أوراق سعيد الديوه جي المؤرخ الثبت

أوراق سعيد الديوه جي المؤرخ الثبت

د. ابراهيم خليل العلاف

مما افخر به انني قدمت المجموعة الاولى من اوراق شيخ المؤرخين الموصليين المرحوم الاستاذ سعيد الديوه جي والتي حررها واصدرها ولده الجليل الاخ والصديق الاستاذ الدكتور أُبي سعيد الديوه جي رئيس جامعة الموصل الاسبق وللفائدة انشر ما كتبته في التقديم واقول:

من حسن الصدف، أن يقترن صدور هذا الكتاب (أوراق سعيد الديوه جي) مع تأسيس (رابطة كتاب تاريخ الموصل وتراثها) في الموصل، هذه الرابطة التي تهدف الى ترسيخ الوعي بأهمية ارث الموصل وتراثها ومعالمها ورموزها.

وكان سعيد الديوه جي 1912- 2000 شيخ المؤرخين الموصليين أول مؤرخ اهتمت الرابطة به، ومنحته عضويتها الشرفية واصدرت قرارا بذلك ونشرته. وحيثيات هذا التكريم لم تأت من فراغ، وانما هناك من الكتب والمصادر والدراسات والمقالات التي الفها الاستاذ سعيد الديوه جي ما تجعله يقف في الصف الاول من المؤرخين الموصليين المعاصرين.

منذ خمسين سنة، وأنا اعرف الاستاذ سعيد الديوه جي معرفة شخصية دقيقة... أهداني عددا من كتبه، وكنت ازوره في داره بحي الثورة في الموصل، واعلنت أمام تجمع للمؤرخين والاثاريين والادباء والكتاب في الموصل وبعد ان استضفناه لإلقاء محاضرة في اللجنة الاستشارية للثقافة والفنون في محافظة نينوى انه الرئيس الفخري لجمعية المؤرخين والاثاريين –فرع نينوى وكنت رئيسا لها وقد فرح بذلك كثيرا، وكنا نأخذ بمقترحاته ونستشيره في كثير من قضايا الجمعية.

وقد لايعرف كثيرون انني عملت معه في لجنة الرماح في محافظة نينوى لاختيار وانتقاء اسماء الشوارع والجسور والساحات والاماكن والمحلات في الموصل وقد حضرنا سوية اجتماعات هذه اللجنة.

وكم كنت سعيدا ان اصطحبه معي لحضور العديد من الفعاليات الثقافية في قاعة المتحف القديم، وكان مسرورا، وهو يرافقني وقد شجعني هذا وانا رئيس قسم التاريخ سنة 1994 ان اقترح على مجلس قسم التاريخ ومجلس كلية التربية ومجلس جامعة الموصل منحه شهادة الدكتوراه الفخرية في التاريخ تقديرا لما قدمه في مجالي البحث والدرس التاريخيين. وقد حصلت الموافقات على ذلك وكنا نتهاتف حول الموضوع لكن عميدا لإحدى الكليات أحبط الموضوع كله لغاية في نفسه او لأي سبب آخر، وتوفي شيخنا دون ان يعرف السبب وكم كنت حزينا لان ما اقترحته لم يبلغ مراحله النهائية مع الاسف الشديد.

سعيد الديوه جي لم يكن مؤرخا يأخذ من هذا الكتاب ومن هذا الكتاب، بل كان مؤرخا ميدانيا.. عندما اراد ان يكتب عن (جوامع الموصل) زار الكثير من المساجد والجوامع القديمة وتفحص ريازتها ومخططاتها العمارية ووقف عند ما فيها من كتابات وزخارف ومقرنصات وافاريز واواوين وسبيلخانات واساطين وخزانات كتب. ثم عاد الى الاصول من المصادر، وقارنها ببعضها ثم حصل على كثير من الرسومات والصور وهكذا فعل وهو يكتب عن خانات وقيصريات وقصور ومقاهي ومجالس واسواق ودروب وعوجات الموصل.

