الدبلوماسية العراقية في الحرب العالمية الثانية..قطع العلاقات مع دول المحور وموقف السفير في ايطاليا

الدبلوماسية العراقية في الحرب العالمية الثانية..قطع العلاقات مع دول المحور وموقف السفير في ايطاليا

د. فهد مسلم زغير

بدأ مزاحم الباجه جي، الوزير المفوض للعراق في ايطاليا، بعد قطع العراق علاقاته الدبلوماسية مع حكومة فيشي في تشرين الثاني 1941 بإجراء اتصالات في العشرين من تشرين الثاني 1941 مع وزارة الخارجية الفرنسية

والطلب منها رسمياً اتخاذ الإجراءات اللازمة لتسهيل سفره وبعض الرعايا العراقيين الذين كانوا يرغبون بالعودة إلى العراق، إلا أن وزارة الخارجية الفرنسية التي كانت منشغلة بتطورات الحرب تباطأت في الموضوع، فكرر مزاحم الباجه جي طلبه، فكتبت الخارجية الفرنسية الى لجنتي الهدنة في المانيا وايطاليا لاستحصال الرخصة منهما على مروره من ايطاليا والمانيا والبلدان التي تحت احتلالها في البلقان، وتخوفت الخارجية الفرنسية من عدم وصول الجواب على ذلك بسرعة، لاسيما من ايطاليا التي قد تضع بعض العراقيل امام عودة مزاحم الباجه جي الى العراق.

لم تكن عملية عودة مزاحم الباجه جي الى العراق سهلة لان طرق المواصلات بين ايطاليا والمانيا من جهة، ودول البلقان من جهة ثانية كانت شبه منقطعة بسبب حصر النقل بالجيوش الايطالية والألمانية إلى الجبهة الروسية، وكان النقل بالسكك الحديد ما بين (صوفيا) أو(استانبول) ممنوعاً، ولم يسمح بالسفر الا عن طريق السيارات وفي حالات خاصة جداً، وفي ظل ظروف غير آمنة وقد يتم التعرض لأخطار لا تحمد عقباها، فضلاً عن التخوف من بقاء مزاحم الباجه جي محصوراً في المناطق التي يمر بها مابين سويسرا وتركيا بسبب الاختلال الحاصل في السكك الحديد، والاضطرابات التي كانت تزداد في يوغسلافيا التي شهدت تطورات سياسية هامة.

كان هناك طريق آخر فكر في استخدامه مزاحم الباجه جي وهو طريق بحري يبدأ من (لشبونه) في البرتغال الى (موزمبيق) ومنها الى مصر أو الهند، الا ان هذا الطريق، فضلاً عن كونه محفوفاً بالمخاطر، فانه يستغرق اكثر من شهرين، ولا تبحر السفن الا مرة واحدة في الشهر، فابرق الى وزارة الخارجية العراقية يعلمها بذلك مقترحاً عليها " احداث مفوضية عراقية في سويسرا (برن) بنفس مخصصات باريس وبدون اضافة أي موظف آخر " الا ان الحكومة العراقية رفضت اقتراحه وطلبت منه العودة الى العراق فوراً ودون تأخير.

