صرائف الهجرة الى بغداد في العهد الملكي.. كيف نشأت؟  وكيف كانت النظرة اليها؟

صرائف الهجرة الى بغداد في العهد الملكي.. كيف نشأت؟ وكيف كانت النظرة اليها؟

د. حيدر عطية كاظم

ربما يكفي القول، إن اختيار المهاجرين إلى أراضي بغداد الواقعة شرق السدة، مكاناً لبناء صرائفهم كان بتأثير عدة عوامل وظروف، أهمها، إن إمكانية امتداد العمران إليها معدومة تقريباً، لتعرضها للغرق بفعل الفيضانات بين الفينة والأخرى.

فضلاً عن ذلك فان تلك الأراضي إما زراعية أو موقوفة أو مهملة، ولا أحد يطلب منهم “المهاجرين” إيجاراً عندما يسكنوا فيها، كما لم يلعب وقوع الأراضي موضوع البحث بالقرب من أحياء بغداد الفقيرة دوراً قليلاً باتخاذها مكاناً لسكنهم. ولا ننسى أن نضيف هنا أن منطقة شرق السدة كانت مكتظة بالمعامل والمصانع والكراجات التي كانت تربط بغداد بالألوية الجنوبية، كما كانت فيها محطة قطار بغداد-كركوك، وعلاوي الخضروات والفواكه في بغداد.

بقي علينا أن نذكر عدد الصرائف التي كانت تضمها مدينة بغداد. فطبقاً لإحصاء 1947، كان عدد صرائف مدينة بغداد هو 12594 صريفة، وكانت نسبتها إلى مجموع الوحدات السكنية في مدينة بغداد أكثر من 25%. قفز هذا العدد إلى 15510 صريفة بعد أقل من خمس سنوات أي في سنة 1952. ضمت أكثر من 60 ألف نسمة حسبما تذكر بعثة البنك الدولي. ويشير إحصاء 1956، للمساكن وهو أول إحصاء للمساكن إلى أن عدد الصرائف في بغداد وصل إلى 16413صريفة، كان مجموع ساكنيها حوالي 92 ألف نسمة، أما العين عبد المهدي المنتفكي وهو الأقرب إلى الموضوع، فإنه ذكر في إحدى خطبه أمام مجلس الأعيان بأن عدد المهاجرين قد بلغ حوالي 300 ألف مهاجر.

وعلى أية حال، تذكر إحدى الدراسات الأكاديمية بأن مجموع سكان الصرائف في بغداد وصل في سنة 1958 إلى حوالي 180 ألف نسمة أي بنسبة 18% من مجموع سكان مدينة بغداد..

من المفيد جداً أن نذكر هنا، أن تردي أحوال أصحاب الصرائف، الصحية والاقتصادية، سببه الفيضانات التي كانت تجرفهم في كل عام تقريباً كما تذكر أحد الوثائق الرسمية، وفي هذا الصدد يذكر نائب ديالى حسام الدين جمعة ما نصه: “جاورت أصحاب الصرائف منذ مدة، وتفقدت حالهم وسكناهم شخصياً مرات عديدة، والذي رأيته أن المستنقعات منتشرة هنا وهناك، والأوساخ والأتربة والأطيان محاطة بدورهم وحتى بداخلها، فلا الموظف الصحي يصلهم ولا الموظف البلدي يمر بهم، باعتبار أن تلك المنطقة خارجة عن حدود البلديات”. ومضى يتحدث عن مياه الشرب في تلك المنطقة فقال:”أما عن مياه الشرب فحدث عنها ولا حرج حيث توجد حنيفتان قرب السدة وهاتان الحنفيتان لا تكفيان إلا لعدد محدود من هؤلاء. أما باقي السكان فأن اطفالهم يحملون الأواني على رؤوسهم ويطرقون الأبواب للحصول على الماء، هكذا يعيش هؤلاء البؤساء الذين أصابتهم هذه المصيبة، فجعلتهم ينتشرون بين الأزقة والطرقات وهم على حالهم من البؤس. وهذه الحال تتكرر على رؤوسهم خاصة في مواسم الفيضانات”.بعد ذلك ناشد النائب المذكور الوزير المعني بأن لا يكتفي بإيجاد قطعة أرض لهم. من المناسب أن نتركه برسم أبعاد الصورة عندما قال:”فالذي أراه أن لا يكتفي معالي الوزير بإيجاد قطعة الأرض ويقسمها للعمل، بل ينشئ عليها بعض الدور البسيطة التي تتوفر فيها الشروط الصحية ويؤجرها لهم بإيجار بخس، أما ترك العرصات بإيديهم فإنهم سيعيدون الحالة الماضية التي ذكرتها الآن».

