أبو شبكة والمرأة

أبو شبكة والمرأة

د.ثائر زين الدين

ما من شيء يلفت انتباه قارئ الياس أبي شبكة، كما يفعل حضور المرأة في شعره؛ والسبب أن هذا الحضور ينطوي على كثيرٍ من الخصوصيّة وبعض الغرابة.

خرج الشاعر إلى معتركِ الحياة قبل أن يتمّ تحصيلَه العلمي، فناضل وكافح ومشى على الأشواك، وعملَ في تحرير مجموعة من الصحف اللبنانية "صوت الأحرار" و"المكشوف" و"الجمهور"، وترأس القسم الأدبي في الإذاعة اللبنانية (أواخر الانتداب الفرنسي).

لكنّ علاقة الشاعر مع الناس ــ على العموم ــ لم تكن علاقة سويّة، لقد عاشَ ــ على الأغلب ــ غربةً، أو ما يشبه الغربة عن الحياة العادية؛ وكان يستشعر الوحشة في علاقته بالعالم، ومن المؤكد أن مجمل حياته النفسية يوحي "أن شعوره بالخلل الاجتماعي كان أكبر عائق دون راحة باله، ولم يخالجه قط أي إحساس بالتقصير في حقله، كان هؤلاء الناس، هذا "الورى" كما يعبر في أكثر من قصيدة، هم الذين يثيرون في دنياه الشعرية، غمامة الأسى، وضباب الشك، وغبار القلق والاضطراب، وكان يؤلمه ما يشهد من عبوديات في حيوات من حوله، وما يلاحظ في بلده من تخلّف عن السير في ركب الحرية، واندفاع وراء اللذائذ الوقتية يصرفهم عن التحسس بالمعاني الرفيعة".

ولقد أشار الشاعر فليكس فارس ــ وهو صديق أبي شبكة ــ في معرض حديثه عن "القيثارة"، أن أزمة أبي شبكة مع الدنيا هي أزمة "قيم"، وهي في النهاية أزمة "مجتمع يسود الظلم فيه شريعةً، ويستولي البؤس عليه نظاماً"؛ إنها إذاً المصيبة الاجتماعية، يحملُ ثقلها الشاعر، ولا يستطيع أن يلقيها عن ظهره. وهنا تبزغ المرأة. أليست المرأة هي الأقدر على خلق شيء من التواصل بين الشاعر والدنيا؟ أليست من يستطيع تحقيق "المصالحة" ما بين المبدع والحياة من حوله؟ ومن جانب آخر؛ ألم تكن المرأة ــ في بعض الحالات ــ هي تلك القشّة التي تقصم ظهر الشاعر، فتدفعه إلى الفرار من الدنيا، والقطيعة معها؟!! وعلى كل حال فقد عرفنا عن أبي شبكة ــ من خلال ما كتبه عنه بعض أصدقائه ومجايليه، ومن بعض أحاديثه ــ أنه خاض علاقات مع المرأة ــ قد لا تكون كثيرة من حيث العدد، لكنّها تركت آثاراً حادة في حياته وشعره، أوّلها قصته مع أولغا ساروفيم، التي أحبها عشر سنوات تقريباً، ثم تزوجها زواجاً غريباً، وقد استخدم اسمها في معظم شعره، بعد أن أخضع أحرفه إلى الإبدال والقلب، فإذا بنا أمام غلواء، وستحمل إحدى أهم مجموعات الشاعر هذا الاسم.

روت أولغا نفسها للباحث جهاد فاضل بعض تفاصيل علاقتها بالشاعر، وكلنّها كانت يوم ذاك عجوزاً تجاوزت الثمانين، زارها الباحث في بيتها في زوق مكايل، واستطاع بصعوبة أن يتحدث إليها، ومما كتبه عن ذلك: "أن غلواء لم تكن تحب أن تتحدث عن أسرة الياس أبي شبكة، وبخاصة عن شقيقة زوجها، الظاهر أن أسرة أبي شبكة، أرفَع مقاماً في الزوق من أسرة غلواء، ولذلك تمنّت أوجيني لشقيقها علاقة عاطفية أفضل من علاقته مع غلواء، وزواجاً غير هذا الزواج. في الأساس كانت المرأتان: أوجيني وأولغا صديقتين، وكانت المنازل قريبة من بعضها، ولكن عندما علمت أوجيني أن شقيقها يفكّر بالزواج من أولغا ساروفيم قالت لشقيقها: إمّا نحن وإما هذه المرأة! ولذلك طالت علاقة الياس بأولغا قبل الزواج".

