الكاظمية والدكتور علي الوردي.. ما هو تأثير أسرته ونشأته الاولى وبداية تعلمه في الكاظمية؟

الكاظمية والدكتور علي الوردي.. ما هو تأثير أسرته ونشأته الاولى وبداية تعلمه في الكاظمية؟

علي طاهر تركي

كان جده محسن من اعيان الكاظمية، امتهن في نهاره حرفة الصياغة، وفي ليله قريئاً للشعر وذواقاً لفنونه، حافظاً لرقراقة ورفيعه، جامعاً لنادره وشارده، فانجز مؤلفات عدة، كان منها (المجموع الجامع) وصفه حسين محفوظ بـ(الحماسة الوردية). لحق لقب الورد ومن ثم الوردي بالاسرة بسبب امتهان جد الاسرة السيد هاشم وبعض من ابنائه حرفة تقطير ماء الورد، وأما والدته فهي تعود بنسبها الى الاسرة نفسها، فهي كريمة عم ابيه سيدة فاضلة من بيت علم وأدب.

ولد علي الوردي بتاريخ 1913 في مدينة الكاظمية، وكان المولود الرابع والوحيد لأبويه اذ توفي اخوته جميعاً بسبب الامراض والاوبئة المتفشية يومئذ في البلاد، والده هو السيد حسين بن محسن بن هاشم ابي الورد بن جواد البغدادي الذي يتصل بنسبه الى الامام الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام

نشأ علي الوردي وترعرع في بيت صبا، طلت اعتابه عند زقاق "محلة الشيوخ"، واشرفت نوافذه الخلفية على "محلة الانباريين"، وهوأمر مكنه من الاختلاط مع أطفال المحلتين، وبالتالي الاحتكاك والتعرف على عادات وتقاليد واعراف هاتيك المحلتين المتباينة في جوانب والملتقية بأخرى، وفقاً لأسس النشأة والتكون في أصولها العشائرية وتركيبها السكانية، فضلاً عما اتسمت به من أنشطة معرفية وحرفية اثرت في تشكيل خصائصها الاجتماعية.

ساعد هذا التنوع بين المحلتين على انماء معرفته الأولية، ومثلما التمست خطاه الأولى طريقها نحو مراتع الطفولة وملاعب الصبا، عرجت به الى مجالس الكاظمية الزاخرة بعلمائها وادبائها ومثقفيها من متنورين ومجددين، فشنفت مسامعه سجالاتها الشعرية، وداعبت حوارات باحاتها مخيلته، مستثيرة اياها بسؤال وسؤال، واستفهام آخر؟! أثرت في تكوينه المعرفي المبكر الى حد كبير، وفي توجهاتها الفكرية والعلمية فيما بعد من مسيرته الدراسية والاكاديمية. أثرت فيه قيم الصراع بين المحافظ القديم والمتنور الجديد، وتفاعل معها تفاعلاً حسياً بدءاً، وموضوعياً في مراحل تالية من عمره الزمني والاكاديمي، صراع اتسم في بعض الاحيان بالحدة والعنف بين ما هو تقليدي (جامد) ومتنور (مجدد)، برزت ملامحه منذ العقد الاول من القرن العشرين، واتضحت صوره اعقاب الاحتلال البريطاني للبلاد خلال الحرب العالمية الاولى وما تلاها. وتجسد صراع الرؤى والافكار بين تياري المحافظين والمجددين في ذهنه برمزية الاصطراع بين من سماهم "الملائية"، ممن ارتكزوا في بنائهم العقائدي والفكري على قيم ومقومات الشرع الاسلامي القويم، والتراث الانساني والعلمي العربي والاسلامي، واولئك الذين اطلق عليهم بـ"الافندية" معظمهم من ابناء الفئة المثقفة العراقية الحديثة، ممن درسوا في المدارس والمعاهد والكليات الحديثة، وتأثروا بصورة عميقة بالنهضة العلمية والفكرية في اوربا، لا بل وحتى في مظاهر السلوكية والتحرر في العلاقات العامة المرفوضة بقوة من المجتمع العراقي المحافظ، مما كان له ابعد الاثر في تأجيج المواجهات بين الطرفين، لم تخل في احيان غير قليلة من "لمز" و "همز" واتهامات هدفت الى تقليل الشأن في وسط الرأي العام لهذا الطرف أو ذاك.

كما تركت التناقضات بين منشئه الطبيعي – المدني (الكاظمية) ومحيطها العشائري (الريفي) من قيم وعادات وتقاليد وسلوك واعراف، فضلاً عن انتماءاتها المذهبية، اثرها الفاعل في خوالج نفسه ورؤاه عن المجتمع العراقي، فهو وعلى حد تعبيره جزء لم يتجزء عما كان سائداً في مجتمعه من قيم اجتماعية او تطورات اقتصادية او ارهاصات سياسية، ولعل من الجدير بالذكر هنا ان نقتبس فقرة مما صرح به لأحد معاصريه عن ذلك:

" ان كل حادثة حدثت في العراق في تلك الفترة، سياسية او اجتماعية او اقتصادية او طبيعية، كان لها اثرها في نفوس الناس، وافكارهم …… وانا كنت أحد هؤلاء الناس أفكر كما يفكرون"

بدأت رحلته الشاقة في مضمار الدرس والتعلم مع نهاية الحرب العالمية الاولى، وهو ابن خمس سنوات، معتمراً عمامة خضراء دلالة نسبه الشريف الى البيت العلوي، حيث درس مبادئ القراءة والكتابة وشيء من الحساب، الى جانب حفظه للقرآن الكريم، في احدى (كتاتيب) الكاظمية في مسجد قرب دار أبيه.

