أسطورة فيلمون وهبي:  سَبْع الملحنين

أسطورة فيلمون وهبي: سَبْع الملحنين

خطيب بدلة

لديَّ من الشجاعة ما يكفي لأن أعتبرَ الموسيقار اللبناني فيلمون وهبي "أبا عماد" شخصيةً أسطوريةً مثل دونكيشوت، والجندي الطيب شفايك، وزوربا، وروبنسون كروزو.. لعل الفارق بين الحالتين أن تلك الشخصيات اخْتَرَعَتْها مخيلاتُ المبدعين الكبار سرفانتس وياروسلاف هاشيك وكازنتزاكي ودانيال ديفو، بينما فيلمون شخصية واقعية، حقيقية، أصلية، بسيطة، خالية من الرتوش.

قبل أن أضيء لحضراتكم الجوانب التي أراها عبقرية في شخصية فيلمون وهبي الذي كان يُلَقَّب "شيخ الملحنين" وأحياناً "سَبْع الملحنين"، أرى لزاماً عليّ أن أشير إلى مقالة الأستاذ عبد الغني طليس المنشورة في الحياة 24/3/2010، ومقالة الصحافي محمود الزيباوي في ملحق صحيفة النهار الثقافي، 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2010، ومقالة الصحافي ياسر علوي بصحيفة الشروق 14 شباط/ فبراير 2014، وحلقات من برنامج "وفاء لذكراه" على قناة تلفزيون لبنان الذي عرض مقابلات مع فيلمون أجراها رياض شرارة، والحلقة الخاصة من برنامج "في زمن الكبار" على تلفزيون "MTV 6"، مارس/ آذار 2016. وموضوعات أخرى متفرقة.

وصف الباحث والمؤلف الموسيقي الدكتور وليد غلمية ألحان فيلمون وهبي بأنها: إعجاز في بساطتها وتعقيدها. سوف أسجل الآن المعلومات والإشارات والحقائق التي تؤيد فكرتي عن شخصية فيلمون وهبي الأسطورية:

* كان فيلمون واحداً من الموسيقيين الخمسة الذين أرسوا دعائم الأغنية اللبنانية (الأصح: الأغنية الشامية)، وقد أُطْلِقَ عليهم لقب "عصبة الخمسة"، وهم، بحسب أقدميتهم في الولادة: فيلمون وهبي (1914)، زكي ناصيف (1916)، عاصي الرحباني (1923)، توفيق الباشا (1924)، منصور الرحباني (1925(.

* كان فيلمون وهبي مهملاً للدراسة، بسبب ولعه بالموسيقى والعزف على العود والغناء، وقد ترك المدرسة، وحمل عوده وانطلق يجوب في البلاد الواسعة (فلسطين - العراق - مصر – لبنان).

* كتب سليم اللوزي في أيلول/ سبتمبر 1955 لمجلة "الكواكب" المصرية متحدثاً عن انتشار الأغاني اللبنانية في بغداد، مثل: "دخل عيونك حاكينا"، و"أبجد هوز اسمع مني لا تتجوز"، و"برهوم حاكيني"، ثم روى حكاية فيلمون وهبي ملحّن هذه الأغاني، وقال: قصته من أحلى القصص، فقد قابلتُه أول مرة في مدينة يافا بفلسطين عام 1944، وكنت يومها أشغل منصب المساعد العام لمدير البرامج العربية في محطة "الشرق الأدنى". انطلق الفنان القادم من قرية "كفرشيما" اللبنانية في مسارح تل أبيب وملاهيها، يفتح أذنيه لكل نغمة موسيقية، ثم يعود مع آخر الليل من تل أبيب إلى يافا مشياً على الأقدام، وهو يغني الميجانا أو العتابا أو أبو الزلف. وعاد إلى لبنان، واشتغل بائعاً متجولاً للألحان اللبنانية التي كان يصنعُها، ويأكل رغيفاً ويضع عليه حبّات من الزيتون في قريته "كفرشيما" القائمة على كتف الرابية التي تطل على بيروت.

