عفيفة اسكندر بين العلاف والمصور حازم باك

عفيفة اسكندر بين العلاف والمصور حازم باك

إعداد: ذاكرة عراقية

كتب الاستاذ عبدالكريم العلاف في كتابه المعروف «قيان بغداد في العصر العباسي والعثماني» الصادر عن منشورات دار البيان ببغداد عام 1969 الطبعة الاولى، عن عفيفة اسكندرفقال:

هي قلب الجمال النابض اودعت يد القدر فيها اوصافا بدنية وخلالا نفسية فهي لا تستطيع ان تخفي محاسنها، بل تبدت وتجلت في اكمل جمال في نظر عشاق الجمال، جمال ساحر من صنع الخلاق لا صنع الحلاق لم تجد فيه شذوذا، ولابعدا عن الحقيقة المجردة من كل تقليد وكل مايشين كانت اعز احلام عفيفة وامانيها ابان طفولتها ان تكون مغنية لا راقصة والرقص الفني (البيزنطي) ترثه عن امها (ماريكة دمتري) ظلت عفيفة رغم صغرها والبيئة الصغيرة التي نشأت فيها تعلل نفسها بتلك الاماني حتى هيأ الله لها احد المشاهير الموسيقيين فحدثته عن امانيها وما يلم بخاطرها واستشف الرجل من حديثها رغبة قوية فيما تصبو اليه، فقلت لها بصدق واخلاص كوني راقصة تكوني مغنية فالرقص والغناء صنوان لاينفك احدهما عن الآخر ففكرت طويلا وخالت مايكون من امرها اذا هي احجمت ثم ما يكون اذا هي تراجعت؟ وفي هذا التفكير العميق اختارت سبيل الرقص اولا، على حد قول الشاعر «واول الغيث قطر ثم ينهمر» وراحت تخترق كل العقبات التي تحول بينها وبين امانيها فأخذ ذلك الرجل يرعاها ويبذل قصارى جهده في تعليمها تعليما فنيا محكما حتى نضجت وبدت علائم الفوز والنجاح تبدو على محياها فأعانها مرشدها واستاذها فضمها الى «ملهى الهلال» واندفعت ترقص فكان لرقصها رنة استحسان مما شجعها على الاستمرار فيه كل ليلة وما فتئت حتى انطلق صوتها من اعماق قلبها بأغان شائعة يومذاك فاحسنت فيها واجادتها وظلت هكذا حتى اعتلت كرسي الاذاعة فراحت تنثر درر اغانيها فتشنف آذان مستمعيها وكلهم آذان صاغية اليها وفي هذا الاقبال والفوز المستمر التفتت الى ما ينظمه النظامون اليها من الشعر الشعبي فاستطاعت بفضل نباهتها ان تميز بين الغث والسمين وكانت تختار الذي يروق لها ويوافق ذوق ابناء الشعب وهذه بادرة طيبة قلما توجد عند بعض القيان اللواتي عاصرنها ولما شعرت ان الشعر الشعبي لايفي بمرامها ركنت الى الشعر الفصيح فاتخذت شعر البهاء زهير رائدا لها وراحت تتغنى به فكان نصيبها الفوز والنجاح.

ويضيف العلاف: «وأهم شيء في طبيعتها انها تكره ان تنال شيئا مقابل ماتجود به وقد شاءت طبيعتها ان يكون العطاء ديدنها وان كانت معسرة,,, هذه هي عفيفة فهل تراني انحرفت عن الحقيقة؟ لست ادري..»!!

ولم يشر العلاف الى اسم الرجل الذي اخذ بيد الفنانة عفيفة اسكندر الى الغناء والفن لكن «ملهى الهلال» كانت تديره المطربة سليمة مراد آنذاك واشتغلت فيه راقصة «ماريكة دمتري» ام الفنانة عفيفة اسكندر وكان هذا الملهى باسم «ماجستيك» انشئ بعد احتلال بغداد في منطقة الميدان كما حال بقية الملاهي وظلت هذه الملاهي تشتغل في الميدان الى عام 1940.

اما المصور الصحافي حازم باك فيقول في لقاء معه: لقد تعرفت عليها في الخمسينات ابان اشتغالي كمصور صحافي في جريدة الشعب حين ذهب اليها مع القاصة الفلسطينية الراحلة (سميرة عزام) لاجراء لقاء صحافي معها فزرناها في بيتها بالمسبح وبعد ترحابها بنا قادتنا الى التعرف على نواحي الجمال في منزلها...

شاهدنا الاثاث الفاخر والديكورات الرائعة التي تنم عن ذوق جميل وشفاف وفي احدى الغرف كانت آلة البيانو تستقر هادئة تشعر كأن الانغام تنبعث منها لتجعل النفس مطمئنة, ومنشرحة وفي مكان اخر وجدنا المكتبة التي تستقر فيها مئات الكتب,,, وقد كانت كتب الشعر هي المميزة من بينها، لاسيما ان عفيفة كانت مغرمة بالشعر وفي زاوية اخرى انتصب جهاز التلفزيون شامخا (علما ان قلة من بيوتات بغداد كانت تمتلك مثل هذا الجهاز آنذاك) وكان يرافقنا في جولتنا داخل المنزل كلبها وحارسها العزيز

وقد زارتني في الاستديو الخاص بي مع السيد كريم بدر عازف الكمان المعروف ومدير شؤونها الفنية لغرض التقاط صورة جديدة لها، وبعد ايام عادت لتسلم الصورة التي كبرتها بحجم كبير (شيت) ووضعتها في المحل جنبا الى جنب صور السيد مؤيد البدري المعلق الرياضي المشهور! وحين لمحت عفيفة صورتها مع صور المحل في الداخل اعجبت بها كثيرا ودفعت تكاليفها بالرغم من عدم اتفاقي معها حول ذلك وطلبت مني ابقاء الصورة معلقة في مكانها، وفي احد الايام خطر ببالي نقل الصورة الى واجهة المحل الامامية وفعلت ذلك فعلا وبعد ذلك كان يأتي رجل في الاربعين من عمره ويبدو انه غريب الاطوار يقف امام صورتها يتطلع اليها يوميا وفي نفس الموعد وفي يوم ما ادخلت الصورة الى داخل المحل وعندما جاء في اليوم التالي ولم يجدها اقتحم المحل في نفس موعده وهدد وتوعد اذا لم تعد الصورة الى مكانها وخرج لايلوي على شيء ونزلت عند رغبته واعدت الصورة الى واجهة المحل ومن يومها اصبحنا نسميه (مجنون عفيفة).