من خفايا تاريخ العراق الحديث..جريدة (الشرق) وصاحبها حسين أفنان سنة 1920

من خفايا تاريخ العراق الحديث..جريدة (الشرق) وصاحبها حسين أفنان سنة 1920

صادق الطائي

حسين افنان من الاسماء التي لمعت في أجواء سياسية الشرق الاوسط، وتحديدا في العراق في طوري الاحتلال وبدء الحكم الوطني، وبالرغم من أنه ايراني الاصل، فلسطيني المولد، بهائي الديانة، إلا أنه لعب أدوارا مهمة في السياسية العربية والعراقية،

وربما كان تاريخه العائلي يؤهله لأن يكون بمنصب ديني كبير جدا في الديانة البهائية، إلا إنه توجه الى السياسة والادارة وبرع فيهما. فعندما توفي المؤسس الحقيقي للديانة البهائية عباس افندي (عبد البهاء) عام 1921 رشح البهائيون أكثر من اسم لخلافته لرئاسة الدين البهائي، وفي النهاية حصرت الترشيحات في سبطي بهاء الله، نبي البهائية، وهما حسين افنان، وابن عمه وابن خالته في نفس الوقت، شوقي بن هادي افنان الشيرازي، الذي استقر عليه الاختيار ليعرف لاحقا باسم شوقي افندي رباني.

إذن حسين افنان هو سبط حسين علي النوري الملقب ببهاء الله (1817- 1892) مؤسس الديانة البهائية، فهو حسين روح بن علي أفنان الشيرازي، وأمـه فروغيـة ابنة بهاء الله وأخـت عباس افندي المعروف بـ عبد البهاء. ولد حسين أفنان في عكا بفلسطين سنة 1889 حيث نفي جده وعائلته من الدولة القاجارية الى العراق اولا، ثم ابعدته الدولة العثمانية من العراق ليستقر في اقامة جبرية في مدينة عكا. وقد درس حسين في مدرسـة الكـويكرز في برمانا، ثم في الجامعة الأميركية في بيروت فنال درجة بكالوريوس فنون عام 1912، ونتيجة تفوقه عين معيدا في الجامعة.

لكنه لم يكتف بذلك وأحب أن يكمل تعليمه العالي حيث درس الاقتصاد السياسي في جامعة كمبريدج البريطانية العريقة، ليعين مترجما في (مكتب القاهرة) التابع للمندوب السامي البريطاني، والمختص برسم السياسيات البريطانية في الشرق الاوسط، ثم أنتقل للعمل موظفاً في حكومة السودان سنة 1916، وسرعان ما اشتعلت ثورة الحجاز بقيادة أمير مكة، الشريف الحسين بن علي ضد الدولة العثمانية، فتم نقل خدمات حسين افنان الى جدة ليعمل كاتب سر المعتمد البريطاني في الحجاز رونالد ستورس، الذي ذكر افنان في مذكراته التي اصدرها بعنوان (توجهات بريطانية – شرقية)، إذ تحدث عن المكاتبات الشهيرة بين المندوب السامي البريطاني في مصر السير هنري مكماهون والشريف حسين أمير مكة التي عرفت بمراسلات (مكماهون – حسين)، إذ يقول ستورس إن وكيله الفارسي الصغير قد وضعها باللغة العربية ويشير في ص 169:"أعد حسين روح نصوص مراسلاتنا مع مكة، لغته العربية كانت جيدة ولكنها ليست رصينة، فهو عميل جيد وليس عالما، لذا قمت بمراجعتها بنفسى بالرغم من ضغوط العمل".

انتقل بعدها حسين افنان للعمل معاوناً لآمر معتقل الأسرى العثمانيين في (سمر بور) في الهند، فتعرف على عدد من الضباط العراقيين الذين أهلتهم الظروف لان يكونوا لاحقا في جيش الامير فيصل بن الحسين ثم رجال الدولة العراقية الناشئة فيما بعد. ثم خدم أمداً قصيراً في حكومة الانتداب في فلسطين، لينتقل للعمل في العراق الذي اصبح بلده الثاني، إذ جاء إلى بغداد سنة 1920 فخدم في ديوان الحاكم الملكي البريطاني، وأصدر جريدة الشرق في آب/اغسطس 1920 لتكون – كما قال في فاتحة عددها الأول – جريدة حرة معتدلة مبدأها خدمة البلاد وغرضها نشر الأفكار الحـرة والمبادئ القومية وبث روح السياسة المسالمة ونشر الحقائق الناصعة.

إلا إن رفائيل بطي في محاضراته عن الصحافة العراقية يذكر إن جريدة الشرق كانت لسان حال الاحتلال البريطاني، وإنها عاضدت السياسة البريطانية بقوة، ولعلها الصحيفة الوحيدة التي تجرأت فنشرت مقالات تمتدح الانتداب البريطاني في العراق، وكان من بين كتابها اللامعين الزهاوي، وشكري الفضلي وانستاس ماري الكرملي. ولم يطل العهـد بهذه الجريدة، اذ اغلقت بعد شهرين عندما عين حسين أفنان سكرتيراً لمجلس الوزراء عند تأليف الوزارة العراقية الاولى برئاسة السيد عبد الرحمن النقيب، وكان افنان حلقة الوصل بين المندوب السامي البريطاني والوزارة الجديدة. لكن البعض أشار الى إن افنان كان عينا للبريطانيين في مجلس الوزراء، كما أشارت مس غيرترود بيل في احدى رسائلها في حزيران 1921.

