نص نادر.. المعمار جعفر علاوي وبناية المدرسة الجعفرية الأهلية

نص نادر.. المعمار جعفر علاوي وبناية المدرسة الجعفرية الأهلية

جميل حمودي

من العجيب جداً لدينا ان حالتنا الاقتصادية والسياسية والصناعية والادبية والعلمية (وبعض) غيرها لا تتفق أبداً مع حالتنا الفنية ففي كل حياتنا (ما عدا الفن) نجد القصور ونعثر على النقائض بل نحن في بعض أحوالنا لا (يبتعد) كثيراً عن حالة الابتدائية الإنسانية وهذه الحقيقة جعلت كثيراً من الأجانب لا يعتقدون ان عندنا حركة فنية ناهضة.

يجب علي ان احدد، هنا، كلمة الفن فأنا لا أعني به الموسيقى أو التمثيل والأدب انما اقصره فقط على النحت والتصوير والعمارة وما يتبع هذه الفنون فقط فهنا، هنا في هذه الفنون الثلاثة بلغنا شأواً نستحق عليه اكبر تقدير.. بالنسبة الى الزمن القصير الذي وصلنا به، وربما عرف القراء شيئاً عن النحت والتصوير عندنا بواسطة معارض جمعية أصدقاء الفن ومعهد الفنون الجميلة ببغداد وقاعة الصور الوطنية في متحف الازياء، اما عن العمارة فلا اعتقد انه وصل اليهم خبر حركتها لا لشيء الا لان الصحف لا يهمها شيء من ذلك كما يهمها، مثلاً، الكشف عن سحر السيقان وجاذبية العيون؟!.. ولذلك فقد أرتأت (الفكر الحديث) ان تطلع على القراء بنواح جديدة توسع أفق معرفتهم بنهضتها الحديثة التي يجب ان تجند لها جميع امكانيات الشباب.. والشباب فقط فلا خير في الشيوخ لا خير في الشيوخ..

وبدا للفكر الحديث ان تبتدئ بنشر بعض المحاضر الصحفية مع فنانينا لدراسة العمارة العراقية الحديثة فما كان الا ان أذهب مندوباً عنها لأسأل احد نوابغنا في الهندسة المعمارية وهو الأستاذ جعفر علاوي ان يمدني بما استفيد منه في ذلك.!

ولقيت الأستاذ جعفر في مكتبه بعدما تعبت من البحث عنه فهو كالزئبق لا يلبث يتحرك..

ومكتبه عبارة عن (حجرتان) رأيت (منها) واحدة أعجبني منها بساطة أثاثها كما ضايقني صغرها..

ودار الحديث، وكان حديثاً فنياً فاذا بي وانا اتحدث تتركز نظرتي في صورة لبناية لفتت نظري واشبعني إعجاباً بها.. فاذا بي اقطع الحديث لأسأل:

* ما هذه الصورة؟

- انها تلوين واجهتي بناية المدرسة الجعفرية الجديدة التي ستقام في شارع الملك فيصل الثاني ببغداد.

* انها لبناية عجيبة هل ستشيد..؟

- نعم ستشيد واني لاعجب بها لانها تمثل مرحلة متقدمة من عملي.

وهنا قلت:

*دعنا إذن نتكلم عنها فقط.

وعندئذ ابتسم واحضر من جانبه أوراقاً (زرقاء) عرفت (رأساً) انها التصميمات الهندسية (plans) للبناية وبدا الأستاذ الشرح والتوضيح وسأنقل لك ايها القارئ حديثنا الذي كنت اسجله بسرعة البرق على دفتري الصحفي الصغير وقد استخلصت منه هذه المعلومات المهمة عن بناية الجعفرية التي ستكون من اهم العمارات الحديثة في عاصمة العراق مع بناية سينما الارضروملي للمعمار الأستاذ مدحت علي مظلوم وبضع بنايات أخرى (وعلى ذكر الأستاذ مدحت علي مظلوم نقول اننا سننشر في عدد مقبل حديثنا معه حول تصميماته الجديدة في بغداد كمسبح امانة العاصمة).

وفي حديث الأستاذ علاوي لاحظت امتعاضاً متزايداً وتضايقاً حين كان يصف لي الأعمدة التي لا تسمح أمانة العاصمة ان يكون البناء من دونها.

فسألته عن ذلك فاذا به يؤكد لي بنبرة مؤثرة: ان القوانين التي تضعها أمانة العاصمة للبنايات التي تكون في بعض شوارعها الرئيسة كهذا الشارع كثيراً ما تحد من إمكانياتها الفنية فلا نستطيع الذهاب بابتكاراتنا الى ابعد مما تسمح ولذلك فكثيراً ما وجدنا الأبنية بعد الاتمام، غير الابنية التي كنا قد صممناها وتخيلناها في مبدأ الأمر تتظافر علينا في ذلك قوانين الامانة وذوق البناء (الاسطة) الذي لا يريد الا المحافظة على ما كان تعود ان يرى.

ثم بدأ بعد ذلك يصف البناية، وانا اتعجب وافرح في سري كلما زاد في الشرح.

روعيت في البناية أهم النظريات الحديثة في العمارة وقد صمم التخطيط الرئيس (the plan) بشكل مطاطي يمكن معه بعض التبديلات البسيطة التي ربما اضطر اليها عند التنفيذ، كما ان في النية ان تجلب بعض المواد من الخارج خصيصاً لهذه البناية (وهذا يحدث لاول مرة في تاريخ العراق الحديث) لاكمال الدلالة على الروح الفنية الحديثة وعلى التطور الاجتماعي بواسطتها وهذه المواد عديدة اقربها الى الذهن هو الكاوتشوك الذي ستغطى به أرض القاعة الكبرى.

