أبو شبكة ومُلهِماته الكثيرات

أبو شبكة ومُلهِماته الكثيرات

محسن أ. يقين

أكثر ما يهزّك وأنت تلقي نظرة على مقدّمة حنا مارون مسلّم لكتابه "الخفايا في حياة الياس أبو شبكة" هو قوله إنه عندما كان يقطع المسافة بين قريته في الشوف، والزوق في كسروان - مسقط رأس أبي شبكة، مُمضياً الساعات موجهاً أسئلته إلى أشخاص يمكن أن يفيدوه بمعلومات عنه، فكان بعضهم يرّد مستفسراً: "ومن يكون هذا الذي تسأل عنه؟"... وذلك رغم ما أحرزه أبو شبكة من مكانة أدبيّة مرموقة، ناهيك عمّن سخروا منه لتكبّده مشّقة المجيء كي يتعرّف إلى حياة أبي شبكة.

كان ذلك العام 1978، يوم كان مسلّم يُعِدُّ دراسة لنَيْل شهادة الماجستير في الأدب العربي، في الجامعة اللبنانية. وهي الدراسة التي أنجزها وناقشها في العام التالي، فأضحت اليوم كتاباً (طُبع في مطبعة زكريا ومعوشي) يُدرج إسمه على لائحة الأدباء والباحثين الذين تناولوا هذا الشاعر كفؤاد حبيش، ورزّوق فرج رزّوق، وجورج غريّب، ونازك سابا يارد، قبل أن يحذو حذوهم آخرون كخريستو نجم، وجوزيف أبي ضاهر، وهنري زغيب، وأنطوان القوّال، وسواهم. إلاّ أن مسلّم كان أوّل من تميّز بالتركيز على حياة أبي شبكة وأدبه، وليس على تحليل نتاجه الشعريّ. فحياته تستدعي مزيداً من الضوء، ومقالاته النثريّة صعُب الوصول إليها في ما تناثر من مجلدات صحافيّة، ولم تكن قد جمعت بعد من ضمن مجموعة أعماله الكاملة، العام 1985 (دار روّاد النهضة ودار الأوديسة)، وتحتاج إلى من يخرجها إلى الشمس. لذلك توصّل مسلّم إلى قناعة بأن مَن تقدّموه بدراساتهم وتحليلاتهم عن أبي شبكة توصّلوا إلى نصف الحقيقة عن الشعر، وأنه يجب أن يكمل النصف الثاني.

وكان لتعرّف مسلّم إلى الكاهن طانيوس الهاشم فضل توجيهه في عمله، وإهدائه إلى أماكن وجود زوجة الشاعر أولغا ساروفيم، أيّ "غلواء" الديوان، التي كانت لا تزال على قيد الحياة، وتقيم في بيت شقيقها يوسف، ولم يحُل ضعف سمعها دون تواصله معها، ووقوفه على الكثير من الأمور المجهولة، من خلال مقابلاته معها. وفي عداد هذه الأمور مخطوطات نجحت في إقناعها بإستنساخها. وهناك فرجيني، شقيقة الشاعر التي إضطرته حدّة طباعها، وعنجهيتها واستعلائها على الناس، الى إطالة أمد خطوبته، وإخفاء أمر زواجه بأولغا عنها، تجنّباً للمشاكل معها، وانتهت الى دير الصليب بعد موت الجميع وبقائها وحيدة في بيت أبي شبكة الواسع، كسائر البيوت القديمة العائدة للوجهاء والأثرياء.

وترسم مقابلات مسلّم عن أبي شبكة صورة شاعر أُدخل الى مدرسة الضيعة في 1908 وليس الى معهد عينطورة في 1911، كما جاء في معظم الدراسات. صورة ولد مشاكس، متشيطن، وتلميذ كسول في بداية حياته المدرسية لا ينازعه في الكسل سوى واحد يدعى حنا. وكان كلّما سأله والده الدائم الأسفار عن حالته في المدرسة يجيبه بالقول: "أنا أشطر من حنا". كما ترسم صورة شاعر كان يستيقظ كل صباح بين الرابعة والخامسة ويبدأ الكتابة وركوة القهوة الى جانب، والنارجيلة، الى الجانب الآخر. وكان إذا بدأ النظم يحرّك يديه في الملأ كأنه يلقي خطاباً في مهرجان ويهزّ رأسه وكتفيه ورجليه كأنه مصاب بالحمى. صورة شاعر مرتّب، نظيف، دائم الأناقة، حاضر النكتة.

في القسم الخاص بأبي شبكة ونسائه ينقل مسلّم عن أولغا شكوى أبي شبكة المتواصلة من طفره الماديّ، ويأتي شرحه لأسباب علاقته الملتهبة بوردة، أي روز ساروفيم، إبنة عمّ أولغا، المتأهلة من قريبها نقولا ساروفيم، ويستهلّ كلامه بالقول إنها ملهمة "أفاعي الفردوس" والعامل الأساسي في ثورته على المرأة. تليها المغنيّة السمراء، التي نظم لها قصائد تغنيها في مقاهى بيروت وملاهيها، تسمّرت عيناه على سُمرَتها المصريّة فور وقوع نظره عليها، والأشدّ جذباً مما تنقله الأساطير عن سُمرة "أيزيس". لينتهي به المطاف عند عتبة سيّدة القصر المطلّ على صرح بكركي: ليلى معوّض العظم الموحية بديوانَيْه "نداء القلب" و"الى الأبد" التي احتفظت بحبّها المعلن لإلياس أبي شبكة، رغم مرور أربعين عاماً، حينئذ، على وفاته. وما زالت تحسّ بوجوده على الكرسي قبالتها وأنه سيطلّ بين لحظة وأخرى.

وبالفعل، فإن هذا الشاعر المغري للأقلام يُعطيك الشعور بأنه يطلّ كلّما لاحت دراسة تُلقي أضواءً جديدة على آثاره، أو على جوانب مخفيّة من حياته. شأنه شأن كل الشعراء والأدباء الذين يشوقوننا لمعرفة المزيد عن عوامل كوّنت شخصياتهم، وظروف طبعت عطاءاتهم، وأحداث تركت تأثيراتها في مساراتهم.

هي حياتهم التي تمرّ في السطور، وبينها. لكنّها حياة لا يُنهيها الموت.