نص نادر.. رحلة الى شفاثا و قصر الأخيضر سنة 1913

نص نادر.. رحلة الى شفاثا و قصر الأخيضر سنة 1913

كاظم الدجيلي

ركبنا من كربلاء في صباح يوم الجمعة ١٩ من شهر ربيع الثاني ١٣٣١هـ الموافق ٢٨ آذار سنة ١٩١٣م - وخرجنا من أحد أبواب كربلاء المعروف عندهم بباب الحر وسرنا متوجهين إلى الشمال الغربي قاصدين شفاثا وبعد مسير ٣ ساعات مررنا بهور (أبي دبس)

وكان عن يميننا على بعد ١٥٠ متراً وهو عبارة عن بحرة في منخفض من الأرض يبلغ انخفاضه ٥ أمتار تقريباً ويصب فيها (نهر الحسينية) بقية مياهه ويبلغ محيطها نحو نصف ساعة وماؤها ملح وفي شماليها تقع (الرزازة) على بعد ساعة منها ثم سرنا في منهبط من الأرض ذي رمال كثيرة ليس فيه أثر طريق ولولا الدليل لما قدرنا على السلوك فيه - وكم سالك تاه ثمة ولم يوقف على أثرة حتى اليوم - وبعد مسافة ساعتين رأينا عن يسار الطريق على بعد ٢٠ دقيقة تلولاً وأودية في وعر من الأرض وهو موضع يسمى عندهم (رأس دخنة) وهو منتصف الطريق بين شفاثا وكربلاء. وفي جنوبي رأس دخنة على بعد نصف ساعة يمر (وادي الأبيض) (وبالتصغير وتشديد الياء) وهو الذي سماه الأعراب النازلون قرب عربسات (وادي النعمان) ثم سرنا وبعد مسافة ساعة ونصف نزلنا للاستراحة والغداء عند قبر في أركانه الأربعة سعفات مركوزة يعرف عندهم باسم (قبر ابن حمور) وهو من أهل شفاثا ومن اجوادهم المعروفين بالجود والكرم وقد قتل قبل ٢٥ سنة ودفن هناك فقبره اليوم علم يعرف وهو منزل ركب كربلاء إلى شفاثا ويقابل قبر ابن حمور (رأس الملح) والملح هناك في بحرة كبيرة واسعة يبلغ محيطها للماشي على ما ينقل يومين. وملح أهل كربلاء وبغداد وما في غربي بغداد منها وملحها جيد ناصع اللون ذره اني.

ثم سرنا وبعد مسافة ربع ساعة قربنا عن يميننا من طريق شاطئ الملح المذكور وكان على بعد نحو ١٠٠ متر منا. وبعد مسافة ساعة رأينا عن يسار الطريق على بعد ربع ساعة إلى الغرب نخلات في البرية حولها عين تسمى(العوينة ) على بعد ساعة دخلنا نخل شفاثا وما زلنا سائرين مقدار ساعة بين تلك النخيل الباسقة والأشجار العظيمة ذات الثمار اليانعة والمروج الخضراء النضرة والمياه النميرة الغزيرة التي خريرها يطرب السامعين حتى وردنا شفاثا (التي يسميها العوام شثاثة) بل قل: وردنا قصراً من قصور شفاثا اسمه (قصر العين أو العين الكبيرة) وعندها سوق أهل شفاثا ونزلنا ضيوفاً على الحاج شريف وهو أحد أجواد أهل شفاثا لأن أهل شفاثا يأنفون من بيع الخبز والتمر وما أشبه مما يؤكل وليس للغريب عندهم مأوى سوى المضيف (أي محل الضيافة) وإلا هلك جوعاً وكل أهل شفاثا شيعة وليس بين ظهرانيهم سني سوى المدير والقاضي وما أشبههما من أرباب الحكومة ومن كرم طباعهم أنهم يقبلون النصراني واليهودي ضيفاً على أنهم يعتقدون نجاستهما ولا تسل عما يقاسمونه من المشقة حينما يحل ضيفاً فيهم غير المسلم؛ بين أنهم لا يعرفونه أنهم يتنجسون منه وذلك منهم في منتهى الأدب والظرف. وفي شفاثا عيون كثيرة منها ماؤها جارٍ ومقدارها ٣٠ عيناً ومنها ماؤها راكد وتبلغ ١٠٠ عين أما أسماء العيون الجواري التي هي في داخل شفاثا نفسها فهي: الأولى (العين الكبيرة) وهي أكبر عيون شفاثا ويبلغ محيطها زهاء ٥٠ متراً ولا يدرك غورها والثانية (العين الحمراء) وحولها عين صغيرة تسمى (عين مريزة) والثالثة (عين السيب) والرابعة عين (أم التين) والخامسة (العين الجديدة) وجميع مياه هذه العيون الجواري يذهب ضياعاً بدون أن يستفاد منه واحد بالمائة.