اينما التفتَ ترى الديوه جي.. اذهب الى قره سراي او سراي المملكة أو اذهب القلعة الرئيسة باشطابيا او اذهب الى مدرسة الخياط او اذهب الى قهوة الثوب او اذهب الى جامع الباشا ترى امامك سعيد الديوه جي قد كتب، ووثق، وحقق، ونشر.

من هنا، وحين كنت اتحدث مع الاخ والصديق الاستاذ الدكتور أبي سعيد الديوه جي ولده وهو يتواصل مع مشروع نشر الجديد عن ارث وتراث الديوه جي كنت دائما اقول له انني اطمح ان ارى ما لم ينشر للديوه جي وهو كثير.... اوراقه الخاصة.... رسائله الشخصية... ملاحظاته... حواراته.. لقاءاته مع المستشرقين واحاديثه معهم... توجيهاته الى طلبة الدراسات العليا ليس في مجال التاريخ بل في مجالات كثيرة ومنها العمارة، والاجتماع، والسياسة، والاقتصاد... كنت أعرف أنه يوثق، وكنت أعرف انه يدون وكنت اعرف انه يؤرشف كنت ارى عنده وثائق ليست عند غيره، لهذا كنت متلهفا ان تظهر ولبى الاخ الاستاذ الدكتور أبي (حفظه الله) طلبي، فقام بجمع معظم ما وجده في خزانة والده المليئة بالكنوز التاريخية والمعرفية.

وكان لابد لأخي الاستاذ الدكتور أبي سعيد الديوه جي ان يقدم للكتاب بما يفيد انه كان الى جانبه في نشاطه التوثيقي لفترات زمنية، فكتب عن حياة والده او لنقل عن بعض جوانب حياة الاستاذ سعيد الديوه جي وهذا ضروري وضروري جدا حتى نضع الاحداث في سياقاتها التاريخية.

قسم مما وجده، لم يسبق ان رأى النور، وقسم مما ضمه الكتاب وقائع شهدها في حياته مع والده، وقسم منها وجده بين الاوراق المتناثرة والتي تعود الى اكثر من نصف قرن، وقسم منها يعود الى والد الاستاذ الديوه جي الشيخ احمد والى عمه الشيخ عثمان الديوه جي، وقسم منها ليس الا وثائق ومراسلات افراد من اسرة ال الديوه جي مع شخصيات موصلية وغير موصلية كان لها شأن ودور امثال السويدي وقاسم المفتي وأحمد الفخري والنقشبندي وغيرهم، موثقة بنصوص لم تنشر.. ومما وجده ايضا مقابلات وحوارات صحفية ومع اعلاميين وكتابا معروفين، وقسم منها ما يتعلق بحياة سعيد الديوه جي في محلته محلة باب المسجد، ومجلسه مجلس ال الديوه جي الذي كان يحضره العديد من الادباء والشعراء والأصدقاء، وقسم منها وصف لمكتبه الديوه جي وما كانت تضمه من مؤلفات ووثائق ومخطوطات.

والشيء الجميل الذي ضمه هذا الكتاب ان الاستاذ سعيد الديوه جي كان حريصا على تدوين ملاحظاته عندما يلتقي بأي شخص عنده اهتمامات تاريخية وتراثية وخاصة ممن كانوا يزورونه في مجلسه وداره ويمكننا ان نسرد اسماء الكثيرين من هؤلاء منهم الشيوخ والاساتذة رشيد الخطيب، محمد الكتبي، مفتي العمادية، الدكتور إبراهيم العلاف، الدكتور عادل البكري، الشيخ جلال الحنفي، جون فييه، الدكتور حسين علي محفوط، سعدي يوسف، أزهر العبيدي، يوسف ذنون عبد الله، علي حامد الراوي، الشيخ محمد علي العدواني، السيد سابق، الدكتور أحمد قاسم الجمعة، الاستاذ عبد الواحد الرمضاني، الدكتور ذنون يونس الطائي، الفنان نجيب يونس وغيرهم من الذين شهد ولده الاستاذ الدكتور أبي قسما من لقاءاتهم معه أو وجد محاضرها بين المدونات، وكم انا سعيد وفرح ومغتبط وانا ارى الاخ الاستاذ الدكتور أبي يكتب: " أنه كان للاستاذ الدكتور إبراهيم العلاف الدور الواضح في تزويدي بمعلومات نادرة وصورا ووثائق متميزة تخص جوانبا في سيرة وحياة الاستاذ سعيد الديوه جي ".

