الموصل مع مؤرخها سعيد الديوه جي

الموصل مع مؤرخها سعيد الديوه جي

عبد الجبار العتابي

ربما.. تتشابه الايام وتتناظر الازمنة وما عانته الموصل من عذابات في عصور بعيدة يتكرر من جديد، ثمة احداث متشابهة يمكن قراءتها مجددا.

في الحديث عن الموصل.. ترتفع عشرات الالوية بمئات السنين وترفرف رايات كل العصور التي جبلت تصوراتها واحداثها من ماء وتراب المدينة، هذه المدينة التي لم يترك التاريخ عاما دون ان يدخلها ويتأملها ومسجلا ما يدور على ارضها،حتى اذا ما قال (هنا..) واشار بيده الى اصقاعها ترادفت الكلمة (هنا.. هنا.. هنا) تتقلب بحروفها وتفيض بمعانيها لتملأ البقاع والاسماع.

مع المؤرخ الموصلي الراحل سعيد الديوه جي (1912 - 2000 م) كان لي حوار مطول حين زرته في بيته عام 1998 برفقة المصور نور الدين حسين، كانت الزيارة للاطمئنان على صحته، والتعرف عليه، كان متعبا وقد اخذت منه الشيخوخة مأخذا، لكنني حاولت ان احاوره،فتارة كان يكتب لي على اوراق سمر بقلم الرصاص وتارة يتحدث لي ببطء شديد، ومع احداث الموصل الاخيرة بحثت عن الحوار بين اوراقي العتيقة فوجدته وأعدت قراءته ووجدت فيه ما ينفع نشره في ايامنا الموصلية هذه.

الدخول الى الموصل من بواب التاريخ متعة تتراكب في مفرداتها الدهشة والانبهار من عمقها العربي، وها هو حافظ تاريخها شيخ المؤرخين الموصليين سعيد الديوه جي ينهض بـ 89 عاما من عمره ليتحدث عن الوصل بادئا بقوله عنها: الوصل مدينة عربية منذ ان نشأت الى اليوم، ثم يوضح: الهلال الخصيب امتداد بجزيرة العرب يمتاز بكثرة مياهه وطيب مناخه وكثرة خيراته، وهجرة القبائل العربية لم تنقطع اليه منذ اقدم العصور فقد سكنوا فيه وشيدوا له مدنا ودولات ومن المدن التي اقاموها فيه هي مدينة الموصل التي تقع على الضفة الغربية من نهر دجلة وتقابل مدينة نينوى.

* متى كان اول ذكر لموصل في التاريخ؟

- في سنة 1080 قبل الميلاد شيد الاشوريون عاصمتهم نينوى واقاموا حولها قلاعا تدرأ عنها الاعداء،لكنها الحصن الذي شيدوه فوق (قليعات) الاقع على نهر دجلة غربي نينوى وسكنت القبائل العربية قرب هذا الحصن فكانت مدينة الموصل، وقد جاء في تاريخ (السعرتي) عند كلامه عن الحصن الغربي (الموصل): (كنته القبائل العربية وتوالت اليه على مر السنين)، وفي سنة 612 قبل الميلاد دمر الميديون والكلدانيون مدينة نينوى واصاب الموصل ما اصاب نينوى، وبعد ان هدأت الاحوال رجعت الى الموصل القبائل العربية كما عاد من سلم من سكان نينوى الى (تل توبة)وشيدوا لهم حصنا فوقه عرف بالحصن الشرقي تمييزا له عن الحصن الغربي الذي يقابله، وعرفت الموصل بالحصن الغربي وازدادت اليه هجرة القبائل فامتدت الى ديار بكر والرها الذين يسمون هذه البلاد (باعربايا) اي بلاد العرب.

*على ذكر القبائل، من هي القبائل التي سكنت الموصل؟

- قال الاصمعي:كانت قريش تسأل عن خصب باعرابيا لقدر ما عندهم،وعن بلاد الجزيرة ما يليها لانها تعدل في الخصب، اما القبائل التي سكنت الموصل فمنها (إياد) التي كانت كثيرة العدد ولها شأن في الاسلام وشاركت في فتح تكريت والموصل، ومنها (قضاعة) وهي كبيرة وعزيزة الجانب، ومنها (ثقيف) التي سكنت الموصل بعد الفتح وشيدت لها مسجدا عرفت محلتهم به (محلة باب المسجد) ولهم حظيرة تسمى (الشكيف) اي ثقيف، ومن القبائل القحطانية الازدر، واكثر علماء الموصل منهم، وذلك عبد قيس والفراهيد وهمدان والخزرج.

* متى فتح المسلمون الموصل؟

- كان ذلك سة 16 هجرية بعد واقعة القادسية، ونظرا لاهمية موقعها فإن الفاروق جعل فيها احد الاجناد الستة التي جندها لفتح البلاد فكانت ارمينية واذربيجان من فتوحها.

