أفاعي الفردوس  لإلياس أبو شبكة: على خطى بودلير... جزئياً

أفاعي الفردوس لإلياس أبو شبكة: على خطى بودلير... جزئياً

إبراهيم العريس

إذا كان اسم الشاعر اللبناني الياس أبو شبكة قد ارتبط منذ بداياته الشعرية في سنوات العشرين من القرن الفائت، باسم الشاعر الفرنسي شارل بودلير، فإن ما يمكن أن تقوله لنا قصائد مجموعته الثانية- في الترتيب التاريخي للظهور-، "أفاعي الفردوس"،

هو ان تأثر شاعرنا اللبناني بزميله الفرنسي لم يكن مطلقاً بل جزئياً، على عكس ما هو شائع. حيث اننا في قصائد هذه المجموعة ستجابهنا ضروب عدة من التأثير لن يكون ذاك العائد الى بودلير سوى أقلها شأناً. صحيح ان أبو شبكة جعل مخطط مجموعته كلها وجوّها العام يسيران على خطى مجموعة بودلير "أزهار الشر"، لكن الصحيح أيضاً ان ثمة ما لا يقل عن ثلاثة عناصر أخرى تلعب دوراً كبيراً من دون ان تكون على علاقة مباشرة بشعر بودلير.

وأول هذه العناصر هو الموت الذي تختلف نظرته اليه جذرياً عن رديفه لدى بودلير. فالموت لدى الشاعر اللبناني موت خاص مستقى من تجربتين ذاتيتين تتعلق أولاهما بموت أبيه غيلة كما سنرى، والثانية بإحساسه الدائم هو نفسه بحتمية موت قريب. ومن هنا نرى الموت يسيطر تماماً على فكره وقصائد المجموعة. لكنه موت يُحارَب بالسخرية وبالحكم عليه بالعدم. وبعد ذلك هناك الكتاب المقدس الذي قرأه أبو شبكة جيداً وارتكز الى الكثير من حكاياته في كتابته أقوى قصائده مستعيناً بشخصيات منه يحلّها بديلة عنه في القصيدة.

> وبعد هذين العنصرين، ثمة المرأة التي تختلف لدى أبو شبكة عنها لدى بودلير اختلافاً جذرياً. بل إن النظرة الى المرأة لدى الشاعر الرومانسي اللبناني تكاد في تناقضاتها وتناقض النظرة إليها تكون صنواً للحياة نفسها: فهي المرغوبة المخشية، الحنون والخائنة. ولعله في قصائده يحاول ان يدفعها الى اختيار ما بين المواصفات الكثيرة التي يعزوها اليها. وهو ما يفعله مثلاً في واحدة من أجمل قصائد المجموعة والتي يخاطب فيها حبيبة- متوهّمة!؟- هي "سليمى" قائلاً: "أسمعيني لحن الردى أسمعيني/فحياتي على شفار المنون- واذرفي دمعة عليّ/ فبعد الموت لا أستحق ان تبكيني- يا سليمى وقد أثار نحولي/ كامنات الردى على العشرين- ما تقولين عندما تنظرين/ القوم جاءوا إليّ كي يحملوني - وأنا جثة بدون حراك/ وخيال الحمام فوق جبيني- يا سليمى أنا أموت ضحوكاً/ ليس هذا الوجود غير مجون (...)".

> والحقيقة ان نظرة الياس أبو شبكة الى الموت والمرأة، وهي نظرة تبدو مجتمعة في هذه القصيدة بالتحديد، إنما تنبع تماماً من تجربته الذاتية، ولا سيما تلك المرتبطة بالمرأة وإن لم توضح الأبيات السابقة ذلك. فعلى رغم أن المرأة تحضر في كل شعر أبو شبكة وصولاً الى حبيبة أيامه الأخيرة "غلواء" والتي خصّها بآخر مجموعة صدرت له في حياته (1945)، إلا أن حضورها مستقى مباشرة من امرأة الشعراء العذريين العرب الذين درسهم الشاعر في شكل خاص، لا من المرأة البودليرية... وذلكم أمر بات من الضروري التركيز عليه في اية قراءة لهذا الشاعر الذي من المؤسف أن "حداثة ما" خلال العقود الأخيرة غيّبته عن الساحة الشعرية العربية مغيّبة معه جانباً أساسياً من الصورة العامة للذهنية العربية كما تجلت خلال النصف الأول من القرن العشرين وكان أبو شبكة من خير المعبرين عنا بحياته كما بشعره.

> مهما يكن، بالنسبة الى شاعر من طينة الياس أبو شبكة ستكون المفاجأة الأولى لمن يقرأ شعره ويعجب به، ان يكتشف ان هذا الشاعر لم يعمّر في حقيقة أمره سوى أربع وأربعين سنة، قضى العامين الأخيرين منها يصارع الداء العضال الذي اصابه وأودى به، وقضى سنواتها الأولى وهو يعيش هاجس الموت الذي قضى على والده، غيلة عن طريق القتل، حين هاجمه لصوص في 1914 وقتلوه فيما كان يقوم برحلة بين بورسعيد في مصر والخرطوم في السودان.

