من قرية صغيرة الى مدينة عامرة..  كيف أنشئت مدينة الرمادي؟

من قرية صغيرة الى مدينة عامرة.. كيف أنشئت مدينة الرمادي؟

د. حسن كشاش الجنابي

لم نجد في كتب التاريخ القديم والإسلامي من تناول موضع مدينة الرمادي من قريب أو بعيد. ويعود ذلك حسبما نعتقد إلى صغر الموضع الذي نشأت عليه المدينة آنذاك والمرتبط بمنطقة التل الواقعة في الزاوية الشمالية الشرقية من محلة العزيزية ولاسيما وأن هناك إشارات تفيد بأن الموضع الأول الذي نشأت عليه المدينة هو موضع شبه تلي يرتفع عما حوله تجنباً لأخطار الفيضان،

التي كانت تتعرض لها المناطق المحاذية لنهر الفرات باستمرار. لكن المدينة لم تظهر إلى الوجود كحقيقة قائمة بذاتها، إلا عندما اختارها الوالي العثماني (مدحت باشا) في المدة (1869 – 1872) كمركز حضري، ابتغى من خلاله توفير الأمن والاستقرار على طريق القوافل التجاري الآنف الذكر، حيث أسس في المدينة مركز للشرطة ومستشفى ودائرة للكمرك، كما مد خطاً للتلغراف بين بغداد والرمادي لترغيب القوافل التجارية بالسير على هذا الطريق، الذي كان محفوفاً بأخطار الفيضانات وهجمات البدو. وكان من نتيجة ذلك أن أخذت القوافل التجارية تغدو عليه، لكونه أقصر مسافة من طريق الموصل – ديار بكر – حلب.

وعلى الرغم مما تركه مدحت باشا من لمسات حضارية لم تكن تعرفها المدينة من قبل. إلا أنها أُهملت بعد رحيله عن العراق عام 1872، فتدهورت على إثر ذلك الوظيفة التي تمارسها كمركز لتجهيز القوافل بالمؤن والخدمات نتيجة تردي الوضع الأمني على الطريق حتى سقوط الدولة العثمانية. لذلك ظل طريق بغداد – الموصل – ديار بكر – حلب، الأكثر استخداماً رغم طول المسافة التي تقطعها القوافل مقارنة بطريق القوافل الفراتي. مما يقود إلى الاستنتاج بان مدينة الرمادي ارتبطت عفوياً بهذا الطريق باعتبارها مدينة من مدن المراحل ما بين بغداد والشام فاصبح تطورها مرهوناً بهذا الطريق وما يتعرض له باستمرار من فيضانات وهجمات البدو، وهذا ما كانت تتحاشاه القوافل. مما يدفعها إلى أن تبتعد عن مجرى نهر الفرات وتسلك طرقاً أخرى. ويبدو أن هذا الطريق كان غير مأمون ولا تسلكه القوافل حتى أوائل العهد الإسلامي.

لقد تحدد موضع مدينة الرمادي بنقطة الالتقاء بين تكوينات أرضية مختلفة، فعندما يدخل نهر الفرات المدينة، يتحول مجراه من مجرى خانقي إلى مجرى نهر فسيح يجري في أرض منبسطة ذات تربة خصبة، عندها يبدأ السهل الفيضي الرسوبي الذي تقع مدينة الرمادي في جهته الشمالية الغربية، بينما تمثل مدينة بلد في محافظة صلاح الدين حدود السهل الشمالية الشرقية. ولقد أفاد التركيب الجيولوجي للسهل الرسوبي لموضع المدينة الأول في تهيئة السبيل للاستيطان المبكر في المدينة. أما الأراضي الواقعة إلى الغرب من المدينة عبر قناة الورار (التي تشطر المدينة إلى شطرين) فعندها تبدأ الهضبة الغربية.

ولغرض رسم صورة واضحة للوضع الطبوغرافي لمدينة الرمادي يمكن أن تفيد في إعطاء تفسير يُبرر إمكانيات نمو المدينة على هذا الموضع في الحاضر والمستقبل، لابد من تقسيم المظهر الطبوغرافي العام لمدينة الرمادي إلى قسمين رئيسيين، كما يظهر من خلال تحليل.

فالقسم الأول يشمل الشطر الشرقي من المدينة الذي يتراوح في ارتفاعه بين (46 – 53 م) فوق مستوى سطح البحر. أما القسم الثاني فيشمل الشطر الغربي بعد عبور قناة الورار، حيث تتميز الأرض بالارتفاع التدريجي كلما اتجهنا غرباً، وخاصة بعد اجتياز خط الارتفاع 60 م فوق مستوى سطح البحر، وغالباً ما يكون سطح الأرض في هذا المكان متموجاً ويحوي بعض التلول الواطئة والمنخفضات، التي ما أن تتعرض إلى مياه الأمطار حتى تتحول إلى مستنقعات، ثم إلى سبخات عندما تجف مياه الأمطار، كما هو الحال في المنطقة الصناعية الغربية.