من حسن حظ الاجيال القادمة وهي تقرأ هذا الكتاب انها ستجد تفاصيل لم تراها في مصدر آخر عن كيفية تأسيس متحف الموصل والذي تولى الاستاذ سعيد الديوه جي تأسيسه وادارته ردحا من الزمن، وقد كانت لهذا المتحف مكتبة فريدة ومهمة وغنية بالمصادر والمراجع لا نجد نسخا منها في اية مكتبة في العالم.

وايضا نجد في هذا الكتاب ما كتبه الاستاذ سعيد الديوه جي عن دوره في تأسيس كلية المحاسبة وادارة الاعمال.

ومن الطريف ان نقرأ ايضا في الكتاب ما سجله الاستاذ سعيد الديوه جي عن الرحالة والصحفي والاذاعي المعروف يونس بحري، وعن الاعدادية الشرقية وعن ملاحظية دار المعارف وعن اسهاماته في بعض ندوات جامعة الموصل.

وفي الكتاب نجد اخبارا ووثائق عن مقالات كتبها ونشرتها صحف ومجلات عراقية وعربية وعن بعض ما كان يكتبه في جريدة (فتى العراق) الموصلية باسمه الحقيقي وبأسماء مستعارة.

وهناك تفاصيل عن رحلاته وسفراته الى اماكن عديدة في العالم منها السعودية، ومصر، وتونس، وبريطانيا، وتركيا، وليبيا وسوريا.. ويقينا ان تلك الرحلات كانت تتضمن لقاءات علمية منها مثلا مع الشيخ محمد طاهر الكردي في مكة ومع الاستاذ أحمد حسن الزيات في القاهرة.

ويتضمن الكتاب بعضا مما سطرته اقلام عدد من تلاميذ سعيد الديوه جي ومنهم الدكتور ابراهيم العلاف، والاستاذ حميد المطبعي، والاستاذ قصي حسين ال فرج وغيرهم.

ولابد لي ان انوه بان الكتاب يحتوي على مراسلات الاستاذ سعيد الديوه جي مع عدد من الكتاب والباحثين والاساتذة الكبار امثال الاستاذ عبد الحق فاضل، والاستاذ إسرائيل أبو ذيب، والاستاذ كوركيس عواد والدكتور بهنام أبو الصوف والدكتور حسين علي محفوظ وغيرهم ويقينا ان تلك المراسلات علمية ولهذا فهي تعد مصادرا مهمة من مصادر التاريخ الثقافي العراقي المعاصر.

وكثيرون لايعرفون ان ظروف الأمس لم تكن مثل ظروف اليوم في مجال توفر التقنيات على مستوى الطبع، والكتابة، والاستنساخ، والتصوير؛ فالكتاب يتضمن نماذج مما كان يستنسخه الاستاذ سعيد الديوه جي من الكتب، والمخطوطات، والمصادر وبخط يده ومنذ الاربعينات من القرن الماضي. ومما تضمنته هذه النقولات والاستنساخات معلومات عن (الاثار النبوية الشريفة)،، و(مساجد الموصل)، و(العرب والكورد)، و(من تراث الموصليين)، و(وثائق وارشيفات نادرة).

واخيرا، فالكتاب فيه مجموعات، وأشعار، ونوادر سماها استاذنا العلامة سعيد الديوه جي (مجموعة الديوه جي)، وفيها تطرق الى بعض قصائد الاستاذ محمد الديوه جي. كما ان هناك مقال فريد بعنوان (صحابة دفنوا في مدينة الموصل).

ولم ينس الاخ الاستاذ أبي ان يضمن كتاب والده هذا ما وجده مما كتبه والده استاذنا العزيز عن حالات تم التجاوز فيها على بعض ما كان يكتب وخاصة كتابيه (الموصل في العهد الاتابكي) و(اشعار الرقيص).