* يتابع اللوزي: وكان فيلمون يشعر أن الأغنيات التي يصنعها هي ألحان "بازارية"! تتألف من شوية أنغام مصرية، مخلوطة مع شوية أنغام لبنانية، وأنغام عراقية، إلى أن حدث ذات يوم أن ذهب إلى مبنى دار البريد والبرق في بيروت ليسأل ما إذا كانت هناك حوالة باسمه، أو رسالة، أو خبر يهدّي به معدته ومعدة أمه الصابرة في القرية. وهناك، على أرض مبنى البريد، وجد قصاصةً من ورق الجرائد طُبِعَتْ عليها قصيدة زجلية مطلعها: "على نار قلبي ناطر المكتوب"، فلحنها، وكانت هذه الأغنية أول حجر في مجد فيلمون وهبي الذي أصبح اليوم، خلال الخمس سنوات الأخيرة، ناطحة سحاب!

* ويشرح اللوزي: وقامت منافسة فنية واسعة بين صنّاع الألحان اللبنانية، كالأساتذة نقولا المُنَى وسامي الصيداوي ووديع الصافي، وكان فيلمون بطل الساحة، فقد انتشرت ألحانُه كما تنتشر بقع الزيت فوق الأمواج. كان يضع اللحن، ويعطيه لمن يطلبه مقابل دعوة متواضعة إلى الغداء، مثلاً، وفي آخر الليل، يذهب إلى الملاهي ليستمع إلى ألحانه وهو واقف على الباب، لأنه ليس في جيبه ثمن بطاقة الدخول والشراب.

* على الرغم من الفقر المزمن، عاشَ فيلمون وهبي حياته الفنية بعقلية "المختار" أو الزعيم الشعبي المتواضع. كان، بحسب ما يروي في مقابلة تلفزيونية، شبيهاً بجده عبدو وهبي الذي كان يخرج لخدمة الناس مرتدياً الطقم الكحلي! فكان الناس يطرقون بابه ويقصون عليه معاناتهم، فيذهب معهم إلى المحاكم والدوائر الحكومية لمساعدتهم في إطلاق سراح موقوف، أو الحصول على رخصة صيد، ويجد في ذلك متعة لا تضاهى، والمهم أنه، كما صَرَّحَ، لم يكن يقبل أن يمد العون لمعتدٍ أو ظالم أو متبطل.

* وعن موضوع حبه لفعل الخير، يسأله الإعلامي رياض شرارة: هل صحيح أنك تلحن بمستويات مختلفة من حيثُ الاهتمام؟ فيجيب تلقائياً كمن ينفي عن نفسه تهمة ظالمة: لا والله، أبداً، أنا لا أعطي لحناً لأحد من المطربين إلا إذا كنتُ راضياً عن مستواه الفني. ويضحك ويستدرك: وحتى اللي ما بيدفعوا لي تمن اللحن كنت ألحن أغانيهم بنفس السوية. ويحكي، بهذه المناسبة، طرفة، وهي أن مطربة وعدته أن تدفع له ثمن اللحن، وذات مرة ذهب إلى بيتها ليستلم المبلغ المتفق عليه، فإذا بها جالسة تبكي بجوار والدتها المريضة، وقالت له إنها لا تمتلك ثمن الدواء، فحن قلبه عليها، ووجد في جيبه خمس ليرات قدمها لها!

* قدم رياض شرارة ملاحظة مهمة، وصحيحة في الوقت نفسه، وهي أن فيلمون غزير الإنتاج، ومع ذلك فهو لم يقع في "التكرار". وسأله: أنت كيف بتلحن؟ فقال فيلمون: بلحن أنا وماشي، أنا وبالصيد، أنا وبالبيت، أنا وقاعد، أنا وعم إشرب سيجارة، لما بتجي الغنية الواحد بينعبط وما عاد يعرف كيف يسجلها. وأما حينما "يقرر" أن يلحن فإنه لا يستطيع ذلك.

* وللتأكيد على صعوبة الغناء "بقرار" يروي فيلمون الحكاية التالية: قلت مرة لـ أم عماد: الليلة بدي أسهر وأعمل لحن كبير. وسهرت وشربت حتى دخت وتفنجروا عيوني، وبعدها (فقعت موال بغدادي) مما أحفظ، ونمت!