*والعصور اللاحقة.. كيف كانت احوال االموصل؟

- في الدولة الاموية اتخذوها قاعدة لبلاد الجزيرة ونقلوا اليها الدواوين ومدوا لها جسرا فكانت من اعظم مدن الجزيرة،وفي الدلة العباسية ولى عليها العباسيون (محمد بن صول) مولى خثعم فانف (المواصلة) من ولايته وقالوا لا يلينا مولى خثعم فأخرجوه من البلد،وفي الدولة الحمدانية (293-367) عنوا باقتصاد المدينة ورخائها فكثرت فيها القبائل العربية وصارت مركز تجمع عربي قوي، وكان عضد الدولة قوة في وجه البويهيين الذين حاولوا تعكير صفو الدولة فاحتل بغداد واوقفهم عند حدهم، وفي الدولة الاتابكية (521 – 660) التي اسسها عماد الدين الزنكي، نظم المدينة وحشر بها الجند فكانت من اعظم مدن البلاد بعزها واقتصادها وقوتها.

*لندخل بوابة التاريخ القريب ونقف عند الدولة العثمانية،كيف عاش اهل الموصل في هذا العهد؟

- في القرن العاشر الهجري استولت الدولة العثمانية على العراق،وكانوا في حرب مستمرة مع الصفويين، وكانت الموصل القلعة القوية التي صدت الزحف الصفوي عن البلاد، وكانت اخر معركة هي التي قام بها نادر شاه سنة 1464 هجرية، ففشل نادر شاه في الاستيلاء على المدينة وعاد من حيث اتى.

*لنذهب الى عام 1924، ما الذي جرى للموصل؟

- في عام 1924 طالبت تركيا بمدينة الموصل،الولاية التي كانت تشمل كركوك واربيل والسليمانية، ومركزها الموصل في العهد العثماني،وطالت المداولات بينها وبين العراق وعرضت الامر على مجلس عصبة الامم فقرر المجلس تشكيل لجنة من اربعة اعضاء للتحقيق بهذا الامر، ووصلت اللجنة بغداد في 16 كاون الاول (ديسمبر) سنة 1924، وفي 26 منه سافرت اللجنة الى الموصل وبقيت فيها مدة وكانت تتحدث مع اختلاف الناس،وكان للجنة منتهى الحرية في الاتصال بالاشخاص والجماعات وعقدت اجتماعات مع من يريدون انهاء القضية، وكانت الحكومة العراقية قد استعدت لمقابلتها واتخذت احتياطات كثيرة،فقام الطلاب والمخلصون في توعية الشعب عن مصير مدينتهم العزيزة،فكان اهل الموصل يلاحقون (جاويد باشا) العضو التركي مع الوفد ويصرون (نحن عرب.. نحن عرب)، وقد حمل كل طالب علما عراقيا صغيرا، ومما اذكره تلك القصيدة الحماسية للشاعر اسماعيل حقي الفرج (لست يا موصل الا / دار عز وكرامة) التي الهبت مشاعر الناس.

* وماذا جرى بعد ذلك؟

- طال الجدل والمناقشات حول هذا الموضوع والعراق صاحب الحق مصر على حقه في الموصل واستثمار النفط الذي هو في بلده،وكثرت الاجتماعاتوالمداولات واخيرا قرر مجلس الامن في 16 كانون الثاني (يناير) عام 1925 ان الموصل للعراق، وبعد ان قررت عصبة الامم ان الموصل عراقية.. عربية، جمعنا المدارس وخرجنا في تظاهرات وذهبنا الى المتصرف فكان يهنينا، وبعدها جاء الملك فيصل الى الموصل اعتزازا بها.

يذكر ان سعيد احمد الديوه چي هو مؤرخ محلى من الموصل، ولد في الموصل عام 1912 اكمل دراسته الابتدائية والثانوية في الموصل، والتحق بدار المعلمين العالية ببغداد وتخرج فيها عام1931، واشتغل في التعليم في مديرية معارف الموصل. وعين معاوناً لمدير معارف الموصل عام 1944، ونقل إلى التفتيش في المدارس الابتدائية في لواء الموصل عام 1946. ونقل عام 1951 إلى مديرية الآثار العامة، وقام بتهيئة متحف حضاري في الموصل، افتتح عام 1952 في المهرجان الألفي الذي أقيم لابن سينا ببغداد، وبقي مديراً للمتحف الحضاري في الموصل حتى احيل إلى التقاعد عام 1968، وكان قد قضى في الخدمة ستاً وثلاثين سنة.

ألف الديوه جي عشرين كتاباً في التاريخ العربي الإسلامي ويعد واحداً من أهم المؤرخين في العراق واغزرهم إنتاجاً، فهو فضلاً عن كتبه العشرين لديه عشرات البحوث المنشورة في المجلات العراقية والعربية فضلاً عن مقالاته العديدة، ويعد استاذاً ومرجعاً لطلبة الدراسات العليا، من أهم مؤلفاته المنشورة:الفتوة في الإسلام (1940)، جوامع الموصل (1960)، تقاليد الزواج في الموصل (1975)، تاريخ الموصل الجزء الأول (1982) والثاني (2001)، صناعة النسيج في الموصل (1987)، وقام الديوه جي بتحقيق عدة كتب منها منية الأدباء لياسين العمري (توفي 1235 هـ) وبعض كتابات نقولا سيوفي.