لا نأتي بالجديد إذا ما ذكرنا هنا، إن أوضاع أهالي الصرائف في بغداد الاقتصادية والمعيشية كانت سيئة جداً، فنحن نعرف أنهم وصلوا إلى بغداد وهم صفر اليدين من كل شيء تقريباً، فليس لديهم مال ولا مهارة أو خبرة في أداء أية مهنة. لقد كابدوا صعوبات ومشاقٍ شتى وهم يحاولون العمل في بيئة تختلف كلياً عن بيئتهم السابقة، فلم يكن أمامهم والحالة هذه، إلا عرض قوتهم العضلية والقبول بأي أجر يدفعه صاحب العمل. ومما يستحق الذكر هنا، أن هذه الحالة (القبول بأي أجر) خلقت لأهالي الصرائف مشاكل عديدة أهمها، عِداء عمال بغداد الواضح لهم باعتبارهم منافسين لهم على سوق العمل. فلم يعد العامل البغدادي قادراً على إيجاد العمل ذي الأجر المناسب نظراً لمنافسة أبناء الصرائف له، فلم يُخفِ الكثير منهم غضبهم وعداءهم الواضح لهم.

ويرى الباحث أن الحادثة التي وقعت مع النائب عبد الكريم الازري، والتي نقلها بتفاصيلها المؤلمة إلى أروقة مجلس النواب، أفضل من يفصح عن عمق مأساة أصحاب الصرائف ومعاناتهم الكبيرة. فلنترك النائب المذكور يروي تلك الحادثة:

«قبل أمد قصير جاء إلى باب داري في صبيحة يوم من الأيام الممطرة رجل من سكان الصرائف، وقال لي يا فلان أنت نائبٌ في مجلس الأمة، لقد كانت الليلة الماضية قاسية علينا أنا وعائلتي وأطفالي، فالماء يصب من فوقنا والماء يجري من تحتنا والبرد يقسو علينا”. واسترسل النائب المذكور ينقل لنواب الشعب العراقي ما سمعه من الرجل المسكين صاحب الصريفة قائلاً:

«وقد حرت والله في أمري، لا أعرف ماذا أعمل، وقد أتيتك هذا اليوم طالباً منك النجدة راجياً ان تعمل لي تدبيراً، فلا يصح لك ان تنام دافئاً في فراشك الريش ونحن نقاسي هذه الالام المبرحة”. في نهاية خطابه نقل عبد الكريم الازري لمجلس النواب حالة الألم واليأس الذي كان يعانيه صاحب الصريفة بقوله: “فإن لم تعمل لي تدبيراً فسأنقل عائلتي وأطفالي إلى دارك لتكن عندك عندئذ الجرأة في أخراجهم منها بالقوة وأنفجر باكياً فهونت عليه وساعدته بما أتمكن».

وتجدر الإشارة، أن أصحاب العمل، لم يتردد الكثيرون منهم في مد وقت العمل لساعات طويلة إضافية وهذا الوصف ينطبق أكثر ما ينطبق على أصحاب معامل الطابوق الذين راكموا الأموال والثروات على حساب كد وشقاء أهالي الصرائف، الذين لم يروا بداً إلا العمل تحت ظل علاقات إنتاج تعود إلى عصور العبودية.

