أهمية إستذكار جميل حمودي

أهمية إستذكار جميل حمودي

سعد هادي

يمتلك جميل حمودي (1924-2003) ميزة لا يمتلكها مجايلوه من الفنانين التشكيليين في العراق، اذ كان يغرد دائما خارج السرب، ربما حدث ذلك عن قصد مسبق أو جاء تعبيرا عن قصد مسبق وقد يكون نتيجة لردود فعلٍ شخصية، ولكن جميل حمودي، كونه رساماً ونحاتاً وناقداً حاول بإستمرار أن يكون حراً في خياراته وأن يضع نفسه في خانة المعارضة الفنية حين يكون للجميع موقف واحد أو في الأقل يتظاهر بذلك.

لنتذكر انه الفنان الوحيد من جيل الريادة الثاني أو الجيل التالي للرواد الذي لم ينتظم في احدى الجماعتين الفنيتين الرئيستين: جماعة بغداد للفن الحديث التي تزعمها جواد سليم (أقيم معرضها الأول عام1951) وجماعة الرواد SP التي أسسها وقادها حتى الستينيات فائق حسن. وجيل الريادة الأول "جيل التأسيس" الذي أقصده هو جيل الخمسة الكبار وقد رحل أفراده جميعاً عن عالمنا: أكرم شكري وعطا صبري وجواد سليم وفائق حسن وحافظ الدروبي. ومن تتوفر له فرصة الإطلاع على وثائق جمعية أصدقاء الفن (تأسست مطلع الأربعينيات وتعد التنظيم النقابي الفني الأول في العراق) تسترعي انتباهه رسالة موجهة من جميل حمودي، السكرتير العام للجمعية آنذاك الى هيئة إدارتها، تتألف من ست صفحات ويعود تاريخها الى 22آب1946، هذه الرسالة تشخِّص وبشيء من التفصيل أمراض الحركة التشكيلية في تلك الأيام، وقسم من هذه الأمراض مايزال مؤثراً وماتزال أعراضه ظاهرة للعيان، لقد إتخذ جميل حمودي في أول دور تنظيمي أساسي له موقف المعارض بدلاً من أن يكون مع الموالاة الفنية، واننا لنغمطه حقه حين نشير الى دوره التنظيمي هذا ونتجاوز ادواره الأساسية الأخرى ومنها دوره في ارساء أساسيات الثقافة الفنية عراقياً والذي تجسد بإصداره لمجلة "الفكر الحديث" خلال الأربعينيات، وهي المجلة المتقدمة على زمنها فكرياً ومهنياً، وقد نشرت على صفحاتها أولى تجارب الحداثة الحقيقية، ثم تمخضت عنها فيما بعد إتجاهات ومدارس ووجهات نظر.

كما مارس جميل حمودي طوال حياته الى جانب الرسم مهمة الناقد الفني بحماس وتمكن وبمعرفة دقيقة بما يكتب عنه وأكاد أجزم هنا أن جميل حمودي هو واحد من أفضل نقادنا إن لم يكن أفضلهم جميعاً ولو قيض له ان يترك الرسم في وقت مبكر من حياته ويتفرغ لمهمة الناقد وحدها لما أختلف دوره الريادي ولما اختلفت النظرة اليه كونه واحداً من مؤسسي الحداثة والعصرانية في ثقافتنا وواحداً من ذوي المنهجية الصارمة والحس النقدي المتميز وسعة الأفق ثقافيا، وهذه السمات لم تكن نتاجاً لطموحه ودأبه حسب بل جاءت أيضاً من خلال تواجده في باريس عاصمة الحداثة التي سافر ليستقر فيها في فترة حافلة بالصراعات والتحولات الفنية بعد الحرب العالمية الثانية، وقد تكاملت آنذاك الأطر النظرية والمنجز الإبداعي للحركات الفنية التي انبعثت في ما بين الحربين وتفرعت عنها معظم الإتجاهات والمدارس والأساليب وصولا الى زمننا الحاضر.

في باريس تعرف جميل حمودي الى ماهية الحداثة الفنية، عاينها عن قرب وتعرف على خصائصها وجالس ابرز روادها، ولنلاحظ هنا أمراً مهما يتعلق بالمسار التطوري لنشوء الحداثة الفنية في العراق وهو ان الجيل الأول الذي ذهب ليتعلم في الخارج لم يحضر معه حين عاد الا بعض التعاليم المدرسية والقوالب من نتاج القرن التاسع عشر وما يماثلها من أوليات المعرفة الفنية، وعلى بساطة وقلة ما حمله كان رد الفعل ثقافيا واجتماعيا تجاهه خطيرا، وانتقل الفن العراقي (بهدي من تجارب أوائل المبعوثين لدراسة الفن: أكرم شكري وفائق حسن وعطا صبري وحافظ الدروبي وجواد سليم وقبلهم عاصم حافظ) من حقبة عبد القادر رسام التي تتمثل فيها سمات العصر التركي وتعاليمه ولكنته التي ليست من الشرق ولا من الغرب الى حقبة الإتصال المعرفي بالغرب مباشرة وليس عن طريق وسيط ثالث، وعلى أهمية ما قام به المبعوثون الأوائل من دور في ترصين مهمة البحث الفني واضفاء السمات العصرانية عليها ونقل شخصية الفنان من خانة "الأسطة" الى خانة "المتعلم" ضمن التصنيفات الإجتماعية، فإن ثقافتهم كانت قاصرة عن الإحاطة بمدارس الفن الحديث ومناهجه وعاجزة الى حد ما عن تذوق انجازاته، ناهيك عن إعادة تمثل أصوله وبحوثه وإعادة تنميتها في أرض شهدت تعاقب حضارات مختلفة أو الإستفادة منها لتطوير اساليب محلية تستعير تقنيات ومظاهر التجارب المتقدمة لرسامي ونحاتي العالم مع امتلاكها لسماتها الخاصة. وهي المهمة التي تصدى لها بذكاء وتمكن جواد سليم ومن بعده شاكر حسن آل سعيد وجميل حمودي وآخرين ليكتسب الفن التشكيلي العراقي أولى نقاط قوته كما يرسخ أبرز تقاليده باعتباره منجزا حضاريا وثقافيا.

لقد خاض جميل حمودي في باريس تجربة الحداثة الحقة، ولكنه وياللمفارقة عاد منها بعد عقدين من الإغتراب وهو مخلص للحرف العربي، إذ توصل كما توصل فنانون قبله ومعه الى الأسرار الروحية والجمالية والفكرية للكتابة العربية، بل أنه (عدا فترة مبكرة من حياته) كرَّس جهوده الفنية كلها لهذه المهمة وعرف بها وأصبح أبرز أعلامها. وهذه المهمة تشير أيضا الى أنه ظل لوقت طويل يغرد خارج السرب قبل أن تصبح قضية استعمال الحرف العربي في الرسم والنحت متداولة ومستساغة ولم تعد تثير الكثير من ردود الأفعال.