كربلاء كما شاهدتها الرحالة مدام ديولافوا سنة 1881

كربلاء كما شاهدتها الرحالة مدام ديولافوا سنة 1881

جعفر الخياط

في ولاية تقي الدين باشا الثانية في بغداد زارت العراق سنة 1881 (1299 ه) الرحالة المعروفة مدام (ديولافوا) مع زوجها المهندس المعماري و عالم الآثار الفرنسي مارسيل ديولافوا، قادمين من ايران فزارا من العتبات المقدسة الكاظمية و كربلا،

و كتبت في رحلتها (2) شيئا عنهما. و قد ذهبت إلى كربلا عن طريق الحلة خلال كانون الأول 1881، و بعد ان زارت مع زوجها و أصحابها آثار بابل توجهت اليها. و هي تقول ان كربلا تعد من مراكز الشيعة المهمة، و ان فيها عددا من المدارس الدينية الكبيرة التي يقضي فيها طلبة العلم عشرين سنة أو أكثر في بعض الأحيان. و يلاحظ مما ورد في الرحلة ان الليل أدرك القافلة و المطر يتساقط عليها ما بين الحلة و كربلا، فاضطرت الى النزول في قرية صغيرة تبعد عن الأهوار المحيطة بالطريق بمسافة لا تزيد على الكيلومترين. و هناك نزلت في خان صغير يحيط به عدد من الدكاكين، و تنيره بعض الفوانيس النفطية. و لعلها تقصد أحد الخانات‏ الموجودة في الطريق بين كربلا و النجف‏ .

و قبيل ان تصل قافلة المدام (ديولافوا) في صبيحة اليوم الثاني الى كربلا، مرت في طريق زاهر تحفه البساتين و الحدائق، و تكتظ في جانبيه أشجار النخيل و الليمون. و كانت حركة المرور نشطة في هذا الطريق، كما كان الكثيرون من المارّة نسوة يمتطين الدواب او يقطعن الطريق سيرا على الأقدام.

و حينما وصلت القافلة إلى باب البلدة القديمة، التي كانت تمتد بين يديها ساحة واسعة الأرجاء، لاحظت المدام ديولافوا وجود عدد غير يسير من الحجّارين الذين كانوا منهمكين في صقل أحجار القبور و الكتابة عليها بحبث تكون جاهزة للبيع إلى أصحاب الجنائز التي ترد بكثرة من الخارج للدفن في المدينة المقدسة. و كثيرا ما كان هؤلاء الحجّارون يحيطون بالجنّازة الغرباء و يلحون عليهم في بيع ما عندهم من بضاعة إليهم. و بعد أن يتم الاتفاق على الثمن، كانت تكتب الأسماء على الأحجار فتؤخذ لتبنى فوق القبور.

و تقول المدام ان حراس الباب لم يسمحوا لها و لجماعتها بالدخول منه، بل أشاروا عليهم بالدخول من خلف السور و النزول في البيوت الحقيرة الكائنة في آخرها. و حينما ذهبوا في طريقهم إلى هناك مروا بالكثير من مخيمات الزوار الفقراء الذين لم يكونوا يستطيعون دفع الأجور اللازمة إلى أصحاب المنازل و الخانات. و قد اضطرت الى النزول في منزل قذر مظلم‏ ذي حجر ضيقة، لأن البلدة كانت تزدحم بالزوار، و لأنها كانت تفضل الإبتعاد عنهم.

و ما ان استقر بها المقام في هذا المنزل حتى صعدت إلى سطحه لتتطلع من فوقه إلى منظر البلدة الفريد على حد قولها، و لتشاهد من بعيد قبة الضريح المقدس المكسوه بالذهب من الجهة اليسرى، و القبة المكسوة بالقاشاني الأزرق من الجهة الأخرى و كانت من صنع العهد الصفوي الأخير على ما تقول.

و يبدو مما تذكره في الرحلة انهم قد اتعظوا بالحادث الذي كان قد وقع لزوجها في الكاظمية من قبل، و لذلك كان من رأيهم ان يتأكدوا من كل ما يفعلونه و يعدوا خطة محكمة يتمكنون فيها من الدخول إلى الحضرة المطهرة التي يقدسها الشيعة غاية التقديس. و من أجل هذا كله، و حرصا على تحقيق ما صرفوا الكثير من أجله و تجشموا المصاعب في سبيله، فقد جاء زوجها معه من بغداد بعدد من التوصيات إلى رجال الدين و المسؤولين الحكوميين في كربلا، و إلى عدد من وجوهها.

