بغداد كما وصفها الموظف العثماني عالي بك سنة 1885

بغداد كما وصفها الموظف العثماني عالي بك سنة 1885

د. عماد عبد السلام رؤوف

2ــ 2

لغة السكان ولهجاتهم

إن لغة الأهلين - بوجه عام - اللغة العربية، وكثير منهم يتكلم التركية، إلا أن اللغة العربية دخلتها ألفاظ أجنبية كثيرة، [منها:] (يَواش) و(دَرد) و(خوش) و(جاريك(، وأمثالها من تركية وفارسية، عدا ذلك فإن الإنكليز يقولون بدل قدح: (كلاس)، فهو مستعمل،كما أنهم يتصرفون بالكلمات التركية، فيقولون: (مُجمَّر)؛ أي: أصابه (جامور)، وهو الطين، و(مجرك) من (جرك)، و(يوجالش) من (جاليشور).

دور المدينة

وبيوت بغداد مبنية من الآجر الأصفر، ولم يكن عندهم الجص، وإنما يجعلون عوضه ما هو مركب من رمال وعلك أسود، ويطلون به الحيطان، وهذا ينوب مناب التبييض في الجص،وداخل الغرف يُطلى بالجص الذي يأتون به من هيت الواقعة على نهر الفرات، وهذا لا يستعمله إلا الأغنياء في بيوتهم، والباقون يطلون الحيطان بالطين ويبنون به،وإن أكثر الحيطان تتهدم في السنين التي يكون فيها المطر شديدًا في الشتاء، وإن هذه البيوت لم تكن كما في إستانبول، وإنما تبنى بصورة سريعة، وإن الأبنية تكون من جهتين، أو من ثلاث، أو من أربع جهات، وكلها ناظرة إلى الساحة، وأحيانًا تبنى السراديب، ويعد البناء في طبقتين، وتكون أمام الغرف ممرات في ساحة يقال لها: (طارمة)، وليس للدور طابق ثالث، وقد توجد غرفة أشبه بالصندوق، وتقع بين الغرف يقال لها: (كفشكان)، وهي غرفة صغيرة معلقة،وفي ليالي الصيف ينام السكان على السطوح، وهي من تراب[54] أو مفروشة بآجر.

وفي البيوت لا يوجد ماء جار، وإنما توجد آبار، إلا أن السقائين يأتون بماء الشرب من الشط، عدا ذلك فإن في إدارة البلدية الأولى مضخة ماء تمد بعض المحلات بماء الشط بواسطة أنابيب.

[الأزقة ببغداد]

إن أزقة بغداد كلها ليست مبلطة؛ ولذا لا تخلو من غبار في الهواء يابس، وفي المطر: من طين لا يمكن أن يجتازه المرء بسهولة،إن المملكة التي ليس لها صخور لا يعمل فيها تبليط، حتى إن الحمامات في مجازاتها ومواطنها تبلط بالقير أو الأسفلت، فإذا مطرت فإن الأزقة بسبب ما فيها من تراب لزج لا يستطيع الإنسان أن يجتازها دون أن يزلق، أو يقع في الطين بسبب لزوجته،ثم إنه ليس للمملكة....؛ ولذا يستعملون (البالوعات) في الأزقة أو في البيوت، فإذا أمطرت السماء تمتلئ البالوعات، وإن الأزقة تعود إلى حالة جيدة، وإن البالوعات توضع في أفواهها طابوقة (آجرة) ذات ثقب، ولم يدم استعمالها، بل في الغالب تكسر أو يوسع فمها، وإن المشاة أو الفرسان العابرين والمارين يكون ذلك تهلكة عليهم.

مياه الشرب

إن مضرات السقائين الذين يحملون الماء إلى بغداد ومزعجاتهم كثيرة، وهؤلاء يحملون أوعية من جلد المعز يسمونها قِربة، يحملونها على حميرهم، يأتون إلى الشاطئ وينتهون بالشريعة، فيملؤون تلك القِرب ويضعونها على الحمير، وهذه ليس لها أجلة ولا حبال، وإنما يمسك السقاؤون القِرب على الحمير، ويمرون على الأزقة في جادة أو جادتين، لا يسع المار منها فارسًا، فهي ضيقة، وتلوث المارة بطينها ورطوباتها، فتولد أوساخًا فيهم، وعدا ذلك فإن غالب القِرب فيها ثقوب يظهر منها الماء فيبل المارة.

