة وبعد ثباتها خلال الاشهر اللاحقة تشكل حكومة مدنية من الاحزاب الوطنية... على ان التكتم بشأن هذه الامور كان شديداً كما هو متوقع وطبيعي. لذلك لم نكن نعلم نحن في الدار شيئا سوى التنبيه عليّ ليلة الثورة بضرورة العودة المبكرة الى المنزل. كذلك اذكر ان هديب الحاج حمود زار الوالد قبل الثورة بايام فطلب من الوالد ان يبقى في بغداد لعدة ايام اخرى دون ان ينبئه بالسبب. اما محمد حديد فقد اضطر ان يسافر الى الموصل قبل الثورة بسبب وفاة والده فارسل له رشيد مطلك برقية يقول فيها ان سعر القطن او بضاعة اخرى لا اذكر هو 14 ولم يكن هذا الرمز متفقا عليه بينهما لذلك اذكر ان والدي قد انب رشيد مطلك على هذا التصرف وقال له: "كان هذا قد يؤدي الى كارثة".

... وفي احد الايام التي اعقبت الثورة، كان محمد حديد (وقد تولى وزارة المالية) يجلس مع الوالد في دارنا، وكنت موجودا معهما، فطلب في تهيئة تصميم لشعار الجمهورية، وقال لي ان الامر مستعجل بسبب قرب تغيير الدينار العراقي وضرورة وضع شعار جديد عليه عند طبع الاوراق النقدية الحديثة. فاتصلت في الحال بجواد سليم، ليس فقط لانه في اعتقادي الفنان الاول في العراق بل لما له من خبرة ايضا في تصميم الشعارات اذ كان قد وضع شعارا ً ناجحا لجمعية المهندسين.

وفي الصفحة (169) يقول رفعت الجادرجي: رويت للوالد حكاية اخرى عند رجوعه من موسكو وقعت في غيابه، وخلاصتها ان صبيح محمود شكري اخبرني ذات مساء بان في نية البعض بالاشتراك مع جهة امنية رسمية، المجيء الى دائرتي صباح اليوم التالي لالقاء القبض علي رسوقي الى محل ناء ثم الاعتداء علي بالضرب والاهانة ومن ثم تركي وشأني، ونصحني صبيح بالهروب والاختفاء فرفضت ذلك. لكنني ذهبت في الحال الى محمد حديد واخبرته بما بلغني، فقال لي: وما هو الحل؟ قلت: افضل الحلول ان اداوم غداً في دائرتي كالمعتاد، اما انت فترتب لي مقابلة مع عبد الكريم قاسم بحيث يجري استدعائي من الدائرة من قبله في نفس الموعد المخطط لالقاء القبض عليّ. وقد قام محمد حديد بترتيب ذلك خير قيام، فلما استدعاني كريم قاسم فسدت الخطة المعتدين.

اما عن القطيعة بين الجادرجي وحديد، يذكر الاستاذ رفعت الجادرجي (171) لم يكن من عادة والدي التنديد بخصومه مهما بلغت حدة الخلافات الفكرية او الاجتهادات السياسية. لم اسمعه مثلا يندد في يوم ما بموقف محمد حديد او بشخصه، رغم الاختلاف الحاد المعروف الذي وقع، بل اذكر ان الحديث انجرّ في احدى المناسبات الى انقسام الحزب، فلما جاء ذكر محمد حديد وانعدام او توقف لقاءاتهما اليومية التي استمرت دون انقطاع لمدة تزيد على ربع قرن. التفت نحوي ووجه الحديث الي قائلاً: اني اشعر ان جزءاً كبيراً من جسمي قد انفصل، واشار بيده اليمنى وهو يقول ذلك الى القسم الايسر من قبله.

وفي الصفحة (179) يقول:

جرت مقابلة بين ابي وعبد الكريم قاسم في وزارة الدفاع، وذلك بعد وقوع الانشقاق في الحزب الوطني الديمقراطي وخروج محمد حديد منه وتأليفه لحزب آخر خاص هو الحزب التقدمي. واذكر ان الوالد تأخر ذلك المساء في وصوله الى الدار حتى الثامنة والنصف او ما بعد ذلك. وبعد وصوله طلبني وبلقيس (زوجة الاستاذ رفعت الجادرجي، وهي السيدة بلقيس شرارة) وجلس معنا يقص لنا ما دار في المقابلة. قال: حين دخلت غرفة الانتظار قررت ان انتظره مدة 15 دقيقة فقط فاذا لم تتم المقابلة بعد انقضائها اخرج معتذراً، لكن المقابلة حصلت خلال تلك الفترة وفي اثنائها اطلعني عبد الكريم قاسم على ثوبه المدني الذي كان قد وضعه في دولاب زجاجي فقلت له ارى رفع هذاالثوب. قال لماذا؟ قلت لانه منظر قبيح. وقال ابي: سألني كريم قاسم في سياق حديثنا عن رأيي بمحمد حديد فقلت له لا تجد احسن منه بشرط ان ترفع الوهينات عنه.