* لَحَّن فيلمون مئات الأغاني لكبار المطربين والمطربات، من دون أن يدرس الموسيقى وقراءة النوتة. روي عنه أنه عندما يفرغ من قراءة القصيدة التي تُقَدَّمُ له يضع الورقة جانباً ويتناول العود ويدندن باللحن الأساسي الذي يطلع معه بأول "سليقة". هو يقول إنه لا يحب أن يلحن لمطرب واحد بل يوزع ألحانه على الجميع. لذلك، حينما أراد موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب أن يعزي بوفاته سنة 1985، قال: - إنني لا أعزّي بموت فيلمون وهبي العظيم، إنما أعزي الأصواتَ التي كانت تنهل من نبعه الغزير.

* يحكى أن إحدى الإذاعات اللبنانيّة أرادت أن تتقصى حال الجمهور مع أغاني فيروز، ففتحت الهواء لأصوات الناس يعبرون عن حبهم لفيروز، وإذا بأكثر الأغاني التي اختارها المتصلون بالإذاعة هي من تلحين فيلمون وهبي. والغريـــب أن الإذاعة نفسها لم تنتبه، ولم تُشِرْ الى أن الأغانـي المختارة كانت من صنع فيلمون وهبي، لأن الكلام كان يجري على قيمة الأعمال "الرحبانية" نصوصاً وألحاناً بصوت فيروز.

* سؤال من رياض شرارة إن كان فيلمون، بعد ذيوع الأغنيات التي لحنها لـ صباح (وعددها 75، بحسب تقرير تلفزيون لبنان، وأما فيلمون فيقول إن عددها 200)، وتعلق الناس بها، يجد أنه كان بالإمكان أن تكون أفضل من ذلك؟

يجيب فيلمون: هذا أكيد.. وأنا بعرف، والمختصين بيعرفوا إني لما أنا بلحن بعمل فَتْح جديد في اللحن، سكة جديدة.

* بدأ فيلمون وهبي حياته الفنية مغنياً، ثم انتقل سريعاً إلى التلحين، واشتهر بألحانه الشعبية منذ مطلع الخمسينيات، كما عُرف كصوت كوميدي محبّب في العديد من البرامج الإذاعية. في حديث يعود إلى الثمانينيات (قبيل وفاته)، يذكر فيلمون وهبي أن أول عمل أعدّه لفيروز في الإذاعة اللبنانية كان اسكتش "زيت وزيتون"، وأنه قدّم اسكتشات عديدة في بداية انطلاقة فيروز، وهي كانت تقوم بدور "فهيمة" التي يصطاد لها هو العصافير، وأحياناً بدور "وردة".

* يذكر منصور الرحباني في كتاب "طريق النحل" الحادثة التالية: كنا نستعد لتسجيل أول اسكتش لنا "بارود اهربوا". كنت أنا أمثل شخصية "مخول"، وعاصي يمثل شخصية "بو فارس"، وأعطينا شخصية سبع لشاب كان يغنّي معنا في الكورس، ولم أكن مرتاحاً لأدائه التمثيلي لأن شخصية "سبع" كانت مميزة وطريفة وتتطلب طواعية في التمثيل لم تكن موجودة لدى ذاك الشاب الذي أصلاً ليس ممثلاً محترفاً. يوم التسجيل شاءت الصدفة أن يمرض ذاك الشاب ويتغيب عن الإذاعة. تفتقت فجأة فكرةٌ في بال عاصي فسألني: شو رأيك نجرّب فيلمون للدور؟ وهكذا كان. وإذا بموهبة كوميدية هائلة مذهلة تنفتح أمامنا مع فيلمون خلال التمرين على شخصية "سبع"، وشخصية أخرى مستمدة من شخصية فيلمون نفسه. ومنذ ذلك الحين بدأنا مع فيلمون تعاوناً فنياً طويلاً. وقد نقلنا تينك الشخصيتين معنا إلى المسرح والتلفزيون والسينما والكثير من أعمالنا الفنية اللاحقة. وأشهد أن شخصية "سبع" انزرعت في شخصية فيلمون حتى اختلطت الشخصيتان، فذاب فيلمون نفسه بشخصية سبع حتى في حياته الشخصية والعامة. ومرات كثيرة كان ينسى نفسه في المجتمع، فيبقى "سبع" حتى خارج التمثيل، وعاش في هذه الشخصية طوال حياته.

