فيلمون وهبي مع فيروز وصباح

فيلمون وهبي مع فيروز وصباح

محمد الزيباوي

صعد فيلمون مع الأخوين رحباني إلى مدرج بعلبك، وشارك عام 1960 في "موسم العز" حيث غنّت صباح من ألحانه "يا أمي طلّ من الطاقة". بدأ الملحّن تعاونه الفعلي مع فيروز في عام 1961، فلحّن لها "يا كرم العلالي" التي غنّتها في بعلبك ضمن "البعلبكية"،

ثم في معرض دمشق الدولي. تكرر اللقاء بين شعر الأخوين رحباني وألحان فيلمون عام 1962 في مسرحية "جسر القمر" حيث غنّت فيروز "جايبلي سلام" في بعلبك ودمشق، وغنّى نصري شمس الدين في هذه العمل المسرحي "هدّوني هدّوني" و"نقلي نقلي". استمر هذا التعاون على مدى سنوات الستينات. في عام 1964، قُدّمت "بياع الخواتم" في الأرز ثم في دمشق، وفيها غنّت فيروز "يا مرسال المراسيل"، وغنّى نصري "عالعالي الدار". في العام نفسه، غنّت صباح "أنا ما سكّرت الباب" في فيلم "ليالي الشرق". قُدّمت "دواليب الهوا" في بعلبك عام 1965، وفيها غنّت صباح "عِنّي يا منجيرة"، "عتيمة عالعتيمة"، "يا أمي دولبني الهوا". عام 1966، غنّت فيروز "كتبنا وما كتبنا" في دمشق، وبين "جايبلي سلام" و"كتبنا"، تحضر أغنيتان يصعب تأريخهما بشكل دقيق، وهما "عالطاحونة" و"يا كرم العلالي". عام 1968، صُوّر فيلم "بنت الحارس"، وفيه غنّت فيروز "طيري يا طيارة". أفتُتحت عروض "الشخص" في دمشق في نهاية الصيف، وتواصلت في بيروت في شتاء 1969، وفيها لعب فيلمون دور المحامي وغنّت فيروز "فايق يا هوى". بعدها، لعب فيلمون دور "نعوم الهبيلة" في "جبال الصوان" حيث غنّت فيروز "صيّف يا صيف" في بعلبك وفي دمشق. في المقابل، تواصلت الشراكة الفنية بين صباح وفيلمون طوال تلك السنوات، وأثمرت مجموعة كبيرة من الأغاني. في 1960، ظهر فيلمون على الشاشة مع الشحرورة في فيلم "معبد الحب" حيث غنّى برفقتها مطلع "دقّ الباب افتحتلو". وفي 1961، غنّت الشحرورة من نظم مارون نصر "دلّو يا دلّو عادربي دلّو". كرّت المسبحة، وتوالت الأغاني، وغالبيتها كما يبدو من كلمات توفيق بركات: "واقفة عراس الطلعة"، "قوم تنلعب باصرة"، "جوزي ما بيلفي عالبيت"، "السمكة علقت بالصنارة"، "جنينة حبيبي"، "راجعة على ضيعتنا"، و"بلّوطاتك بلّوطة" التي صارت بعدها "ستّوتة يا ستّوتة". ومن شفيق المغربي "يا ربّ تشتّي عرسان" و"يدوم عزّك". ومن عبد الجليل وهبي "يا طالعين عالجبل". ومن توفيق العطار "يا زحلاوية". ومن مارون كرم "محبوبي جندي بالجيش".

يمثل إنتاج السبعينات استمراراً لهذا العطاء. مع الأخوين رحباني، مثّل فيلمون دور "شبلي" البوهيمي في "يعيش يعيش" عام 1970، ولحّن لفيروز "ليلة بترجع يا ليل". عام 1971، غنّت فيروز "لو فينا نقّي حبايبنا" في دمشق ضمن عروض "ناس من ورق"، وغابت هذه الأغنية عن عروض المسرحية في بيروت عام 1972 لأسباب مجهولة. عام 1973، لعب فيلمون دور البدوي في "المحطة" وقدّم لفيروز "يا دارة دوري فينا". بعدها، غنّت السيدة "على جسر اللوزية" ضمن برنامج "قصيدة حب" في بعلبك. عام 1974، عُرضت "لولو" في بيروت ثم في دمشق، وفيها برزت "من عزّ النوم بتسرقني". عام 1976، غنّت فيروز في معرض دمشق الدولي "أنا خوفي من عتم الليل"، وهي آخر الأغاني التي جمعت بين صوتها وشعر الأخوين رحباني ونغم فيلمون. من جهة أخرى، تضمنت معظم مسرحيات صباح لحناً لـ"شيخ الملحّنين". عام 1972، في مسرحية "مين جوز مين"، غنّت شحرورة الوادي من كلمات توفيق بركات "روح تجوّز يا عبدو". وفي عام 1973، غنّت من كلمات الشاعر نفسه "عندي بستان يا سعدى" في "الفنون جنون". في 1974، قُدّمت "وتضلو بخير" في بعلبك، وفيها غنّت من شعر طعان أسعد أغنيتين منسيتين: "تعا عيش هوانا يا هوى" و"كرجي يا غالي كرجي". ثم غنّت لأحمد شعيب "عيني يا عيني" في "ستّ الكل". عُرضت "حلوي كتير" في عام 1974، وتضمنت "روحي يا صيفية" من شعر طلال حيدر، و"تغندري يا مغندرة" لجورج خليل. تنتهي هذه السلسلة مع مسرحية "شهر العسل" عام 1978، وفيها من كلمات توفيق بركات "شو اسمك" و"شرفي وأرضي".