النقل في بغداد

إن ضيق الأزقة يمنع من مرور العربات واستعمالها؛ ولذا نرى أن للمرء عدة حيوانات في بيته تبعًا لما يملك من قدرة، ولا يوجد حصان أو كديش للكراء، إلا أن حمير الكراء تكون بيضاء جميعها، وإن أصحابها هم الذين يسوقونها، ولا يستعملون عصا أو مقرعة، وإنما يركضون خلفها ويقولون: (خي) (دخي)، ومن ثم وبمجرد سماع ذلك، فإن الحمير تسرع في مشيها،ولما كانت الأزقة خالية من التبليط، فلا يسمع لذلك جرس أو أجراس في رقبتها فتنبه الماشي في الطريق، أو أن ينادي أصحابها بلفظ: (بالك.

إن نقل الأثقال والأحمال في بغداد خاص بهذه الحمير، وعدا ذلك فإن الأكراد من أهل راوندوز وكركوك يكونون حمالين،وإن الحمير وكذا الحمالين يوضع على ظهرهم [شيء] أشبه بجل الدابة يمنع تأثير الحمل على الظهر، وإن أحدهم يمسكها من جهة كقرب السقائين، وإذا كان الحِمل كبيرًا فمن جانبيه، يعتني كل واحد بجانبه، فيمسكونها،وإن أغلب الحمالين لا يضعون ما هو أشبه بالجل، وإنما يستخدمون (كونية) تشبه العباءة، فيضعون الأشياء فيها ويربطونها بظهورهم ورؤوسهم،وإن رؤوس هؤلاء الحمالين قوية جدًّا، وتستدعي الحيرة؛ فإنهم ينقلون نحو خمسين أو ستين قية من الأحمال، ولا يبالون،وفي رؤوس الحمالين (كلاو)، وفي ظهورهم سترة أعجمية تمتد إلى ركبتهم، ويلبَسون شيئًا أشبه بالعباءة، ولم يكن لهم حذاء ولا لباس، وبعضًا يمتدون وينامون في رؤوس الأزقة، وإن الناظر يستنكره من لون سوقهم؛ لما فيها من منظر مستنكر وقبيح جدًّا، وكذا السقائون بهذه القيافة،وإن غالب الأهلين لا يلبسون اللباس الداخلي، ولم يكن الأمر مقصورًا على الحمالين والسقائين.

فإذا أراد المرء أن يعبر من الشط إلى الجانب الآخر، [فإنه] يستخدم (القفة) أو (الكَوفة، وهي حوض مدور، ونوع [من] زورق، وهذه القفف أشبه بالسبد (السبت)، أو السلة للأثواب، وتتكون من السعف، وتطلى بالقير أو الأسفلت، وليس لها رأس، وإنما هي مدورة، وإن القوَّافين يستخدمون الغرَّافة إلى أي طرف أرادوا أن يسيروا بها،وإن الأهلين يستخدمونها [في] مقام الزورق والبلم عدا المراكب البخارية [و] الكلكات.

وبين بغداد من جانب الكرخ وبين [قصبة] حضرة الإمام موسى الكاظم نحو ستة كيلو مترات من المسافة،وهناك خط الترامواي بين قصبة الكاظمية والكرخ، وهذا شيد قبل نحو خمس وعشرين سنة؛ [إذ] تأسست شركة مساهمة، و[إلى] الآن يشتغل هذا الخط، وإن الزوار من الإيرانيين في مواسم الزيارة ينتفعون منه.

