ماذا بقي من  أبو شبكة ؟

ماذا بقي من أبو شبكة ؟

إيلي مارون خليل

قيل في الشّاعر الياس "أبو" شبكة الكثير، منذ وفاته حتّى اليوم. بل منذ كان لا يزال مالئًا المنابر الصّحافيّةَ والأدبيّة والإذاعيّة، خصوصًا ما يتّصل بحياته العاطفيّة الّتي شعّت وشاعت. وخصوصًا ما له علاقة بالرّومنطيقيّة؛ ببودلير؛ بألفرد دو فينيي De Vigny))؛

بألفرد دو موسّيه (De Musset)؛ بحركة التّجديد؛ بحزب الكتلة الوطنيّة اللبنانيّة (أمين الدّعاية والإعلام)؛ بالحزب الشّيوعيّ اللبنانيّ؛ بالإيمان؛ بمعاداته بعض رجال الدّين... وبجرأته السّياسيّة: "لا بدّ يا نفسي من السّجودِ..."، والاجتماعيّة (مواجهاته للمحتكرين عهد الرّئيس بشارة الخوري)، وتجرّؤه الدّينيّ (مقاطعته عِظة المطران الحاج، في مأتم أحد آل العضم)... فماذا يبقى؟

يبقى الكثير. لعلّ من أبرز ما يجدر أن يقال، أو يدرَس، فيه وعنه، أسلوبُه النّثريّ؛ أسلوبُه الصّحافيّ؛ أسلوبُه في التّرجمة؛ أسلوبُه في القصّة؛ أسلوبُه السّاخر؛ شخصيّته وثقافتُه وانعكاسُهما في كتاباته الشّعريّة والنّثريّة، كما في ترجماته؛ إدخالُه الرّمز والأسطورة، وقبل الرّوّاد، على القصيدة العربيّة، وتحديدًا في كتابه البارز (أفاعي الفردوس). لكنّ كلاّ من هذه المواضيع، لا تكفيه إشارةٌ في مقالة قصيرة مثل هذه، بل تلزمُه دراسةٌ معمَّقة يستحقُّها الموضوعُ والشّاعر.

ما سأكتب فيه وعنه، في هذه العجالة، هو موضوع ثقافيٌّ عامٌّ يتحدّر من ثقافة الشّاعر المسيحيّة، أو أثرِها فيه: شخصيّةً وشِعرًا، عنوانُه: كيف يبدو، للقارىء، أنّ ديوان (أفاعي الفردوس) هو "كرسيُّ اعترافِه"، وتاليًا، أفَحَصَ ضميرَه، وتابَ وندمَ وقصدَ القصْدَ الثّابتَ في عدم العودة إلى ما "اعترف" به؟ إن حصل ذلك، فكيف نُفسِّرُ علاقتَه ب"المطربة السّمراء"، ومن وحْيها بعضُ مقطوعاتِ (إلى الأبد) وهي: صاحَ في عينيكِ صدّاحُ الأماني...؛ رأيتُكِ في قلبي فحلمي مُنَوَّرُ... تُقَرِّبُني نفسي فتُبعِدني "غَلوا"... ألغرامُ الّذي أطال شجوني... مرَّ على قلبي المُعَنّى... وقصائدُ ثلاث: "أنتِ لي"، من (نداء القلب)، وقصيدتا: "حيّرتني" و"قلبي على فمك"، وقد نشرهما في مجلّة صديقِه، بل "مكتشفِه"، فؤاد حبيش (ألمكشوف)، سنة 1936. وكيف نعلِّل علاقتَه ب(ليلى) مُلهِمةِ (نِداء القلب) و(إلى الأبد)، وقد تجاوزت حدودَ السّرِّ و"المعقول" و"المَقبول"، في ذلك الزّمن، وقد ارتدت الأسود، حدادًا عليه، طيلة سنواتٍ سبعٍ، غيرَ هيّابة؟ وإن لم يحصُل، فما قيمةُ ذلك؟

ألاعترافُ بالخطيئة، في المسيحيّة، سِرٌّ من أسرار الكنيسة السّبعة، إنّما يقوم، أوّلا، على الإقرار الصّادقِ، الصّريح، التّامّ، الكلّيّ، بما قام به "المعترِف". فلْنسمع أبا شبكة، في بداية "الأفاعي"، وفي القصيدة الأولى:

... إنّ في الحسنِ، يا دليلةُ، أفعى كم سمعنا فحيحَها في سريرِ

أوَليس هذا إقرارًا واضحًا؟ لكنّه "يبرِّر":

والبصيرُ البصيرُ يُخدَعُ بالحُســْـــنِ، وينقادُ كالضّريرِ الضّريرِ

والتّبرير محاولةُ "تبرئة". إذًا، لا ندامة حتّى الآن. وهي واجبةٌ في الإقرار، وبعده. يتابع، في القصيدة الثّانية:

فطوّفْتُ في عمرٍ من الليل والخنا يُعَرْبِدُ، والأرجاسُ تُرغي وتُزبِدُ

وللحمأ الغالي نشيــشٌ ورغوةٌ كأنّ الورى مستنقعٌ يتنهّدُ...