يتراوح ارتفاع هذا القسم بين 50 – 70 م فوق مستوى سطح البحر، وتكون التربة هنا رملية كلسية فقيرة في غطاءها النباتي، إذ لا تستلم من الأمطار إلا ما يعادل 5 – 10 سم سنوياً. واستناداً إلى ما ذكر أعلاه فإن القسم الأول سهل للمدينة الاتصال بريفها المجاور عبر نهر الفرات الذي يقع إلى شمالها، أو بالمستوطنات التي تجاورها من الناحية الشرقية مستفيدة من السداد التي تقع على كتوف النهر. مما عزز علاقات التبادل بين المدينة والقرى المحيطة والمدن المجاورة.

وعلى ضوء تحليل خصائص الإقليم الإداري الذي يتبع للمدينة فإن موضع المدينة أخذ موقعه في وسط إقليم زراعي كثيف عندما نتجه شمالاً وشرقاً، حيث تنتشر القرى الزراعية القريبة من المدينة كما هو الحال في قرى طوي والسورة والصوفية والدشة وسطيح وزنكورة وحصيبة الشرقية والبو فراج والبو ذياب والبو عبيد والحامضية والبو عساف والملاحمة … الخ وهذه القرى تتبع إدارياً إلى مركز قضاء الرمادي وناحية الحبانية (قضاء الرمادي) الذي يبدو من الخارطة إن أغلب قراه تتمحور على ضفتي نهر الفرات.

كانت المدينة في بداية تأسيسها عبارة عن قرية كبيرة تحيط بها البساتين من جهاتها الشمالية والشرقية والغربية، تمارس وظيفتها كمركز للتسوق ومطعم يقدم الطعام والخدمات للمسافرين وسكان الريف، ولذلك فقد انتشرت فيها الخانات التي يبيت فيها المسافرون على الطريق وسكان الريف (مع حيواناتهم) الذين يفدون إلى المستوطنة لغرض بيع المنتجات الزراعية والحيوانية. وقد ظلت المدينة تنمو بخطوات بطيئة. مما أنعكس على حجمها الصغير الذي لا يريد أن يغادر حدود الموضع الأول وأطرافه القريبة.

تميزت مساكن المدينة القديمة بصغر مساحتها وأنها ذات طابع شرقي، مع وجود حالة من عدم انتظام مساحة واتجاه الشوارع والأزقة التي تطل عليها، ونظراً لتعرض المدينة إلى الفيضانات المستمرة، فقد تم حفر ترعة العزيزية عام 1910 غرب الجزء المعمور من المدينة، ليوصل ما بين نهر الفرات ومنخفض الحبانية جنوب المدينة، بقصد تخليصها من خطر الفيضان، ثم أعقبها حفر مبزل الحفرية إلى الشرق منها. وقد أدت السيطرة النسبية على الفيضانات إلى ظهور أعداد من الدور ذات الصبغة الريفية في منطقة الحوز إلى الجنوب الغربي من موضع المدينة الأول، مستفيدة من ترعة العزيزية في ارواء أراضيها الزراعية، وهذا ما كان له دوره في ان يصطبغ سكنة المدينة في ذلك الوقت بصبغتين أساسيتين هما التجارة والزراعة. مع وجود ورش صناعية اجتمعت في سوق مسقوف خاص بها، كان يسمى(سوق علي سليمان).

ضمت المدينة في هذه المرحلة محلتين سكنيتين هما محلتي القطانة والعزيزية اللتين التفّتا حول الجامع الكبير والسوق. وقد قدرت (ألواموسيل) عدد سكان المدينة عندما زارتها في عام 1912 بـ 1500 نسمة.

تميزت هذه المرحلة بظهور السيارة كواسطة نقل رافقها فتح طريق للسيارات عام 1923 ما بين بغداد ودمشق ماراً بمدينة الرمادي القديمة من طرفها الجنوبي. ويعد افتتاح هذا الطريق نقطة تحول جديدة في البناء الوظيفي والعمراني للمدينة، لأنه فتح المجال لها لأن تخرج من أسر موضعها الأول وتمتد باتجاه هذا الطريق وفي الوقت نفسه أعطاها هذا الطريق الفرصة في أن توطد علاقتها بإقليمها القريب المتمثل بالريف المجاور وإقليمها البعيد المتمثل بأطراف المحافظة، باعتبار أن المدينة وهي مركز المحافظة الرئيس تتفاعل معها المدن والقرى التابعة إليها إدارياً بالأخذ والعطاء. ولذلك فإن هذه المرحلة لم تنتهي إلا والمدينة تشغل مساحة قدرت بـ 56.6 هكتاراً، أي ما يعادل 1.5% من مساحتها الحالية.

عن رسالة (الاقليم الوظيفي لمدينة الرمادي)