> وفي كل الأحوال ربما كان الانطباع الأول الذي تتركه حياة وشعر الياس أبو شبكة لدى قارئه، هو انطباع من يجد نفسه أمام شخص لم يعش سوى الصراع في سنوات عمره القصيرة، الصراع ضد هاجس الموت، الصراع ضد المرض، الصراع ضد جمود بعض رجال الدين من الذين خبرهم في طائفة اليسوعيين واصطدم بهم باكراً، والصراع ضد الجمود في الشعر العربي، ولكن ايضاً ضد الانفتاح المبالغ فيه على الرمزية الفرنسية من قبل شعراء لبنانيين وعرب كان الياس أبو شبكة يأخذ عليهم اهمالهم التراث العربي، ثم الصراع ضد الخطيئة التي كان غالباً ما يرتكبها وتخلف لديه آثاراً نفسية ضخمة نراها ماثلة بقوة في شعره، وأخيراً الصراع ضد المرض الذي فتك به وهو بعد في شرخ شبابه وأول عطائه.

> ولد الياس أبو شبكة عام 1903 في نيويورك خلال زيارة كانت أمه تقوم بها إلى أقارب لهم هناك، لكنه سرعان ما عاد الى لبنان، لتكون صدمته الأولى في ذلك الموت العنيف الذي قضى على أبيه. وتلقى الفتى تعليمه في مدرسة كهنوتية تركت لديه احساساً غريباً ومكثفاً بالبعد الروحي، الذي وجده متناقضاً مع ممارسات رجال الدين انفسهم، فكان ان لجأ الى قراءة الكتاب المقدس والنهل منه كبديل عن علاقة سيئة مع الكنيسة.

> ولقد اكتشف أبو شبكة الشعر باكراً، الذي اطلع عليه منذ نعومة أظفاره حيث ذهب تفضيله الى الشعراء العذريين الذين عرفتهم بادية الحجاز، كما تأثر كثيراً في فترة لاحقة بشعر أبي العلاء المعري. ومهما يكن فإن الباحثة اللبنانية ريتا عوض، اذ تجعل من الثقافة العربية أول الروافد الثقافية التي طبعت الياس أبو شبكة، تقول ان الثقافة الفرنسية هي الرافد الثاني، حيث تأثر بخاصة بالرومانطيقيين من امثال دي موسيه ولامرتين، قبل ان يكتشف شارل بودلير فيصبح شاعره الأثير ويكتب "افاعي الفردوس" تحت تأثير قراءته ديوان "ازاهير الشر". وأما الرافد الثالث الذي أثر في أبو شبكة فكان الكتاب المقدس الذي اكتشفه أبو شبكة واكتشف غناه الفكري والجمالي من خلال قراءته شعر ألفريد دي فينيْ الذي كان بدوره شديد التأثر بالكتاب المقدس.

> وهكذا، اذ أطل أبو شبكة على الحياة الشعرية اللبنانية والعربية اطل وفي جعبته هذا الانفعال بثلاثة مكونات اشتغلت عليه في شكل جيد، وبدأ انطلاقته منها ولسان حاله يقول كما كتب، عام 1936، في جريدة "المعرض": "نريد أدباً جديداً نستقل به ونطبعه بطابع من نفوسنا، نريد ادباً يقوم على ثورة في الفكر والنظم والتقليد، نريد ادباً يخرج عن القاعدة التي سنها المتقدمون ولو تهجم المتهجمون. نريد ان نضحي بكل النظم والتقاليد الأدبية في سبيل الفكر والفن".

> وتقول الباحثة ريتا عوض، ان اهم "ما في هذا القول ان الأدب الجديد الذي يدعو اليه أبو شبكة أدب عربي خالص، لا هو التقليدي القديم ولا هو في الوقت نفسه أدب غريب عنا". وهذا ما تستند فيه إلى قوله: "إنه تجديد نستقل به ونطبعه بطابع من نفوسنا، أي ان التجديد يجب ان يكون عربياً صرفاً غير مستورد من تجارب الآخرين ونتاجهم" وتضيف ريتا عوض "من هذا المنطلق رفض أبو شبكة اتباع المذاهب الفنية الغربية، وقاوم بشدة التيار الشعري العربي المقلد للمذهب الرمزي الرئيسي". غير ان أبو شبكة اذ رفض الرمزية الفرنسية، نراه يستعيض عنها باتباع ما للرومانسية الفرنسية. وهل كان يمكنه الا يكون رومانسياً ذاك الذي عاش تحت هاجس الموت طوال حياته من ناحية وشكلت المرأة، وحب المرأة بالنسبة اليه، بدءاً من أولغا التي احبها وتزوجها وصار اسمها في شعره "غلواء" وصولاً الى ليلى المتزوجة، وإلى المغنية المصرية السمراء التي لا اسم لها في اي من المراجع التي كتبت عن الياس أبو شبكة؟

> مهما يكن لم يترك الياس أبو شبكة شعراً كثيراً، وإن كان قد ترك شعراً متفاوت التوجه والجودة خمس مجموعات حملت عناوين: "القيتارة" (1926) و "افاعي الفردوس" (1938) و "الألحان" (1942) و "نداء القلب" (1944) و "الى الأبد" (1945) ثم "غلواء" (1945)، بينما نشرت له بعد موته مجموعة شعرية عنوانها "صعيد الآلهة" تضم شعراً خطابياً. ونذكر للمناسبة ان أبو شبكة، اضافة الى شعره الرومانسي الخالص، كتب شعراً وطنياً وخطابياً، لا يرقى في مستواه بالطبع إلى مستوى شعره العميق الجميل الذي كتبه خلال المرحلة الأخيرة من حياته.

من ارشيف جريدة الحياة