واما شكل البناية الخارجي فهو تعبير واضح عن المشتملات الداخلية لها.

تتبنى البناية بالطابوق الأصفر، كما هو معلوم، الا ان الأستاذ علاوي أراد هنا ان يحاول التخلص من الملل الذي يسببه لون الطابوق وصياغته (technic) فجعل القسم الأسفل المحدد بين المخازن التي على الشارع الرئيس ومدخل المدرسة الرئيس، جعل هذا القسم مغموراً بالاحجار الجبلية الخشنة المنظر والطبيعية اللون، وفي اعلاه بعض شبابيك مدورة تكسب المنظر جاذبية وتناسقاً مع ملمس الصخور، وفي أسفله رصيف مغمور بأنسجة ملونة من الزهور التي ضحي من اجلها (ببضع) امتار مربعة من الأرض لضرورة وضعها في طريق المدرسة لتستقبل الطلاب والزائرين بشيء من شذاه الفواح.. ولكن ليس هذا فعلها فقط بل ان أرض هذه الزهور أخذت تنحدر البناية قليلاً فتدل المار على الرغم منه على باب القاعة أو المدرسة. وهذا يدخل في باب فن الاعلان ايضاً..

اما المشتملات فهي (ثلاثة) مجموعات الأولى: مخازن وشقق للسكنى على الشارع الرئيس والثانية: القاعة الكبرى للبناية والثالثة: المدرسة..

اما المخازن والـ(أبارتمانات) فقد وجدت كسبب لايجاد بعض الواردات للمدرسة وتتألف من دكاكين منفصلة في الاسفل على الشارع الرئيس فقط ومن وسطها يكون المدخل الى الشقق، ومن طبقتين اخريين من الشقق تتألف كل طبقة من شقتين كاملتين تشتمل كل واحدة على ثلاث غرف وهول وملحقاتها.

وهذا القسم لا يتصل داخلياً ببقية اجزاء البناية اما من الخارج فترتبط بها سقيفة تبدأ من أول عمود في شمال البناية ثم تدور لتنهي امتداد الجدار الحجري الى الاعلى وتنحدر قليلاً لتتقعر فتبرز لنا الجدار الذي يرينا المدرسة والقاعة وينتهي عنده وعلى هذا فقد ربطت هذه السقيفة التي ستكون من الخرسانة المسلحة القسم الأول بالقسمين الآخرين.

واما القاعة فستكون، كما أتنبأ، افخم قاعة في العاصمة العراقية من حيث شكلها الداخلي و(اضائتها) ومواد انشائها.. فهي كبيرة جداً بحيث اضطر سقفها ان يرتفع الى مستوى الثلاث طبقات للبناية ليتناسب مع كبرها وستضاء نهاراً من الشبابيك العليا من الجانبين وليلاً باضواء مختفية ستنشأ بطريقة حديثة جداً وستجلب المواد اللازمة لها من انكلترا واما ارض القاعة فستفرش بطبقة من الكاوتشوك الأرضي.. وفي القاعة من مؤخرتها تتعلق سقيفة من الاسمنت تحمل الالواج أو (الكالري).

وسيكون المسرح من الناحية الملاصقة للمخازن وقد زود بما يلزم لعرض بعض الأفلام ايضاً التي ربما يحتاج اليها في المستقبل كما ان قصر المسافة بين المتفرجين والشاشة اضطر الى وضع مرآة يكون شانها ان تبعد المسافة وتحسن النظر اليها.

بقي علينا ان نصف المدرسة التي اختير مكانها في القسم البعيد عن الشارع الرئيس وضوضائه.. وهذه المدرسة تبدأ منذ السنة الرابعة الابتدائية حتى المتوسطة حيث ستكون الروضة في بناية أخرى تشيد الآن في المحل القديم للمدرسة.

وستكون الصفوف على جهة الشارع الفرعي والساحة الى الداخل (وكم يحزن ان يعلم القارئ ان هذه الساحة ضيقة جداً بالنسبة الى البناية) ولسنا نعلم فلعل اولو الامر لو علموا بذلك يطلبون الى شركة الكهرباء ان تمنح المدرسة ولو بضعة أمتار من الأرض!؟ لكان ذلك (فضل كبير) على العلم والمعرفة..

وبين الصفوف والساحة ستمتد طارمة طويلة يفصلها عن الساحة أبواب متزحلقة ترفع في الصيف ليستفاد منها امتداداً للساحة وتغلق في الشتاء ليستفاد منها ما يشبه الهول أو القاعة الكبرى. اما في الربيع والخريف فسيكتشف ذلك الطلاب والمدرسون انفسهم فلا ربيعنا مستقر ولا الخريف. كذلك سيكون للمدرسة مختبرات مؤثثة بأحدث الأثاث والأدوات الخاصة.

اما المرسم فسيكون في الطابق الاعلى وسيبنى بطريقة تكون (الاضائة) النهارية فيه بواسطة سقيفة زجاجية على غرار الاستوديوهات الفنية في الغرب وهكذا يوجد عندنا اول بناية لأستوديو فني كامل المعدات من الاضاءة الفنية وغيرها.

إننا نتأمل ان تكثر عندنا البنايات الحديثة امثال هذه البناية التي نعجب بمصممها.. لتكون بغداد أجدر ان تكون عاصمة تخلف (دار السلام القديمة).

نشر جميل حمودي هذا الحوار بتوقيع (المندوب).

مجلة الفكر الحديث لسنة 1945 وهي مجلة اصدرها الفنان جميل حمودي ولم تعمر.