وقد كانت مس بيل تعرف حسين افنان معرفة جيدة، وقد ذكرته في رسائلها فقالت:"جمعت مائدة العشاء في داري النخبة المعتادة من زملائي وهم الرائد يتيس، والنقيب كلايتون، والرائد موري، بالاضافة الى السيد حسين افنان رئيس تحرير احدى الجرائد العربية التي تصدر هنا. انه لا يكاد يقل عني إجادة في مجال التحدث باللغة الانجليزية، كما انه يحسن اللغتين العربية والفارسية، بالاضافة الى ما لديه من معلومات واسعة حول الشرق الادنى وتفهمه التام لوجهة النظر الاوربية وتعاطفه المطلق معها"، ثم تضيف" انه غير متفائل بمستقبل الشرق، وإن ما يستقطب دهشته هو مدى ما تتميز به الحياة الخاصة في هذا العالم من إثم وافتقار تام للقيم الاخلاقية".

مع نشوء المملكة العراقية، نقل أفنان مديرا للتشريفات بوزارة الخارجية في حزيران 1925، فسكرتيرا للمفوضية العراقية في لندن في نیسان 1930، وعندما صدر القانون رقم 44 لسنة 1931 والذي تشكلت بموجبه لجنة العملة العراقية، ترأس حسين افنان اللجنة التي انيطت بها مسؤولية إصدار عملة عراقية جديدة، وفي 16 اذار/مارس عام 1932 صدرت للمرة الاولى عملة عراقية ورقية، تحمل صورة الملك فيصل الاول وتوقيع حسين افنان.

عمل افنان ممثلا للعراق في عصبة الأمم، وهنا لابد من الاشارة الى حادثة كادت تعرقل نهاية الانتداب البريطاني ودخول العراق لعصبة الامم، إذ حصل نزاع على الدار التي سكنها بهاء الله في محلة الشيخ بشار في جانب الكرخ من بغداد أثناء نفيه اليها من إيران سنة 1853، إذ نزل في الكاظمية ثم انتقل الى محلة العاقولية ليستقر في دار واسعة في محلة الشيخ بشار تعود للميرزا موسى الجواهري. وهذه الدار اعتبرها البهائيون مكانا مقدسا بالنسبة لهم واستنفروا صلتهم ونفوذهم لدى المندوب السامي البريطاني ببغداد لاستردادها، ورفع أمر النزاع إلى عصبة الأمم سنة 1930، باعتباره مؤشرا على تعامل المملكة الفتية مع الاقليات الدينية، فما كـان من حسين أفنـان إلا أن يدافع وبقوة عن وجهة النظر العراقية الرسمية ضد البهائيين، ليصدر حكم المحكمة العراقية باعادة العقار إلى ملاكه من الطائفة الشيعية ليعود مسجدا شيعيا (حسينية) كما كان.

ويجب أن نذكر في سيرة حسين افنان إنه تزوج السيدة بديعة الحصري عام 1923 التي اصبح اسمها الرسمي بديعة افنان، وهي ابنة بديع نوري الحصري شقيق الاستاذ ساطع الحصري، وقد عمل ابوها متصرفا للواء المنتفك اواخر العهد العثماني، وقد تعرض لمؤامرة أدت الى مقتله في العشار، في البصرة عام 1913، وقد اشارت التحقيقات الى ان من حرض على قتل بديع الحصري هو السيد طالب النقيب نتيجة خلاف بين النقيب والسلطات العثمانية. والسيدة بديعة افنان كانت من سيدات المجتمع البغدادي، ولها صلات وطيدة بسيدات العائلة المالكة في العراق، وقد كانت امرأة على درجة عالية من التعليم والثقافة، وهي اول سيدة عراقية تعمل في السلك الدبلوماسي، اذ عملت في مفوضية العراق في عصبة الامم، ثم انتقلت لاحقا للعمل في دوائر وزارة الخارجية المختلفة لمدة طويلة، وتعد بديعة افنان من اعلام النهضة النسوية في العراق الحديث.

اما حسين افنان فقد نقل من مفوضية عصبة الامم للعمل سكرتيراً للمفوضية العراقية في أنقرة في أيلول/سبتمبر 1932، ثم أخرج من سلك الخدمة الخارجية بعد أمد قصير، إذ عين ضابطا لتسوية الأراضي في إدارة السكك الحديدية في شباط/فبراير 1934، فسكرتيراً لمجلس إدارة السكك التي استقال منها واستقر في بيروت التي توفي ودفن فيها في 18 نوفمبر 1940.

ويذكر مير بصري في كتابه اعلام السياسية في العراق ص 496: "عرفت حسين أفنان أثناء عملي في وزارة الخارجية سنة 1928، وهـو مـدير التشريفات، واتصلت المعرفة بيننا بعد ذلك. وكانت معرفته للغة العربيـة جيدة. ووجدته رجلاً فاضلا نبيلا دمث الأخلاق خدم العراق في ظل الانتداب البريطاني بثقة وحسن طويـة مدافعاً عن المصلحة الوطنية حسب إمكانه في أثناء تكوين المملكة العراقية، وكان في أعوامه الأخيرة شديد الكآبة يميل إلى اليأس شاعراً إن العراق الذي اتخذه وطناً وعمل فيه نحوا من عشرين سنة قد شك في نواياه الطيبة وأبعده عن مركز الخدمة بعد زوال الانتداب ووفاة الملك فيصل الأول".