* يقول منصور الرحباني لرياض شرارة: تعودنا على بعضنا نحن وفيلمون، وصرنا نحس كأن نحنا واحد، فبيكون دايماً إله لحن من ألحان فيروز، وهو دائماً ما بيخيب الظن، بيجي لحنه في الطليعة. لا شك أن فيلمون ملحن لبناني شعبي صادق بيعبر عن روحانية هالبلد بألحانه الحلوة، وفي بلحنو حنين وشجو، ومطرح ما بيروح بيحمل معه سطيحات "كفرشيما"، فيلمون في طليعة الملحنين اللبنانيين.

* تحت عنوان "فيلمون وهبي الأب الشرعي للأغنية اللبنانية"، يروي المؤرخ الموسيقي إلياس سحاب القصة الشهيرة لعاصي الرحباني عندما سأل والدته عقب انتهاء عرض مسرحية "المحطة" عن أفضل لحن أعجبها، فقالت له بعفوية: تقبرني أحلى شي أغنية "يا دارة دوري فينا".. وهي لا تعرف أنها لحن فيلمون وهبي!

* كلام إلياس سحاب حول أن فيلمون وهبي هو الأب الشرعي للأغنية اللبنانية صحيح، بدليل أن منصور الرحباني قال لفيلمون في مقابلة نادرة على شاشة التلفزيون السوري: كان بيي فاتح محل في أنطلياس، وكنت أنا عمري طنعشر سنة، وجيت أنت، ودلونا عليك، كنت أنت بوقتا شاب وإلك شوارب، وصرت تتفلسف علينا لأن نحن بوقتا ما كنا منعرف شي بالموسيقا!

* قالت فيروز مخاطبة فيلمون الغائب (في ذكرى رحيله): اللي تركتُن اشتاقوا لك، وكل الـ جايين راح يحبوك.

* قال منصور لفيلمون: أنت مخلص بفنك وبتشتغل من قلبك، ليش أحسن ألحانك هي اللي بتعطيها لفيروز؟

رد فيلمون: فيروز صاحبة صوت عظيم، مع هالصوت بيطلع الواحد "جوابات" وبينزل "قرارات". مين بيقدر يغني متل فيروز؟ أنت بتحسن؟

كان فيلمون، في عام 1937، مغنياً يردد المواويل البغدادية والأدوار القديمة وألحان "سليم الحلو". عاد من فلسطين إلى لبنان، ودخل "راديو لوفان"، أي إذاعة بيروت، وفيها راح ينشد من ألحان ميشال خياط ونجيب الشلفون، واستمر في الغناء أربع سنوات. ثم سافر، مرة أخرى، إلى فلسطين "يافا" ليعمل في محطة "الشرق الأدنى"، وهناك بدأ بالتلحين بتشجيع من محمد الغصين وأحمد الجرار، وكان لحنه الأول "على مهلك يا مسافر"، ولحنُه الثاني "حملتني فوق الألم" بصوت مطربة تُدعى حنان، وتبعهما لحن "بابا ما دريش بي" بصوت نجاح سلام، ثم كرّت الألحان، ودخل معها فيلمون إلى جميع الإذاعات العربية.

* قال سعيد عقل: (في تأبين فيلمون) مات فيلمون. غابت الضحكة، وانكسر سيف. كان تلاتة: النفحة الشعبية اللي قلال بيبدعوا متلها، والضحكة، والطلة العملاقة اللي بتملّي مسرح ووطن.

* يستغربُ بعض المتابعين من أن يكون ملحن "عروس المجد" و"إسوراة العروس" و"من عز النوم" هو نفسه الرجل الفكاهي المرح الذي يؤلف الأغاني الهزلية ويلحنها ويغنيها ويرقص بطريقة مضحكة أثناء ذلك. هذا الاستغراب مبني على نظرة خاطئة للفنون الفكاهية، والقول بأنها ليست ذات أهمية.. هنا يجدر بنا أن نقول إن أقدر الناس على الإبداع هم أولئك الذين يجيدون الضحك (الجاحظ)، وبحسب تعبير علي بن أبي طالب: من كانت به دعابة يبرأ من الكِبر "الغرور". ونقول أيضاً إن السمة الأساسية للمبدعين الكبار هي التواضع وليس "المنفخة"، ولكم أن تتخيلوا أن المبدع الكبير منصور الرحباني وافق ذات مرة "في السبعينيات" على أن يلعب دور المذيع، ليجري مقابلة مع فيلمون وهبي، خلال إحدى زيارات فرقتهم لدمشق.

· عن مجلة الكلمة