لا ينحصر إنتاج فيلمون وهبي في ميدان التلحين بهذه الأغنيات. تشمل هذه المسيرة ألحاناً أخرى متفاوتة من حيث القيمة الجمالية، بعضها لا يزال حياً في الذاكرة، وبعضها مجهول تماما. لم يأخذ وديع الصافي من فيلمون سوى عدد محدود من الألحان، وهي "قالت بترحلك مشوار"، "حلوة وكذّابة"، "صبية يا صبية"، "يا ريت قلبي"، "رايح عبيروت"، "هالدلعونية"، "تبقو اذكرونا". كذلك، تعاون نصري مع فيلمون من خارج الحلقة الرحبانية وأثمر هذا التعاون مجموعة كبيرة من الأغاني، غير أن أياً منها لم يحصد شهرة "هدّوني" و"نقلي نقلي". بدورها، غنّت وداد من كلمات توفيق بركات "الناس وصلو للقمر"، ومن أسعد السبعلي "لا تغار يا قلبي" و"يلاّ ينام إبني". وشدت سميرة توفيق أغاني عدة، منها من شعر عبد الجليل وهبي "يا هلا بالضيف"، "ضربني وبكى"، "يا أسمر يا ناسينا"، "لولا ما بحبّك"، ومن شعر توفيق بركات "حبّك مرّ". وغنّت وردة أغنيتين مجهولتين، "على شو" من كلمات عبد الجليل وهبي، و"بحب الأسمر" لميشال طعمة. جذب هذا النوع من الألحان الشعبية المطربة المصرية شريفة فاضل، فغنّت "حبيبي نجّار" و"يوم الأحد"، وعرفت هاتان الأغنيتان انتشاراً واسعاً.

من الأصوات المنسية، غنّت سامية كنعان "جارتنا يا جارتنا"، وأدّت الشقراء رنده أغاني عدة، منها "ترلم" من كلمات توفيق بركات. وكان لهالة الصافي، شقيقة وديع، بعض الألحان. ولسعاد هاشم "لا وعيوني ما نسيتك"، ولشقيقتها نهى "انا فقيرة". من الجيل الثاني، خصّ فيلمون كلاًّ من ملحم بركات ومروان محفوظ وغسان صليبا بمحموعة ألحان. وكل هذه الأغاني تحتاج إلى من يعيد اكتشافها.

العطاء الأخير

في السنوات الأخيرة من عمره، وضع فيلمون وهبي لفيروز مجموعة أغانٍ بعد انفصالها عن الأخوين رحباني. صدرت اسطوانة "دهب أيلول" في عام 1980. تحت عنوان "فيلمون وهبي يطلق سراح حنجرة فيروز العربية"، كتبت مجلة "المصباح": "يبدو أن فيروز قد اختارت بشكل حاسم أسلوب التعامل مع الحملة الإعلامية المركزة التي تحاول عن طريق التجريح الشخصي الحاد والمتواصل إحراجها في موضوع انفصالها عن زوجها الفنان عاصي رحباني، وعن المؤسسة الرحبانية عموما. هذا الأسلوب هو الصمت الكامل على صعيد الأحاديث الصحافية، والإنصراف التام إلى المرحلة الجديدة من حياتها الفنية. في هذا الجو نزلت إلى أسواق بيروت اسطوانة فيروز الجديدة التي تحمل أربع أغنيات، كلها من كلمات جوزف حرب وألحان فيلمون وهبي"، وهذه الأغاني هي "يا قوني شعبيي"، "يا ريت منن"، "طلعلي البكي" و"وورقو الاصفر". بعد ثلاث سنوات، أطلقت فيروز "إسوارة العروس"، وفي عام 1989، صدرت الأغنية بعد رحيل ملحّنها على اسطوانة ضمّت ثلاث أغنيات أخرى كتبها جوزف حرب هي "بليل وشتي"، "أسامينا" و"لمّا عالباب"، وحمل الغلاف الخلفي للإسطوانة كلمة من فيروز تقول: "كل اللي تركتن اشتاقولك. وكل اللي جايين رح يحبّوك". بعد خمس سنوات، صدرت أغنية "يا رياح" التي كتبها طلال حيدر، وهي آخر أغاني فيلمون في هذا الميدان. وقد غنّتها فيروز في حفل أُقيم وسط بيروت، وأطلقتها على أسطوانة ضمّت أغنيات من الماضي.

بدأ فيلمون مغنياً، ثم انصرف إلى التلحين والتمثيل، واشتهر بأغانيه الشعبية وبأدواره الهزلية، ولم يخرج على هذا المسار إلا نادراً، كما في تلحينه قصيدة عمر أبو ريشة "يا عروس المجد" التي أنشدتها المغنية السورية سلوى مدحت. هجر الملحّن الظريف الغناء الطربي في مطلع الخمسينات، لكنه أدى العديد من الألحان الطريفة ذات الطابع الهزلي الساخر، مثل "بشتك بم" و"بسيطة"، ثم "همبرغر" و"كلاشنيكوف". نراه يغنّي مع الشقراء قمر "حو حو يا بردي" في فيلم "موعد مع الأمل"، ونسمعه وهو يردد مع نهاد سرور "عجقة سير". بين المزاح والجد، ترك فيلمون وهبي مجموعة كبيرة من الألحان والإسكتشات الفكاهية خلال مسيرة طويلة رافق فيها عدداً كبيراً من الأصوات "الكبيرة" و"الصغيرة"، وانتهى مهجّراً من بلدته في آخر فصول الحرب الأهلية اللبنانية، لاعناً الحال التي آلت إليها بلاده في مونولوغ لاذع أدّاه بصوته الأجشّ الأليف.

· عن النهار اللبنانية