جاء رفض حكومة نوري السعيد السادسة لمقترح مزاحم الباجه جي في استحداث مفوضية عراقية في سويسرا رغبة منها في عدم بقائه خارج العراق ومنحه منصباً دبلوماسياً يبقيه بعيداً عن سيطرتها ومحاسبتها له بسبب تأييده لرشيد عالي الكيلاني عام 1941 وعلاقته غير الودية بنوري السعيد شخصياً، فقد تعهدت هذه الوزارة في منهاجها بفصل كافة الموظفين المؤيدين للكيلاني. بإزاء ذلك كان مزاحم الباجه جي يحاول البقاء في سويسرا بسبب حيادها في الحرب العالمية الثانية، وكونها بعيدة عن احوال الحرب ومخاطرها، وتؤمن له عدم العودة الى العراق وما قد يترتب على عودته من احتكاك بحكومة نوري السعيد ومحاسبتها له على موقفه السابق وتأييده حكومة الكيلاني ومعارضته للسياسة البريطانية في العراق، ففي الوقت الذي كان فيه مزاحم الباجه جي يحاول اختلاق الذرائع لعدم العودة الى العراق وكانت الخارجية العراقية تدعوه للعودة فوراً الى بغداد ولعل البرقيات المتبادلة بين مزاحم الباجه جي ووزارة الخارجية العراقية تسلط الضوء على ذلك فقد اقترحت عليه الوزارة سلوك طريق (لشبونه موزمبيق)، واوعزت اليه بالسفر مباشرة الى البرتغال للعودة الى بغداد فوراً، واستطاعت المفوضية الافغانية في فرنسا التي تولت شؤون العراق هناك بعد قطع العلاقات الدبلوماسية بين العراق وفرنسا ان تحصل لمزاحم الباجه جي على تأشيرة دخول الى البرتغال، الا ان الحكومة الاسبانية رفضت منحه سمة المرور من اراضيها بحجة ان العراق يعد من الدول المشتركة في الحرب العالمية الثانية، لذلك لا يتسنى لها ان تمنح أحد دبلوماسييه سمة المرور عبر اراضيها للذهاب الى البرتغال. كان مزاحم الباجه جي خلال هذه الفترة يعيش في حياة صعبة ويعاني من قلق نفسي غير قليل، فبعد قطع العلاقات العراقية الفرنسية، غادر مدينة فيشي وسكن في (الريفييرا) متنقلاً ما بين (نيس) و(موناكو) بانتظار انتهاء قضية سفره وعودته الى العراق بعد ان رفضت الحكومة العراقية تعيينه في سويسرا، فكتب في السادس عشر من آذار 1940 معلقاً على وضعه " اني في اشمئزاز عظيم من هذه الحياة الخالية من العمل، لا أدري ما أعمل والطرق جميعها مسدودة ولا استطيع الوصول إلى العراق " ثم عاد بعد أسبوع ليكتب انه متضايق للغاية من حالته وفي حيرة من امره، لان " البقاء هنا غير مناسب والسفر منه متعسر " وفي السادس والعشرين من آذار 1942 كتب منتقداً بشكل غير مباشر رئيس الوزراء نوري السعيد، فجاءت كلماته وهي تعبر عن معاناته الإنسانية العميقة قائلاً " اني غير مرتاح من وضعي الذي خلفه لمن في بغداد برفضهم تعييني بسويسرا" واستطرد قائلاً " قاتل الله الأغراض التي تعمي وتصم".

كانت اخبار العراق وتطوراته السياسية بعيدة عن مسامع مزاحم الباجه جي حتى زاره في الثاني من نيسان 1942 المسيو لكوبيه وزير فرنسا المفوض في بغداد، وعلم منه ان بعض السياسيين العراقيين امثال ناجي السويدي وموسى الشابندر وعبدالقادر الكيلاني اعتقلوا، وان الرأي العام في العراق متعاطف مع المانيا، وتزداد كراهية العراقيين لبريطانيا والمؤيدين لسياستها امثال نوري السعيد الذي يمقته الناس بسبب سياسته المعادية للوطنيين العراقيين، ونصح الدبلوماسي الفرنسي، مزاحم الباجه جي بعدم الرجوع الى العراق وبالبقاء في فرنسا لان المحافل الحكومية والبريطانية تعد مزاحم الباجه جي" من اصحاب الميول نحو دول المحور".

وفي الثالث من نيسان 1942 أبلغت المفوضية الافغانية في فرنسا مزاحم الباجه جي بانها علمت من القنصلية الالمانية العامة ان طلب سمة مرور مزاحم الباجه جي عبر البلقان قد تم رُفضه، واذا تقدمت وزارة الخارجية الفرنسية مجدداً بطلب التأشيره من وزارة الخارجية الالمانية في برلين فان منح التأشيرة قد يكون ممكناً.

وفي الوقت الذي كان فيه مزاحم الباجه جي منشغلاً في موضوع التدبير لسفره الى العراق، وتفضيله السفر عن طريق البلقان الى تركيا بدلا من السفر عن الطريق البحري المار من لشبونه الى موزمبيق لان الطريق الثاني محفوف بالخطر بسبب اغراق عدة بواخر بريطانية وبرتغالية فيه بواسطة الغواصات اليابانية،فانه تلقى في الثالث والعشرين من نيسان عام 1942 برقية من وزارة الخارجية العراقية تفيد بان مجلس الوزراء العراقي في جلسته المنعقدة في الحادي والعشرين من نيسان 1942 قرر انهاء خدماته من السلك الخارجي اعتباراً من الحادي والعشرين من نيسان 1942، الأمر الذي عزاه مزاحم الباجه جي وأكد أن سببه الحقيقي هو " الحقد الدفين الذي تحفظه علي بعض الصدور في الوزارة القائمة في بغداد ورئيسها نوري السعيد".

عن رسالة: مزاحم الباجه جي ودوره في السياسة العراقية [1934 – 1968]