فرق الجالغي البغدادي في أوائل القرن الماضي

فرق الجالغي البغدادي في أوائل القرن الماضي

عبد الكريم العلاف

ما احلى لیالي الأنس و الطرب و إن كانت مقتصرة في بغداد یومذاك على السباحة في نهر دجلة بواسطه القوارب البلام (جمع بلم) لاسیما إذا كانت اللیالي مقمرة و الذهاب الى الجزره الكاوریه و على الجلوس في مزارع الباقلاء (الباجله).

و احسن مزارع الباقلاء هي ارض الممیز و تقع في طریق الاعظمیة و اصبحت الآن دورا و مدارس. و الجلوس في مزارع الباقلاء خاص بأناس تعودوا احتساء الخمر بها اذ تشاهدهم منبثین بها منتشرین في جوانبها و جلوسهم عصر كل یوم وقت العشاء، و لا تخلو هذه المجتمعات من غناء المقام العراقي و اغلبه مقام البهیرزاوي. و كثیرا ما كان المغني العراقي احمد زیدان یجلس مع اصدقائه في هذه المزارع رافعا عقیرته یغني و الناس یستمعون الی مقاماته وبستاته. اما الجالغي البغدادي فاقول:

یتألف جالغي بغداد و هو الجوق الموسیقي البغدادي من فرقتین تحتوى على الجوزة والسنطور و الدف و الدنبك. الفرقة الاولى: و تشتغل لیلا في مقهى الممیز في رأس الجسر القدیم و قوامها كل من القارئ اي المغني المرحوم احمد زیدان و نسیم بصون عازف على الجوزة و شاؤول بصون عازف علىالسنطور و حسقیل شاؤول ضارب على الدف و شاؤول زنكي ضارب على الدنبك.

و الفرقة الثانیة تشتغل عصر كل یوم في مقهى سبع بالمیدان و قوامها كل من القارئ حسن الشكرجي مره و السید جمیل البغدادي مره اخرى، و صالح شمیل عازف الجوزة و حوكي بتو عازف على السنطور و یوسف حمو ضارب على الدف و عبودي امعاطو ضارب على الدنبك. و عندما یغني المغني تشاهد الجالسین و على رؤوسهم الطیر و كلهم آذان صاغیه لاستماع ما.یلقیه اولئك المغنون الذین حفظوا الحان الغناء بالروایات و التدریس الشفوي المستمر.

و لم تكن المقامات العراقیة تغنى یومذاك و حدها في جالغي بغداد بل یتخللها اغاني البستات عند نهایة كل مقام یغنى، و كان یأبي القارئ ان یغني البسته مع المغنین. و من اشهر تلك الاغاني اغنیة"ما دار حسنه ابشمر"و"لابس ضریبي"و"امسلم و لا امفارج هله"و"كمرة و ربیعة"و"لولا الشعر ینباع"و"یالزارع البزرنكوش"و"حول خیال الشكرة"و غیرها، و من الاغاني التركیة اغنیة"عربي فلاهي"اي فلاحي و اغنیة"ذریه كدرسن یا بیك"بمعنى این ذاهب یا بیك.و غیرها و هذه الاغاني بادت و كأنها لم تكن. و على ضوء كتابة هذه الاسطر یجب ان لا ننسى المغني یوسف حوریش الذي لم یجعل الغناء مهنة له إلا في ایامه الاخیرة و هو مغني مجید اخذ الغناء عن احمد زیدان و عن روبین رجوان و اتقن اداءه حتى اصبح من المغنین المعدودین اشتهر بمقام واحد هو مقام الخنبات بعد ان سجله باسطوانة لاقت اقبالا عظیما عند هواه المقام العراقي.

ونجم الشیخلي كان مغنیا جهوري الصوت و في اول امره انخرط مع زمره الشغالة في حفلات المنقبة النبویة و قد اخذ یصول و یجول فیها مستعینا بصوته حتى اشتهر و بعد احتلال بغداد اعتلى كرسي الغناء في مقهى عزاوي بالمیدان فكان الاقبال علیه منقطع النظیر و حینما وردت ماكنة تسجیل الاسطوانات على الحاكي الى بغداد كان في طلیعة من دعوا الیها و سجلت له اسطوانات.عدیدة لا زلنا نسمعها بین الآونة و الاخرى. ومحمد القبانجي الذي لم تعرف بغداد في تاریخها الحدیث و القدیم مغنیا و مطربا كالمطرب الاستاذ محمد القبانجي. لقدحفلت سیرته بأعاجیب فنیة و امتلأت حیاته بمواقف موسیقیة ملأ صداها الاندیة فأرتفع بها الى مستوى فن المقام العراقي. كان القبانجي هبهة من مواهب الفن و فرحهة من فرحات الموسیقى الشرقیة. لم یأخذ الاستاذ القبانجي الغناء العراقي عن احد كما قیل بل استولى علیه بفطرته الغنائیة و ذكائه العراقي فكان مطربا بارعا و مغنیا فصیحا سمعته لأول مره فقلت: أشهد انك خاتم المغنین یا محمد.

عن كتاب (بغداد القديمة)