وماء شفاثا معدني كبريتي لا يروي الغليل إلا قليلاً إذ يعطش شاربه بعد ٥ دقائق وإذا أكثر من شربه في الصيف أنهك قواه وقويت فيه جراثيم الحمى المطبقة فظهرت فيه بعد قليل

ولا ينحسم داؤها منه إلا بعد مدة طويلة.

أما العيون التي حول شفاثا فهذه أسماء بعضها (عين الصحيفة) عين (أم الغر) عين (البركة) عين (أم الغويل) عين (أبو صخر) بالتحريك.

وفي نفس شفاثا ١٥ قصراً (والقصر عندهم المحلة التي يرأسها رجل من أهلها راجع لغة العرب ٢: ٥٤١) وهذه أسماؤها وأسماء رؤسائها الحاليين: قصر العين (أي العين الكبيرة) ورئيسه الشيخ محسن العباس، قصر البوهوي ورئيسه الملا حسين، قصر ثامر ورئيسه حمزة الرميد، قصر أم رميلة ورئيسه السيد حسن، قصر الجنون ورئيسه خضر العبلي، قصر البو حسان (بتشديد السين وهو أحسن القصور) ورئيسه عباس الملا، قصر البو حسان أيضاً ورئيسه عبد العلي العزيزة، قصر اسالي ورئيسه الحاج فرحان، قصر الدرواشة ورئيسه حسين العبد، قصر البو جربوع ورئيسه صديان، قصر البو طريمش ورئيسه متعب الشامخ، قصر الخرائب ورئيسه عباس السليمان، قصر السمينة ورئيسه مشعل الفاضل، قصر الحساويين ورئيسه الحاج فيصل، قصر المالح ورئيسه عبد الله العاشور، قصر البوحردان (وزان عدنان) ورئيسه كلوب.

أما بناء دور شفاثا فجلها إن لم نقل كلها باللبن والطين لا غير ومسقفة بجذوع النخل ومغماة السطوح (أي مفروش على سطوحها الطين) وفي شفاثا سوق واحد صغيرة يباع فيها الحنطة والشعير والتمن (أي الأرز) والتمر والثياب (أي الأقمشة) على اختلاف أنواعها.

وقد أخبرني مدير شفاثا الحالي الحاج سليم أفندي رواية عن المعمرين من أعراب تلك الجهة أن شفاثا لم تكن قبل مائة سنة تقريباً سوى بربة فيها بعض النخيلات لا ساكن فيها غير أن البدو الرحل كانوا ينزلونها أحياناً وكانت مساكن أهل شفاثا إذ ذاك في عين التمر. ولما نضب ماء عين التمر وجرى ماء شفاثا الكبيرة رحل أهل شفاثا عن عين التمر ونزلوا حول عين شفاثا الكبيرة وبنوا دورهم الحالية وأخذوا يغرسون النخيل منذ ذلك الحين وكانت العين في أول أمرها صغيرة ثم توسعت مع الزمان حتى بلغت مبلغها اليوم.

أما اليوم ففيها من النخل المثمر (الحمال) مقدار ٥٠٠ ألف نخلة (رأس) ويبلغ مسافة نخلها نحو خمس ساعات والنخلة مغروسة بجنب أختها لصقاً وفي الطرف الشمالي من شفاثا بين النخيل (قصر شمعون) وهو قصر قديم البناء قد تهدم أكثره راجع وصفه في المجلد ٢:

٥٤٠ من لغة العرب.

