الياس ابو شبكة… ثروة شعريّة

الياس ابو شبكة… ثروة شعريّة

وفيق غريزي

لازمته عقدة الموت، فتمرد على النمط الشعري السائد في عصره. وقال في المدارس الشعرية: "المدارس الشعرية سجون، ونظرياتها قيود، والشاعر لا يعيش في جو العبودية هذا".

هرب من الموت الى احضان الطبيعة، وفجاة استعاد عقدة الموت وهو يرى نفسه مثل طائر تهاجمه العاصفة وتفترسه الكواسر.

إنه شاعر "افاعي الفردوس" الياس ابو شبكة

فجر الحياة وغروبها

عام ١٩٠٣، ولد شاعرنا في مدينة بروفيدانس في الولايات المتحدة الاميركية، اثناء رحلة لوالديه الى تلك البلاد، وكان مولده في بيت خال امه الياس فرزان. اما والداه فلبنانيان صميمان: ابوه يوسف ابو شبكة من زوق مكايل، وامه من اسر عجلتون المعروفة، وحل في باريس وهو ابن بضعة اشهر، ثم عاد به والداه الى ارض الوطن.

عام ١٩١٣ نكب بمصرع والده، اذ اغتاله لصوص وهو في رحلة له من بور سعيد – مصر الى الخرطوم عاصمة السودان.

تلقى ابو شبكة علومه في مدرسة عينطورة، وفي السنة الاخيرة في هذه المدرسة نشب خلاف بينه وبين استاذه الخوري الياس الحويك.

وقد اتقن اللغة العربية الى جانب اللغة الفرنسية، وقيل انه نظم ثلاث رباعيات في ربع ساعة فقط باللغة الفرنسية، وكان في السادسةعشرة من عمره.

كان ابو شبكة مثالا للوفاء في صداقته وعنوانا للاخلاص، عام ١٩٤٤ شعر باعراض الداء الذي اشتدت وطأته عام ١٩٤٦، واستمر يصارع المرض حتى ٢٧ كانون الثاني، حيث اغمض عينيه بين يدي زوجته وحبيبته غلواء، وشيع الى مثواه الاخير…

شاعرية ابو شبكة

بدت بواكير شاعرية ابو شبكة منذ طفولته، وكان يقضي العطل الصيفية في بيته في زوق مكايل، وفي السابعة عشرة من عمره ارسل احدى قصايده الى الاستاذ عبدالله لحود. وفي عام ١٩٢٤ بعث باربع قصايد الى مجلة "منيرفا" للاديبة ماري يني، فنشرتها تباعا. وفي عام ١٩٦٦ صدرت له مجموعة "القيثارة" الشعرية، وعام ١٩٣٨ اصدر مجموعة "افاعي الفردوس"، وقبلها كان قد نشر مجموعتيه: "الالحان" و"نداء القلب".

في "القيثارة"، نجد صدقية نظرية تدفق القوى الروحية، التي يعبر عنها، حيث يقول:

بلوتُ الحَياةَ فَما مِن أَنيسٍ/

يُؤآسي هُمومي وَما من صديقِ/

تَقولُ ليَ وَإِمّا رَأَتني/

مجدّاً تَقف عَثرةً في طَريقي

الحب الخالد

كان ابو شبكة دون التاسعة عشرة يوم احب اولغا ساروفيم، فنما شعور العاشق نحو حبيبته، ولكنه لم يدرك كنهه حتى توجهت الى صور لتزور قريبة لها. وبعد عشر سنوات من الحب عام ١٩٣١، تزوج العاشقان ولم يكدر صفوهما مكدر.

أما افاعي الفردوس فكانت. فتحا جديدا. في عالم الشعر، وفيها شهوة وغفرانا وتوبة، فشعور قلبه بالاثم يرفع صوته قائلا:

"رباهُ عَفوَكَ إِنّي كافِرٌ جانِ

جَوَّعتُ نَفسي وَأَشبَعتُ الهَوى الفاني

تَبِعتُ في الناسِ أَهواءً مُحَرَّمَةً

وَقلتُ لِلنّاسِ قَولاً عَنهُ تَنهاني

وَلم أُفِق مِن جُنونِ القَلبِ في سُبُلي

إِلا وَقَد مَحَتِ الأَهواءُ إيماني".

لا يزال الياس ابو شبكة يحتل المكانة البارزة في تاريخ الشعر العربي، فقد كان شاعرا مبدعا خط لنفسه طريقه، وافصح بجرأة عن اعمق اهواء القلب ونزوات الجسد.

انه ثروة شعرية وأدبية، ليس للبنان فحسب، بل وللامة العربية!…