هذا إقرارٌ واضِح، ولا "يُبَرِّرُه" الشّاعر، ما يعني "الانغماسَ" في "الاعتراف" وما فيه، أو يستتبعه، من ندم وتوبة وقصد "ثابت" لعدم العودة إلى ما "يعترف" به. فهل؟

يبدو أن لا. فها قولُه، في القصيدة الثّالثة، يوضح:

ستملكُها ما شئتَ، بعدُ، فلا تخفْ فإنّ ابنَها لمّا يزلْ يجهل الأمرا(7)

وفي الرّابعة "يبرِّىء" نفسَه، ويحاولُ أن ينسب الخطيئة إلى المرأة: "إنّ النّساءَ إذا راوغنَ لا عجبُ"! لكنّه، وفي القصيدة عينِها، يعود فيرى لها عذرًا:

وحقِّ طفـلِكِ، لم أشمت بإمرأةٍ زلّتْ بها قدمٌ، أو غـرّها ذهبُ

فرُبّ أنثى، يخون البؤسُ هيبتَها والبؤسُ أعمى، فتعيي ثمّ تنقلبُ

ثمّ، في الخامسة، يصبُّ غضبَه على المرأة، لكأنّها "شرٌّ كلُّها، وشرُّ ما فيها" أنّها مستغرقةٌ في الفساد، في الإغراء "لاصطياد" الرّجل، ولو كان والدها، مستعيرًا أسطورة (سدوم)، وأخبار (لوطٍ) وابنتَيه:

مَغنـاكِ ملتهبٌ، وكأسُكِ متـرَعه فاسقي أباكِ الخمرَ، واضطجعي معه..

قومي ادخلي، يا بنت لوط، على الخنى وازني، فإنّ أباكِ مهّد مضجعَه...

ومن خلال ذلك يُعَمِّم التّجربة، فيعتبر أنّ حضارة العصر مُشَوَّهة، قذِرة، لأنّها امتدادٌ لسدوم ولحالة ابنتَي لوط، وتاليًا المرأة:

أسدوم هذا العصر، لن تتحجّبي فبوجه أمِّكِ ما برحتِ مقنَّعه...

قذفتكِ صحراءُ الزِّنى بحضارةٍ ثَكلى، مشوَّهةِ الوجوه، مُفَجَّعه

لكنَّ أبا شبكة، وهو في قلب الجحيم، يُبقي في نفسِه، حنينًا إلى الطُّهر، ما يُشير إلى أنّه "ضميرٌ" يتعذّب، يعاني، فهو يُدرِك "سقطاتِه"، ويحاول الخروجَ منها، للخلاص:

