يوسف عمر في معهد الدراسات الموسيقية

يوسف عمر في معهد الدراسات الموسيقية

حسين الاعظمي

يوسف عمر الرجل الذي كرس حياته الغنائية في اداء المقام العراقي، بل كرس كل حياته منذ ان نشأ في اهتمامه بالغناء المقامي ذي الروح والتعبير البغدادي، حيث غنى معظم المقامات كبيرها وصغيرها، أو كل المقامات العراقية المتداولة في بغداد..! وقد اجاد ونجح في جميعها على وجه التقريب، واداها بنضوج فطري ترافقها خبرة طويلة في الممارسة، اضافة الى الموهبة التي يتمتع بها.

ان المقامات العراقية التي غناها يوسف عمر تكشف النقاب عن امكانية مؤثرة في الجماهير، حيث امتاز يوسف عمر بطريقة اداء واسلوب غنائي تعليمي واضح المعالم ودراسي، جاء بالفطرة دون قصد منه. أي ان طريقته الغنائية السهل الممتنع كما يقال في الادب. ولعل هذه الميزة التي انفرد بها يوسف عمر، من اهم اسباب نجاحاته في الاداء وبناء مجده الذي لم يكن يوسف عمر قد حسب له حسابا بالمرة(هامش1).

وبهذه السهولة الادائية فقد كان يوسف قريبا لابسط المستمعين ثقافة، وقد كنت شخصيا استعين بالكثير من تسجيلاته خلال تدريسي للمقام العراقي في معهد الدراسات الموسيقية، باعتبارها نموذجا غنائيا واضح المكونات في نفس الوقت..! وقد اعتمد يوسف عمر في اسلوبه هذا على تبيان عناصر المقام العراقي واجزائه في تسلسل واضح وجيد في معظم الاحيان، والسامع يستطيع من الوهلة الاولى ان يتتبع سير او تشخيص محتويات المقام العراقي الذي يسمعه بصوت يوسف عمر. بذلك فقد حصل يوسف على مستمعين من كافة المستويات بمزيد من المتعة، ويمكن تقارب هذا القول في اساليب بعض المشاهير المؤدين الذين حازوا على جزء من صفة السهولة الادائية الذين يبدو حماس الجماهير لهم حماسا صادقاً.

منذ تأسيس معهد الدراسات النغمية العراقي، عام 1970، أثار إنتباه الاوساط الغناسيقية في العراق، وأصبح ملاذاً ومركزاً فنياً مهمَّاً لكل الوسط الفني في عموم البلد، رغم تخصصه في غناء وموسيقى المقام العراقي فقط. وعليه بدأت تـُعقدُ وتــُبنى الآمال الفنية عليه، في إعداد المواهب الفتية في الغناء والموسيقى. وبدأ جمع من الفنانين بالتقرب من المعهد في زياراتهم المتكررة، وبالتالي توطيد علاقاتهم بادارة المعهد وطلبته. فكان كثير من الفنانين المعروفين يتردَّدون على هذا المعهد الفتي، خاصة والمعهد كان بين الحين والآخر يقيم الامسيات داخل المعهد وخارجه في شتى المناسبات الطلابية والوطنية. وقد كان لعلاقة استاذنا شعوبي ابراهيم بيوسف عمر، سواء من حيث عملهما في اقامة الحفلات، او علاقتهما الاجتماعية ولقاءاتهما المستمرة في مقاهي الاعظمية، امر جعل يوسف عمر يكون دائم الزيارات الى المعهد ليصطحب صديقه الحميم شعوبي ابراهيم، اما لحفلة ما، او الذهاب معا الى المقهى..! فضلاً عن زيارات فنانين آخرين، حتى وصل الامر في بعض الأحايين الى أن يشارك بعض الفنانين المعروفين من خارج المعهد، بهذه الأماسي. وابرزهم كان فناننا الكبير يوسف عمر. ولعل الصور الموجودة في هذه الحلقة تؤكد هذه الحالة، ففي الصورة رقم 1 مثلاً، يظهر فيها مطربنا الكبير يوسف عمر بين أساتذة وطلبة المعهد يغني في إحدى هذه المناسبات يرافقه في العزف الاستاذيْن الكبيرين روحي الخماش وشعوبي ابراهيم (هامش2). نلاحظ أيضا أن تاريخ هذه الامسية 7/11/1974، أي كان قبل زيارة مطرب العصور المقامية محمد القبانجي الى المعهد في 11/11/1974 بأربعة أيام، الزيارة التي ذاع صيتها في الآفاق كالنار في الهشيم، والتي ادت الى انتباه كل الجماهير في بلدنا العراقي لاهمية هذا المعهد الفتي وقيمته الفنية والدراسية.