استكمل بعد ذلك دراسته في احدى مدارس الكاظمية، على الرغم من نظرة الريبة والازدراء من المجتمع المتخلف ازاء المدارس الحديثة أو كما اطلقوا عليها يومئذ بـ"المكتب"، وهي نظرة من مخلفات العهد العثماني، تركت اثرها الفاعل في عزوف العديد من ابناء المدن عن ارسال اولادهم الى المدارس.

لم يستكمل علي الوردي دراسته في المرحلة الابتدائية، اذ اخرج من المدرسة في عام 1927 وهو في الصف الاخير من دراسته، وزج به في دكان احد أقربائه، ليتعلم عنده، وعلى حد تعبيره، (فن العطارة) من بيع وشراء، لقاء أجر شهري قوامه خمس ربيات فقط، بيد ان هذا التغيير المفاجئ والطارئ في مساره التعليمي لم يرقه ولم ينسجم معه، اذ وجد نفسه غريباً في وسط (العطارة)، وما يتعلق بها من معاملات التسوق وتعاملات زبائنه.

فلا غرو اذ نجده مقتنصاً كل فرصة سانحة لولوج عالمه الخاص، حيث المطالعة وقراءة الكتب داخل دكان العطار، وهو أمر قوبل بالرفض والاستهجان من رب العمل، مشدداً على ضرورة الاهتمام بأصول المهنة من إغراء وجلب للزبائن، محذراً إياه في الوقت نفسه من مغبة التقاعس عن العمل، والتوجه، وعلى حد تعبيره، نحو "قراءة لا تغني ولا تسمن"، متوعداً أياه بالطرد من العمل إذا استمر في نهجه هذا.

ضاق ذرعاً به صاحب الدكان، فقرر الاستغناء عن خدماته، فتنفس الوردي الصعداء لحرية طال انتظارها لسنوات خمس. ناءت بأوزارها عليه الى حد وصفها بـ"أبشع فترة" في حياته، بل و"مرارة لا حد لها"، لاسيما انها وقعت وهو في خضم سني المراهقة وريعان الشباب، مما زاد من معاناته وتأثره في هذه المرحلة الحرجة من عمره معاناة اضافية اثرت في تكوينه الشخصي تأثيراً كبيراً، اكده وبصورة لا لبس فيها في احدى لقاءاته الصحفية اذ جاء فيها ما نصه:

" لقد أمضيت في مهنة العطارة نحو خمس سنوات، وكانت تلك أبشع فترة في حياتي … وكنت في تلك الفترة اجتاز مرحلة المراهقة والبلوغ، وهي مرحلة ذات أهمية بالغة في نمو شخصية الانسان، ولعلني لا أغالي اذا قلت بأن شخصيتي نمت على أساس من المرارة لا حد لها ".

اصطدم داخله التواق في الرجوع الى فصول الدراسة ومتابعة تعليمه برغبة أسرته العارمة في ضرورة ممارسة عمل يتكسب منه ويعيله في أمور دنياه، وهوأمر أضطره على مضض ان يعود الى مهنة العطارة، ولكن هذه المرة افتتح دكانه الخاص به، فجمع بين المهنة والرغبة العارمة في القراءة، بل ووجد متسعاً لكتابة اولى مقالاته في موضوعات متنوعة، أرسل العديد الى مختلف الصحف والمجلات البغدادية يومئذ، متأثراً بما طالعه في هذه المدة من مقالات واخبار تناولتها الصحف والمجلات المصرية والشامية، وحازت على اهتمامه الكبير "الهلال" و "المقتطف" و "الرسالة" و "الثقافة"، بيد ان مقالاته تلك لم تلق اهتماماً من الصحافة العراقية، ولم يجد الكثير منها طريقه للنشر.

استمر على هذا المنوال بين القراءة والكتابة، حتى جاءت انعطافه تاريخية مهمة في حياته وذلك خريف عام 1931، تلك الانعطافة المتمثلة في عودته الى مقاعد الدراسة مرة اخرى، عندما علم يوماً بافتتاح مدرسة ابتدائية مسائية في الكاظمية، عندها قرر التسجيل فيها والانضمام الى فصولها الدراسية وملؤه حماسة وشغف بحب العلم، ترجمه الى تفوق في الدراسة، اهله الى استكمال دراسته الاولية في مرحلة المتوسطة، فانتقل للدراسة في "متوسطة الكرخ"، تاركاً دكانه ومهنة العطارة دونما رجعة، مستثمراً أرباحه فيها في الانفاق على دراسته التي عدها تطوراً "ذا أهمية كبيرة" في حياته.

عن رسالة (علي الوردي جهوده الفكرية وآراؤه الإصلاحية دراسة تاريخية).