[دكاكين وموازين]:

وإن الدكاكين القديمة في بغداد أعلى من الأرض بكثير، وإن كل دكان أمامه دكة، وهناك سلسلة في رأسها حلقة يستعين بها صاحب الدكان لصعوده ونزوله، كالبقال وغيره، والباعة يمدحون سلعتهم بغزل وغناء يجذبون به المشتري،[و] في ديار بكر (الوقية) أو (الكيلو) تعادل خمسمائة درهم، وفي حصن كيفا ستمائة وأربعون درهم، هكذا رأينا، وكلما صرنا إلى الجنوب يزيد مقدار الوقية، ففي بغداد (الوقية) ألف درهم، وتسمى (قية)، وربعها يقال له: ربع وقية، وإن القية ذات الأربعمائة درهم يقال لها: (قية) إستانبول، فإن الأوزان والأكيال في بغداد متنوعة، وإن هذه تتنوع بنوع المال وجنسه، وتتخالف في نوعها، وكذلك النقود، فكل عشرة متاليك (قرش) أي (غروش)، وعشرين متليك (قمري)، وأربعون بارة (أربعة قروش)،وإن الوارد جديدًا في المدينة من المسافرين لا يعرفون أن كل عشر بارات (غرش)، ولأول وهلة يرى الأشياء غالية جدًّا، حتى إن خدامنا استغلوا هذا الغلط؛ فضاعفوا مصرف الطبخ، فأخذوا منا أربعة أضعافه.

طائر اللقلق:

يكثر في بغداد [في] أيام الصيف عدد اللقالق، وهذا الطائر يتحول من محله البارد إلى الأماكن الحارة، وعند وروده يأتي جماعات من خمسة أو عشرة أو عشرين، وإن الصغار يصيحون من فم واحد (كع)! ومعناها: اسقط إلى الأرض، ولما يسمع هذا الطائر أصواتهم تختل موازنته، فيقع عدة منه إلى الأرض، وفي الحقيقة يحصل هذا من الغراب.

التبغ:

إن التبغ في هذه المملكة الحارة إذا يبس كالبارود لا يدخن، ولا يجنى فيحصد، وهنا يستعمل نوع من التبغ يقال له: (شاغور) أو (شاور)، يزرع في السليمانية وكركوك، وإن الأهلين أكثر ما يدخنون الناركَيلة، كما أن النساء عامة يستعملن الناركَيلة، وإذا زارت إحداهن الأخرى أو ذهبت إلى الحمام أو إلى المسيرة تحمل معها الناركَيلة، وإن الناركَيلة تبيعها النساء من العرب في الأزقة، وهي تعمل من جوز الهند، ويقال لها: (غليان)، أو (غليون).

قضيت أول ليلة في بغداد في دار بهجت بك، وفي اليوم التالي 5 تشرين الأول من يوم الاثنين استأجرت قصرًا خاليًا لرزوق عبود، وفيه حدائق برتقال ونخل، وهو في جهة الباب الشرقي من بغداد، فانتقلت إليه، ثم التقيت بوالي الولاية تقي الدين باشا، ومشير الفيلق السادس هداية باشا، ومتصرف المركز ناظم بك، ورأيت باقي الموظفين،أما تقي الدين باشا فقد كان ذا علم وفضل مع شدة ذكاء وصفاء ضمير مع شيخوخة، وهداية باشا ذو همة فائقة، وحميَّة وغَيرة.

طوب أبو خزامة:

إن الوالي يقيم في قصر النجيبية المار الذكر، ولما مررت في ذهابي إليه بباب المدفعية رأيت مدفعًا من النحاس العتيق (برنج)مستقرًّا على دكة بعلو نصف ذراع، وفي أطرافه أمراس، وهذا المدفع كان قد استخدم أيام السلطان مراد الرابع حين فتح بغداد، فرأيت على الأمراس قد وضعت قطع من القماش بالية، وهذا مما جلب نظري وأدى إلى تعجبي، فسألت بعض الأشخاص الذين كانوا بجانبي، فأجابوا: أن الخلق يقدسون هذا المدفع ويأتون لزيارته ويَدْعون!، حتى إن بعض النساء الذين ولد لهم أولاد جدد يأتون بهم إليه، ويضعون أولادهم في فوَّهته، ويمررونه بين أطرافه، ويدعون له بطول العمر.