و كان أول ما فعلوه أنهم توجهوا إلى زيارة القنصل الإيراني في محله فوجدوه رجلا لطيفا رحب بهم و أحسن لقاءهم، ثم وعدهم بأن يبذل غاية جهده في تحقيق رغبتهم. و لذلك بادر في الحال الى استدعاء الكليدار للحضور عنده و عرض الأمر عليه. لكن الخادم الذي بعث به سرعان ما عاد إليه ليخبره بأن السيد الكليدار كان قد ترك البلدة منذ مدة "لتغيير الهواء" و الترويح عن النفس، و لا يؤمل رجوعه الا بعد أسبوع! غير ان هذا لم يفت في عضدهم بسهولة، لأن المسيو ديولافوا نفسه أخرج له كتاب التوصية الذي كان يحمله من الوالي في بغداد إلى رجال الحكومة في كربلا. فتشجع القنصل بذلك و ركب لمقابلة الكليدار بنفسه، و التداول معه في الموضوع العويص، و وعدهم‏ بأن يبعث لهم بالنتيجة.

و قد زارهم في عصر ذلك اليوم "جماعة من القراء و أصحاب العمائم"، و بعد أن هنأوهم بسلامة الوصول و رحبوا بهم تركوا الحديث إلى أحدهم.

فأخذ هذا يسهب و يطنب في القول، و يصف سرور القنصل الايراني لو شرفوه بالنزول في بيته، و مقدار الشرف الذي أصاب الكليدار بتسلم التوصية من الباشا الوالي في بغداد. ثم أفاض بحديثه عن جلال الضريح المقدس الذي زاره شاه إيران مشيا على الأقدام (كان ناصر الدين شاه قد زار العتبات قبل مجي‏ء مدام ديولافوا)، و طلب اليهم ان يشكروا اللّه على هذه الفرصة الذهبية التي سنحت لهم في المجي‏ء إلى هذا المكان الذي لم يسمح لغيرهم من الأجانب قبل هذا به. و بعد اللتيا و التي عرض عليهم فقط أن يشاهد المشهد الشريف من سطح احد الدور القريبة اليه، بشرط ان يضعوا فوق رؤوسهم الطرابيش التركية الحمراء دفعا للشك و الريبة بهم.

غير ان المسيو ديولافوا اعتذر عن وضع الطربوش التركي فوق رأسه بأي حال من الأحوال، و هو الذي كان لا يكره أحدا بقدر ما يكره الأتراك أنفسهم على ما تقول زوجته المدام في رحلتها.

فبدا أن زوارهم قد اقتنعوا بوجهة نظره، و ضربوا لهم موعدا في صباح اليوم التالي بأن يأخذوهم إلى الدار المجاورة. لكن اليوم التالي (28 كانون الأول 1881) قد حل و لم يأت إليهم أحد في الموعد المضروب، فخرجت المدام و زوجها للتفرج على البلدة.

و هي تقول إنهم مروا بعدة مقابر متسعة، كانت تظللها الأشجار الكثيرة. و قد لاحظوا ان بعض المقابر هذه كانت للتجار. و سراة القوم، و هي مظللة بالأشجار و قريبة من حدود الصحن الشريف، و ان بعضها الآخر كان للفقراء و؟؟؟

و هو الذي يمتد إلى خارج البلدة. و تذكر كذلك أنهم كانوا يصادفون أصحاب العمائم من مختلف الأعمار أينما اتجهوا في البلدة. و تضيف إلى ذلك قولها ان كربلا كانت عبارة عن جامعة دينية كبيرة يقصدها طلبة العلم من كل حدب و صوب في أنحاء العالم الإسلامي، فيقضون معظم سنيّ حياتهم فيها. و ان هؤلاء كانوا يعيشون على الهبات و التبرعات التي يقدمها الناس من مختلف الطبقات عن طيبة خاطر. ثم تتطرق إلى ما كان يقدم للحضرة المطهرة من أثاث فاخر و سجاجيد ثمينة، و أوان نفيسة ابتغاء مرضاة اللّه و الفوز بالثواب.

على ان الطريف في الأمر، أنهم حينما عادوا إلى المنزل وجدوا بانتظارهم رجلا جاء يفاوضهم بلبس الطربوش من جديد متجاهلا جميع ما سبق ان اتفقوا عليه من قبل. فضاق المسيو مارسيل ذرعا بهذا المطل و التملص، و قرر الرجوع في الحال إلى بغداد، فعاد بخفي حنين.

عن موسوعة العتبات المقدسة ــ قسم كربلاء