لم يكن غريباً والحالة هذه، أن يعيش سكان الصرائف في فقر مدقع وأسفل دركات التعاسة، حتى أن دراسة ميدانية رسمية أعدتها وزارة الاقتصاد عن ميزانية الأسرة لسنة 1953 ذكرت، أن أعلى العوائل دخلاً في منطقة الصرائف كان دخلها الشهري هو 6,7دينار. لكن من المناسب جداً أن ننقل ملاحظات شاهد عيان زار المنطقة في إحدى السنوات الأخيرة من العهد الملكي وقال ما نصه:”مررنا بصريفة مكونة من بارية أو نصف بارية، يسكنها شخص واحد طاعن في السن، سألناه عن مقدار دخله الشهري، فلم يجب على سؤالنا وإنما، التفت إلى الوراء وانساح إلى وسط صريفته، ثم أتانا وبيده قدر صغير من الفافون مبعج الأطراف، ومسود من سخام الدخان، ووضعه أمام أعيننا، وقال هذا مقدار دخلي وأكلي، وعندما نظرنا إلى ما في داخل القدر، فإذا هي عضود سلق مفرومة ومقلية بالماء، يجمعها من بين النفايات لتكون غذاءه اليومي بعد سلقهما، يوم كان يباع الكيلو غرام من السلق بفلسين».

أما الحالة الصحية لسكان الصرائف، فقد كانت سيئة وتفتقر لأدنى شروط العيش الصحية لذلك فإن الكثير من الأمراض كانت قد توطنت في تلك المناطق. ومن أهم الأمراض التي كان يعاني منها أبناء الصرائف، هي الرمد، والتدرن، والبلهارزيا، والزحار، والملاريا، فضلاً عن عدة أمراض جلدية أخرى. ومما ساعد على انتشار بعض الأمراض وتحولها إلى وباء هو أن المرضى كانوا يعيشون مع غيرهم من الأصحاء.

لعل شهادة اطهيلو الساعدي تساعدنا في ذلك، إذ قال واصفاً حالتهم وقد أغرقت مياه فيضان سنة 1954 كل ما كانوا يملكون ما

نصه: “عند عبورنا السدة لم نكن نحمل أي شيء سوى أسمالنا التي على أجسادنا، وما أن جن الليل حتى وجدنا أنفسنا في العراء بين محلات بغداد، أنا وكامل أفراد أسرتي، فعطف علينا أحد رجال المنطقة، وسمح لنا بالمبيت داخل حديقة منزلة، على أن نغادرها صباح اليوم التالي».

بالرغم من ذلك كله، حاول البعض من سكان الصرائف من جانبه كسر العزلة التي فرضت عليهم، فوجدوا طريقهم إلى الجيش متطوعاً، في حين وجد الآخرون أبواب الشرطة مفتوحة أمامهم، بالمقابل اشتغل الكثيرون منهم عمال نظافة، وآخرون وجدوا فرصتهم في حراسة الدور والممتلكات، وانخرط أكثرهم في بناء المساكن عمالاً.

من المهم جداً أن نلاحظ هنا انه بالرغم من تلك الظروف المأساوية التي كان يعيشها أهالي الصرائف في بغداد، فإن أغلبهم كان مصمماً على البقاء في بغداد، فكانوا عندما يسألون لماذا لا ترجعون إلى أراضيكم وتتخلصون من هذه الحياة البائسة؟، كان جوابهم، إن وضعهم هذا على سوئه أفضل بكثير من وضعهم الذي كانوا فيه، لأنهم في بغداد يجدون عملاً مهما كان وضيعاً، يؤمّنون فيه رغيف العيش فلا يموتون جوعاً، ويكسون أنفسهم فلا يمشون عراة، كما يؤكد شاهد عيان معاصر للأحداث بصورة دقيقة.

عن رسالة (سكان الصرائف في بغداد).