ولا يزال قوت أهل شفاثا التمر والدبس لأنهم لا يتعاطون مهنة غير مهنة غرس النخل حتى أنهم قبل عامين أخذوا يزرعون الحنطة، والشعير، وألقت (الجت) والخيار والبانجان، والباميا أو البانيا، والطماطة أو الباندوري. وما يجري مجراها من أنواع الخضر. وكذلك أخذوا يغرسون في بساتينهم شجر التين، والخوخ، والمشمش، والتوت (لنكي) والبرتقال، والليمون (النومي) وأهل كربلاء من العجم يسمونه الليمو بكسر اللام) والعنب والرمان وما أشبه.

وأهل شفاثا يكثرون من شرب الشاي الترياق (أي الأفيون) وترى في وجوههم صفرة تمازجها سمرة وأكثرهم قضيفو الأبدان ولهم عادات وأخلاق أخرى لا يسع المقام شرحها.

وفي صباح يوم السبت الساعة ٢و٢٠ دقيقة عربية ركبنا من شفاثا قاصدين الأخيضر وكان وجهنا إلى الجنوب وقد ركب معنا مقدار ١٠ فرسان من أهل شفاثا وخمسة من الجند العثماني لأن الطريق مخوفة جداً لكثرة ما يوجد فيها من غزاة البادية وأكثر أولئك الغزاة من عشائر عنزة لا غير وقد يتفق أن يكمنوا لزوار الأخيضر في الأخيضر نفسه فيمسكوهم بأيديهم ويأخذوا جميع ما عندهم وما عليهم ويتركوهم عراة مجردين مكبين لليدين وللفم.

ثم مشينا بين النخيل والأشجار والأرياف مسافة عشرين دقيقة وخرجنا إلى البر المقفر القاحل الذي ليس فيه سوى الروابي والتلول والأودية وفي فصل الأمطار يفرش الربيع أزهاره وأوراده على هذه الطريق فتغدو بساطاً موشىً وشته أصابع الطبيعة البديعة - أما نحن فلم نشاهد فيها سوى الزهر المعروف بشقائق النعمان ويسميه أهل العراق (شجيرة النعمان) والبدو الرحل وأهل الشرقية (ديدحان) ومنه قول شاعرهم الملا ياسين من أبيات يصف فيها معشوقته: (يا ديدحانه أبراس وديان).

وبعد مسافة ٢٠ دقيقة مررنا بعين تسمى (عين الصفيحة) وعندها قصر ينسب إليها وهي واقفة في غربي قصر شفاثا. وبعد مسافة ٢٠ دقيقة رأينا عن يسار الطريق على بعد ٣٠٠ متر منا تلاً كبيراً مستطيلاً يبلغ طوله زهاء ١٠٠ متر وعرضه قراب ٤٠ متراً وارتفاعه نحو ٦ أمتار يسمى (آبجة أي آبقة) وبعد مسافة ساعة مررنا (بالقصير) (تصغير قصر)

وهو عبارة عن بناء مستطيل قد تهدم جانب منه والباقي منه يبلغ طوله نحو ١٥ متراً في عرض ٣ أمتار في ارتفاع ٦ أمتار وبناؤه بالحجارة التي بنى بها قصر شمعون والبرد ويل والخراب والأخيضر. وهو على مرتفع من الأرض وفي أسفله وادٍ ينسب إليه وحوله

كثير من التلول والأودية.

ثم جاوزناه وبعد مسافة ساعة وردنا الأخيضر وقبل ورودنا القصر على بعد ١٠ دقائق تقريباً رأينا رعاة يردون ركايا واقلبة هناك وعندما شاهدونا أطلقوا علينا رصاصة ظانين أننا أعداء فأشار إليهم أحد أصحابنا عباءته وتلك إشارة الصديق فعلموا أننا لا نريد الإساءة إليهم فانصرفوا عن القصر وتوجهوا ذاهبين إلى الشرق ثم وردنا القصر قبيل الزوال ببضع دقائق.

مجلة ( لغة العرب) السنة الثالثة ـ تموز 1913