وتؤكد أولغا أن سبب تأخر الزواج هو فقر الشاعر، وعدم قدرته على تقديم ما يلزم للحياة الزوجية، وينسجم مع كلامها هذا ما جاء في "مفكرات وخطرات"، وهو عمل يضم يوميات الشاعر: كتب يوم 16 شباط 1931: "استدنتُ من خطيبتي غلواء عشر ليرات سورية ونصف. فتأمل شدّة الطفر إلى أين دفعتني"، ويكتب في 19 شباط 1931: "بشرتُ أولغا هذا الصباح بأن زواجنا أصبح قريباً جداً، ففرحت واغرورقت عيناها بالدموع وقالت: ينبغي أن لا نبقى هكذا أكثر من ثلاثة أشهر، وعلى مَ بنيتُ كلامي؟ على هذا: وهو أني سأقبض عشرين ليرة فرنسية ذهباً من شركة مياه بيروت، ومئة ليرة سورية من النافعة (تعويضات وراثة عائلية). وأربعمئة ليرة سورية من نتاج كتابي (الرسوم)".

وتقف أم الشاعر أيضاً ضد زواجه بأولغا؛ ربما بسبب ما تناهى إلى سمعها عن "سلوك" غلواء، فيتحدّى الشاعر كل ذلك ويخبر حبيبته ذات مساء أنه سيتزوجها الليلة، ويحضر "خوريّاً" إلى منزل أهلها، ويجري مراسيم الزواج في البيت؛ وليسَ في الكنيسة كما هو مألوف، ويسهر أبو شبكة مع عروسه في منزل أهلها، ثم يغادرها لينام في بيته.

ومما عُرف فيما بعد أن الشاعر أقامَ علاقة مع سيدة متزوجة ذات طفل، في الآن نفسه الذي أحبّ فيه غلواء، والدليل الواقعي الصارخ على ذلك ــ كما كتبَ أنطون

قازان(ــ هو ما كتبه أبو شبكة في مجلة الجمهور، الجزء 79، صفحة 7، سنة 1938: "ومن غرائب هذه القوّة في شعوري أنها كانت ترفَع خيالي عن أخصب تربة في مفرس الأنوثة من هذه المرأة، وربما كان لهذه العفّة أسباب لا رأي فيها للعاطفة البشرية، بل للضمير، فقد كانت ذات بعل وولد. وكنت في مرحلة شعورية عذراء، هي المرحلة التي تتصارع فيها العاطفة البريئة والشعور العنيف، في مفترق الطرق بين المدرسة والمدينة. كان الزوج نائياً والولد طفلاً. وكنت أختلسُ من غلواء ساعاتٍ أصرفها في مخدع هذه المرأة، ولم يكن يخطر في بالي أن الحب سينحدر يوماً من جذعنا الأعلى، حتى جرى ذلك في ليلة ماطرة هلكَ نصفها في الخمرِ، وكانت نبيذاً... وبدرتْ مني التفاتة شاردة على الحائط فوقعت عيناي على صورة الزوج.. فهربت، هربتُ من مخدع من أحب، وكانت الليلة ماطرة والطريق سوداء، على أن جذوراً من قصيدة كانت تقتلعُ من كياني: "ما لي أرى القلب في عينيكِ يلتهب. طيفٌ من الشهوة الحمراء تغزله خمر الليالي... ووجهكِ الشاحب الجذاب.. وحق طفلك. وفي اليوم التالي كتبتُ هذه القصيدة:

لا تقنطي إن رأيتِ الكاسَ فارغةً

يوماَ ففي كلِ عامٍ ينضجُ العنبُ

قد أشربُ الخمرَ لكن لا أدنّسها

وأقربُ الإثمَ لكن لستُ أرتكبُ

لم أرتكب الإثم في تلكَ الليلة، على أنني... وعلى أن جذوراً من قصيدة كانت تُقتلَع من كياني، وفي اليوم التالي كتبتُ هذه القصيدة:

أجلْ ستذكركِ الأعقابُ والحقبُ

ما دامَ في الأرضِ من صلب الزنى عَقَبُ

لا مثلما ذكَرَ الافرنج لورَهُمُ

ولا كما ذكرتْ عفراءَها العرب

ومنذ ذلك الحين وقعتُ في الصحف على ألفِ شهوةٍ حمراء في ألف قصيدة بيضاء"

ولن نناقش المقبوس السابق، مع كل ما يثيره من غرائبية، وصراع داخلي في نفس الشاعر بين إيمانه المسيحي الشديد وشهوته القوية؛ وهو الشاب المراهق، ومع تصريحه بحب المرأة، وهو في الآن نفسه يحبُّ غلواء، ومع إعلانه أنّه لم يقترف الإثم؛ مع أنه اعتاد زيارة مخدعها، وسنترك كل هذا إلى فقرات لاحقة، لكن علينا أن نشير إلى أن الأبيات السابقة جزء من مجموعة "أفاعي الفردوس"، وستتمخّض التجربة السابقة عن كثيرٍ من الأبيات في قصائد مختلفة، وكأنه لم يستطع طوال عُمره أن ينسى تلك الحادثة. ويؤكد أنطوان قازان أن السيدة بطلة المقبوس السابق موجودة فعلاً: "إنها وردة... سيدة، على أنوثةٍ عارمة، وقسطٍ من الجمالِ وفير، أمّا حظها من الثقافة فغير يسير. كان لها زوج وطفل، عاشت ردحاً من الزمن في جوار الخليج الذي كان له في نفس الشاعر غير انطباع".

مستل من بحث (صورة المرأة في شعر الياس أبي شبكة)