إنّ في قلبيَ البغيِّ، خَيــالاً من عَفافٍ ما فاجرتْه البَغـايا

إنْ تكن حفنتي المُدَمّاةُ ملكي فخيالُ العفافِ ملكُ سوايا

هذا "السِّوى"، هو الحُبُّ النّقيُّ الّذي لم يفارق "داخله"؛ لذلك هو، عى قول فؤاد حدّاد، "ضميرٌ في قَعر الخطيئة"! هذا الضّميرُ يحيا صراعًا نفسيًّا رهيبًا بين السّلب والإيجاب، الشّرِّ والخير، الفسادِ والطّهارة، يبدو حارًّا. لكأنّه الصّراعُ بين الشّهوة والتّوبة، بين الحَواسّ والرّوح... يعرف الشّاعرُ، ويعي، "الحالة" الّتي "تسكنه"، أو هو "ينسكن" فيها، ويريد الانتصار، الانتصار الصّعبَ، لا المستحيلَ، وتأتي قصيدة (عهدان) لتُثبِتَ هذه المعرفةَ، وتدلُّ إلى أيّ "تَخَبُّط" كان يعاني. وهو كذلك في التّالية (ألشّهوة الحمراء) إنّها المُشكِلةُ الكبرى. ألاسفافُ والارتقاءُ في جَهنَّم واحدةٍ، هي الجسدُ الّذي "يسفّ" بصاحبه، وتحاول روحُه أن "تسمو" به، فيُصبِحُ الكائنُ "مشطورًا"، كلُّ شطرٍ، منه، يجمح في اتّجاه. وفي ختامِها تتغلّب الشّهوة، وهي، مرّة بعدُ، رمزُ حضارة العصر. ينتبه إلى "الهوّة" الّتي آل إليها، فيشتهي الموت (قصيدة: "شهوة الموت"). ثمَّ يتوجّه، حارًّا، صادقًا، نادمًا، تائبًا، قاصِدًا عدم "السّقوط" مُجَدَّدًا، فيركع مُخاطبًا ربَّه، مُصَلِّيًا (ألصّلاة الحمراء)، وفيها الاعترافُ كلُّه، بما يحتوي من صدق، وانسِحاقٍ، وتوبة، هي من صلب "سرِّ" الاعتراف، في المسيحيّة الكاثوليكيّة. كم يبدو الإنسانُ، هنا، تائقًا إلى الخلاص! وبعد ذلك تأتي قصيدةُ (الدَّينونة)(، وهي، كذلك، من صلب "التّعاليم"، فيصوِّر نفسَه أمام إبليس، ويُقيم، معه، حوارًا من طرفٍ واحد، فيطلب منه:

حوِّلْ خَيالَكَ عنّي ولا تُخَيِّمْ عليّــا

خائفًا، يبدو، من "الجحيم"، مُتمَنِّيًا ألاّ "يغرقَ" في لَظاها:

إبليسُ ليست جَهَنَّم داري، فحوِّل خَيالَك

ويحلم، في ختامها، بالغفران:

إذا بصوتٍ من الأرض الّتي صَفَحَتْ يقول للنّار: "أهل الأرض قد غفروا".(

ويُدرِج الشّاعرُ، في ختام "أفاعيه"، قصيدة (الطُّرح)، فيعتبر أنّ طفله الّذي تحوَّل إلى "طرح"، هو عقابٌ له. خطاياهُ والآثام، كثيرةٌ، مُشّوِّهةٌ لنفسه وللرّوح. فيجدّد توبتَه، وبغُصّةٍ، يتساءل:

إنّ في الحُبِّ، صورةَ الله، لكنْ أين في الخَلقِ، صورةُ الخلاّقِ؟

لقد رأينا، في هذه اللمحة العجلى، تأثير "سِرِّ الاعتراف" في المسيحيّة عَبْرَ هذا الكتاب، من خلال قصائدِه الثّلاثَ عشرة، قصيدة قصيدة، بحسب تَسَلسلها فيه. أرى أنّ هذا التَّسَلسل مقصود. من الاعتراف بدون توبة، إلى الاعتراف والتّبرير، إلى الاعتراف الصّادق، فالتّوبة، فالصّلاة، فالانسحاق، فالدّينونة، فالقصاص. كأنّ شاعرَنا، دخل، في أفاعي الفردوس، "كرسيَّ الاعتراف" وأقرّ بآثامه، قصْدَ التَّوبةِ والتَّطَهُّر.

إنّ هذه التّجربةَ، في الشِّعر العربيّ الحديث، تمثِّل قِمّةً في الصّدق والانفعال. مَن يقرأ مذكّرات الشّاعر، عن السّنة 1929، ويقرأ القصائد، يكتشف العلائق والرّوابط الوثيقة الّتي تُشير إلى "الأحداث" الحقيقيّة. لقد "ترجم" أبو شبكة حياتَه شِعرًا. وكان صادقًا مرّتَين: في الحياة، وفي الشِّعر! وليس ذلك بغريب عليه، هو القائل في نداء القلب، وفي ختام قصيدة (أعذب الشِّعر):

فيا أذنُ، لا تخدعْكِ في القول بهجةٌ ويا قلبُ علِّمْ: أعذب الشِّعرِ ما صدقْ!

هذا، وإنّ أبا شبكة كان "وفيّا"، الوفاءَ كلَّه، لهذا المبدأ: حياةً وشِعرًا! وفي هذا، أيضًا، بعضُ ألَقِ هذا الشّاعر، وبعضُ وفائه لعقيدته: حياةً وشِعرًا! إذًا، فلا فَصْلَ، عند شاعرِنا، بين الحياة والشّعر. وهنا التَّحَدّي الكبير. وفيه نجح الياس أبو شبكة. وهنا بعضُ بقائه البهيّ النَّضِر.